أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - قراءات في عالم الكتب و المطبوعات - خالد محمد جوشن - الجانب المظلم من ثورة 23 يوليو ، الفصل العاشر من كتاب يوسف درويش ، شجاعة الصمود1















المزيد.....



الجانب المظلم من ثورة 23 يوليو ، الفصل العاشر من كتاب يوسف درويش ، شجاعة الصمود1


خالد محمد جوشن
محامى= سياسى = كاتب

(Khalid Goshan)


الحوار المتمدن-العدد: 8775 - 2026 / 7 / 23 - 04:57
المحور: قراءات في عالم الكتب و المطبوعات
    


تشكل ثورة يوليو 1952علامة فارقة فى حياة الشعب المصرى ، ولايمكن انكار انها غيرت بوصلة البلاد 24 درجة واستطاعت فى ضربات متتالية ان تغير الواقع المعاش للفلاحين والعمال بالدرجة الاولى ، لقد تغيرت نسبة الخمسة بالمائة بالفعل .

كان جمال عبد الناصر القائد الحقيقى للثورة صاحب برنامج طموح برؤيته وفهمه وظروف عصره ، ولكن حكم جمال عبد الناصر لو تصورناه كتاب فهو مترع بصفحات بيضاء كثر ، تحسب له وصفحات سوداء قاتمة تحسب عليه .

والغريب ان رغم مرور أربعة وسبعين عاما على الثورة الا انه لم يفرج عن وثائقها الخفية لنتعلم من ايجابياتها وخطاياها .

وكما يحدث فى فى معظم دول العالم أنه يتم الافراج عن الوثائق بعد ثلاثين عاما او خمسين ، فلم نسمع عن انه تم الافراج عن الوثائق لثورة يوليو ، وربما ليس لدينا فيما اعلم قانون ينظم ذلك .

وهكذا يظل المصدر الرئيسى لمعرفة الصفحات البيض والسود من تاريخنا الحديث ، بيد معاصريه وأرشيفهم الشخصى الذى يخضع للهوى الانسانى .

وعلى الباحث المدقق ان يحاول ربط الاحداث ببعضها لان التاريخ المحكى يشمل دائما عشرات الاشخاص ، ويمكن محاولة سد الفجوات او الهنات فى التاريخ المحكى من شخص، بحكاية أخرى لشخص اخر ، تتناول نفس الفترة وتتشارك معها فى احداثها وعناصرها .

مناسبة هذا الكلام اننى كنت أقراء فصول الكتاب الشهير المعنون يوسف درويش شجاعة الصمود، وهالنى بل وأرعبنى الفصل العاشر فيه تحت عنوان معسكرات اعتقال عبد الناصرصفحة 270 وما بعدها ، ما هذا الرعب الانسانى والمعاملة المريعة والسحق الجسدى الذى يصل الى حد الموت تحت وطأة الضرب والتعذيب ، لمواطنين مخالفين فى الرأى لايملكون سوى اقلامهم .

انها صفحة مترعة بالسوداء فى كتاب عبد الناصر ويستحيل تبريرها ، وتواترها فى اكثر من مصدر يؤكد ان التعذيب والتدمير للجسد والنفس الانسانية ، كان اسلوب لسحق المعارضين خلال فترة حكم عبد الناصر .

والقتلة هؤلاء مازال بعضهم حيا يرزق ولكن فى أرذل العمر ، ولاتوجد طريقة ناجعة لوقف هذه الفاجعة من العودة مرة أخرى سوى فضح هؤلاء المجرمين ، فجرائم التعذيب لايسرى عليها التقادم مهما طال الامد .

ترى لو ان ناصر لم يدمر المؤسسات المتوازنة فى مصر قبل الثورة التشريعية والتنفيذية والقضائية ، هل كان يستطيع سحق معارضيه من خلال القفز على الداخلية والسلطة القضائية باستخدام الشرطة العسكرية والمحاكمات العسكرية التى ليس من دورها القبض والتفتيش والمحاكمة والزج فى السجون .
ان هذا الدرس المريع والذى سنورد فصلا منه يؤكد لنا انه لايمكن لدولة ما ان تسمح لسلطة بالطغيان على السلطات الاخرى وتحتكرها ، فالسلطة مفسدة والسلطة المطلقة مفسدة مطلقة .
وربما يكون نشر الفصل العاشر من كتاب ( شجاعة الصمود - يوسف درويش - تاليف د فايزه راضى وترجمة صديقى الجميل - كامل العزب وايمن شرف – دار نشر الترجمان ) ، هو رسالة تحذير مستمرة وممتدة ، رسالة تحذير تؤكد ان الاوطان لاتبنى على الرعب والخوف ، وان مايظهر انه بناء دائم وامن هو أوهى من بيت العنكبوت ، ولعل الاطاحة بكل منجزات ناصر لاحقا تؤكد ان الاوطان تبنى بالحرية الحقيقية وان الحرية مهما شطت لن تهدم امة ، ولكن الظلم والطغيان وقتل حرية الانسان سيهدمها بخطى سراعا ، والى الفصل العاشر معسكرات اعتقال عبد الناصر :

1 زوار الفجر
كتب يوسف فى واحدة من رسائله الى إقبال ، يستعيد ذكرى ليلة راس السنة فى ديسمبر 1958: كان يوما لاينسى فى سجلات تاريخ عائلتنا ، اتذكر انك اعددت غذاء فاخرا ثم خرجنا نحن الاربعة مجاهد ونولة وانا وأنتى فى نزهة طويلة معا كعائلة ، وبعد ذلك قدمت لكل منكم هدية .

هل تتذكرين ؟ كانت هناك صورة جماعية التقطها لنا المصور ، ثم تناولنا عشاءنا المتأخر وقضينا حفلة مليئة بالضحك والاغانى والفرح ، ذكريات سعيدة عن ذلك اليوم واخرى مؤلمة ، وكأن الحياة نفسها تتبع مسارها فى ذلك اليوم ، تلك الليلة .
بدأت الذكريات المؤلمة بوصول زوار الفجر مجددا الى عتبة بيت يوسف ، عادت اقبال ويوسف الى منزلهما من حفلة راس السنة الواحدة صباحا وصلت الشرطة فى الواحدة والنصف ، ادرك يوسف على الفور ما كان يحدث ، لايجروء احد على طرق الباب فى الساعات الاولى من الصباح بمثل هذه الصفاقة الا البوليس السياسى .

يتذكر يوسف تلك الليلة المشؤمة : " مع ان احد لايصدق انه سيفقد حريته ويخطط حياته بناء على ذلك ، الا اننى كنت مستعد نوعا ما ، عقليا وان لم يكن عاطفيا ".

كنت فى خريف 1958 منسقا عمليا للحزب فى شبرا الخيمة ، وفى شهر ديسمبر أدلى عبد الناصر بتصريح هام فى إشارة الى حرب السويس وثورة
14 يوليو العراقية ، وقال ان النضال ضد الامبريالية قد انتصر ، وعندما سمعت ذلك فهمت انه ينوى قمع الشيوعيين ، فهو لم يعد بحاجة الى دعمهم ضد الامبريالية ، وفى 29 ديسمبر شرحت تحليلى لتصريح عبد الناصر فى اجتماع للحزب الشيوعى المصرى فى منطقة القاهرة الكبرى ، برئاسة المنسق العام للحزب عادل سيف النصر من الراية .

" كنت قد رتبت للاختباء قبل ان اقدم للرفاق تقيمى للموقف ، أستاجرت شقتين كمخبأين شقة فى مصر الجديدة واخرى فى السيدة زينب ، فكرت اننى بهذه الطريقة استطيع التنقل بسهولة والاختباء عند الحاجة ، رفض عادل يوسف كلامى باستخفاف محتجا بان علاقات الشيوعيين بعبد الناصر ممتازة وأننا ليس لدينا ما نخشاه، وكان مخطنا تماما، لكن النتيجة كانت أن أيا لم يختبئ، فوقعنا في الفخ، وفي هذه الحالة كان من المؤسف أنني كنت منضبطا، ومدرباً على الالتزام بقرارات الحزب بشكل أعمى نوعا ما، فتخليت عن فكرة المخابئ وبعد يومين ألقي القبض علي .

انتقد يوسف التسرع في تشكيل الحزب الشيوعي المصري في 8 يناير 1958 ليس لأسباب أيديولوجية وحسب، بل أيضًا لأن التوقيت كان خاطئا، وهو ما سهل تحديد هوية أعضاء الحزب لسبب بسيط، هو سهولة اختراق الأمن داخل التنظيم الواحد .

عندما تشكل الحزب الشيوعي المصري نظمت القيادة صفوفها علنا وكشفت أسماء الرفاق، مما جعلنا جميعًا تحت رقابة جهاز الأمن الهائل للنظام، وهذا ما حدث، كما قال يوسف، رغم تحذيرهم المسبق من الأوقات العصيبة القادمة فلم يكن سرا أن ناصر هددنا مباشرة عندما أرسل رسالة إلى الشيوعيين عن طريق أنور السادات، المعروف بـ «الرجل المطيع لناصر، يطلب منا حل الحزب وإلا فسيجد هو نفسه وسيلة لحله .

كان السبب المباشر لخلاف ناصر مع الحزب الشيوعي المصرى هو دعم الحزب للشيوعيين العراقيين الذين عارضوا الوحدة مع سوريا، وقيام الجمهورية العربية المتحدة .

فبعد ثورة 14 يوليو 1958 العراقية شكل زعيمها عبد الكريم قاسم تحالفًا قصير الأمد مع الحزب الشيوعي العراقي الذي كان يتمتع بدعم شعبي قوي، ولأن النظام المصري حل جميع الأحزاب السياسية في سوريا، وأقام حكماً شبه ديكتاتوري عقب تشكيل الجمهورية العربية المتحدة في 1 فبراير58 19رفضت الجبهة القومية الشيوعية العراقية مبادرات ناصر للانضمام إلى الاتحاد وإنحازت الأغلبية في الحزب الشيوعي المصرى إلى الحزب الشيوعي العراقي ضد ناصر.

وعارضت أقلية من الأعضاء السابقين في الحركة الديمقراطية للتحرر الوطني في المكتب السياسي للحزب الشيوعي المصرى - هم شهدي عطية الشافعي وفؤاد حبشي وكمال عبد الرحيم وأحمد الرفاعي موقف الشيوعيين العراقيين، وأرتاوا ضرورة دعم حكم البرجوازية الوطنية لعبد الناصر باعتباره مرحلة تقدمية ما قبل اشتراكية.

وفي أواخر يوليو طرد الحزب الشيوعي المصري القادة الأربعة المنشقين، وفي أوائل عام 1959 انشق كثير من أعضاء الحركة الديمقراطية للتحرر الوطني السابقين من الحزب، وانضموا إلى المنشقين لتأسيس الحزب الشيوعي المصرى - الحركة الديمقراطية للتحرر الوطني، وبذلك انهار الحزب الشيوعي المصرى بعد عام من التوحيد .

كان دعم الحزب الشيوعي المصرى لمعارضي ناصر العراقيين إيذانا بنهاية هدنته مع الشيوعيين.
ففي 13 مارس 1959 برر عبد الناصر إدانته للشيوعيين العرب وبالتالي للشيوعيين المصريين، واتهم في خطاب عام ألقاه في دمشق الشيوعيين العراقيين والسوريين بأنهم عملاء مأجورون هدفهم تقويض ظهور القومية العربية وقال: «تعلم يا إخواني أن مؤامرة الشيوعيين على بلدنا لن تنجح ... إنهم متعاونون... مستعدون لبيع وطننا بأي ثمن. وبوصفه للشيوعيين العراقيين والسوريين بأنهم عملاء مأجورون للأجانب مهد ناصر الطريق لمحاكمة رفاقهم المصريين الذين سيدانون بالتآمر مع الإمبريالية والصهيونية بسبب دعمهم للجبهة التي يقودها عبد الكريم قاسم .

يتذكر يوسف: «كان رجال الأمن أكثر وحشية من المعتاد، دفعوني جانبا تحت تهديد السلاح وأنا أفتح الباب، بدا وكان فرقة مشاة تقتحم منزلنا، اقتحموا المنزل، ووجهوا لي الشتائم وصرخوا في وجهي لأقف ساكنا، وتلفتوا حولي، ودخلوا كل الغرف، وفتحوا جميع الأدراج، وألقوا محتوياتها على الأرض، ثم ألقوا أوراقي وكتبي في حقيبة كبيرة، كانوا يبحثون عن أدلة مكتوبة تدينني بالخيانة العظمى، أي بالتخطيط لقلب نظام الحكم الثوري.


كنت حريصا كعادتي على عدم الاحتفاظ بوثائق سياسية في المنزل، لم تكن الكتب بالطبع تحوي كلامًا عن إسقاط النظام، وعملنا يقتصر على التنظيم في الحزب، كانت المداهمة من الزاوية القانونية بلا جدوى، ولم يجمع رجال ناصر أي دليل يذكر يمكنهم استخدامه في المحكمة، ولم تكن مجموعة من كتابات ماركس ولينين، وعدة مجلدات عن تاريخ الاتحاد السوفيتي، وكتاب أوتو هيلر نهاية اليهودية تشكل دليلاً يذكر على الخيانة العظمى، ومع ذلك كان سلوك المخبرين العدواني نذير شؤم ينذر بما سيأتي، سألت نفسي: هل الإجراءات القانونية ذات صلة بقضيتنا؟ وإن لم تكن كذلك، فإن اتهامنا الجماعي بالشيوعية كان حتميا..

نظرت إلى إقبال كانت تحافظ على رباطة جأشها طوال هذه المحنة، لم الحظ سوى توترها وقلقها على مصيري، معبرة عن ذلك بملامحها وحركات يديها المتوترة .

تم ترحيل يوسف إلى مبنى أمن الدولة بلاظوغلي، مركز احتجاز يُستجوب فيه السجناء الذين يعتبرون تهديدا للأمن القومي ويُعذبون، علم يوسف أنه تم قد اعتقال 162 من الكوادر الشيوعية الآخرين معه ليلة رأس السنة.

وفي لاظوغلي رأى يوسف بعضًا من أقرب رفاقه، صادق وريموند والعسكري والمدرك وطه وحلمي ياسين، ومعهم زميله المحامي نبيل الهلالي، من بين أعضاء حزب العمال السابقين، كان السكرتير العام للحزب الشيوعي المصري من حزب العمال، أبو سيف يوسف واحدًا من القلائل الذين ظلوا طلقاء، وكان من بين المعتقلين الآخرين عبد العزيز أنيس وإسماعيل صبري عبد الله، وفؤاد مرسي والروائي الشاب صنع الله إبراهيم، والشاعر الشعبي محمود المستكاوي، والنقابى والقيادي العمالي سيد عبد الوهاب ندا والنقابي المخضرم شعبان حافظ .

بتاريخ 31 ديسمبر 1958 أصدر رئيس الجمهورية جمال عبد الناصر الأمر العسكري تطبيقا لأحكام قانون الطوارئ والذي تمتع ناصر بموجبه بصلاحيات تنفيذية وتشريعية واسعة، واتخذ اجراءاته بموجب هذه الصلاحيات والقاضي باعتقال: 163 مائة وثلاثة وستون شخصا وتفتيش أشخاصهم ومحال إقامتهم ومحال عملهم، لضبط ما قد يوجد لديهم مما له علاقة بالحركة الشيوعية او ما يخالف القانون، مع ضبط وتفتيش من يتواجد مع أي منهم وقت عملية التفتيش .

في قافلة من شاحنات الشرطة حشر الرجال، واقتيدوا إلى سجن القلعة، فوق هضبة تطل على المدينة، وفور وصولهم وضعت المجموعة في زنازين صغيرة وضيقة، ووضع آخرون في قاعة واسعة، كان يُسمح للمعتقلين بمغادرة زنازينهم لبضع دقائق صباحا ومساءً لقضاء حاجتهم، وفيما عدا هذا كانت الأبواب تظل مغلقة.

وفي الأيام الأولى منعتهم إدارة السجن من التواصل مع رفاقهم في الزنازين المجاورة، ثم تغيرت القواعد لسبب غير مفهوم، فسمحت للسجناء بالتواصل بحرية مع بعضهم بعضًا، ومنحتهم وقتا للترفيه صباحا ومساء، في ساحة السجن.

كان يوسف يشك في أن تغيير النظام في السجن هو جزء من استراتيجية تستهدف إثارة الانقسامات الحزبية بينهم .

بمجرد أن بدأنا الحديث معا عادت الخلافات العميقة للظهور، حاولت قيادة كل تنظيم سابق حشد القاعدة الشعبية لأجندتها، متهمة الطرف الآخر بالانحراف السياسي اليساري» أو «اليميني»، كان الحزب الشيوعي المصري. حدتو الذي يرأسه شهدي عطية الشافعي الأكثر عدوانية.

وزعم أعضاء لجنته المركزية أنهم اعتقلوا خطأ لأنهم، على عكس اليساريين الراديكاليين المضللين في الحزب الشيوعي المصرى الذين عارضوا النظام الثوري»، كانوا من المؤيدين المخلصين لناصر.

وكانوا مقتنعين بأنهم سيتم إطلاق سراحهم قريبا، وكان الهدف من ادعاءاتهم إغراء الرفاق السابقين بالأمل والاستقالة من الحزب الشيوعي المصرى، وبالرغم من شراسة حملتهم فشل الحزب الشيوعي حدتو في استمالة أحد.

وفشلت محاولات القيادة لتقسيم الحركة لأن العمال رفضوا التعاون في تفتيت الحزب، على عكس المثقفين الذين ظلوا عازمين على التلاعب بالسلطة. حتى خلف قضبان السجن، أدرك العمال ضرورة توحيد الصفوف.
..
حاول يوسف مواجهة الانقسامات التي وجدها عبثية بالحفاظ على علاقات جيدة مع الجميع، يتذكر أن إسماعيل صبري عبد الله سمعه في أحد الأيام وهو يتحدث مع جمال غالي، العضو السابق في الحركة الديمقراطية للتحرر الوطني (حدتو): بدا أنه انزعج من هذا، فتمتم كيف يمكن لرفيق ألا يحترم حزبه ويتعامل مع أي شخص بغض النظر عن الخلافات السياسية؟

كنت قريبا من جمال غالي، الذي لم يُعر كلام عبد الله أدنى اهتمام وأدى تجاهل غالي واستمرار صداقتنا إلى تصاعد غضب عبد الله، حتى أنه قال بصوت عال في مناسبة أخرى: كيف يمكن أن يتحدث غالي مع أحد قادة المعارضة؟

وكانت ملاحظته غربية حتى أنها ظلت عالقة في ذاكرتي حتى اليوم ....

ووقعت أحداث غريبة أخرى ، بعدنا بشهر اعتقل محمد سليمان، وهو تروتسكي، وكنت قد التقيت به من قبل، فحييته عند وصوله إلى القلعة، وعاملته بود، وحاولت أن أسري عنه قدر الإمكان، فاندهش من موقفي، موضحا أنه كان يخشى أن يقتله أحدنا في السجن لأن التروتسكيين والستالينيين كانوا خصوما سياسيين، وفي النهاية أصبحنا أصدقاء مقربين، وتوفي محمد في المنفى في باريس .

بذل يوسف طوال فترة اعتقاله قصارى جهده للحفاظ على رباطة جأشه رغم قلقه العميق، وعبر في رسالة إلى إقبال عن مخاوفه: «لا أعرف إلى أين سيقودنا كل هذا، ولا أعرف كم من السنوات سأقضيها خلف القضبان... ما أعرفه هو أنا نناضل من أجل السلام، من أجل وطننا وشعبنا، ومن أجل هذه القضية أنا مستعد للتضحية بكل ما هو ضروري لبناء مستقبل أكثر إشراقا لنولة ومجاهد ، كم أتمنى أن يطلق سراحي من هذا السجن لنكون مع أطفالنا على ضفاف النيل نستمتع بنسيمه وبحريتنا.. كم أتمنى أن أواصل النضال من أجلك، من أجل وطننا ومن أجل تحرير شعبنا .

اقتيد 64 من أصل 163 معتقلا في أوائل يوليو إلى سجن مصر، ومنه نقلوا إلى سجن الحضرة بالإسكندرية، وجهت إليهم تهمة الانخراط في النشاط الشيوعي المحظور في القضية رقم 8 لسنة 1959، وعقدت أولى جلسات المحاكمة برئاسة اللواء هلال عبد الله هلال في 15 يوليو .
تشكلت المحكمة العسكريا العليا برئاسة هلال خصيصا لمحاكمة الماركسيين فيما عرف سريعا " المحاكمة الكبرى للشيوعيين " وكانت هذه اول مرة فى تاريخ مصر يحاكم فيها شيوعيين بهذا العدد .

واعتقلت مجموعة أخرى تضم 426 شيوعيًا في 27 مارس ، وكانت الموجة الأولى من الاعتقالات التى شملت شخصیات معروفة نقابيين بارزين وأعضاء اللجنة المركزية للحزب وكوادر بارزة ومثقفين - تقوم على استراتيجية قمع قياسية حيث افترضت السلطة أنها إذا حبست القيادة سينهار الحزب ويتلاشى في النهاية ، وكانت السلطة مخطئة في ذلك، فعقب اعتقالات ليلة رأس السنة الجديدة ، تم انتخاب مجموعة من النشطاء برئاسة سكرتير عام الحزب الشيوعي المصري أبو سيف يوسف لجنة مركزية جديدة لقيادة الحزب.

وأدت هذه الخطوة إلى اعتقالات 28 مارس وتلتها مجموعة أخرى وامتدت الحملة الشاملة من شمال مصر إلى الحدود الجنوبية مع السودان من الإسكندرية إلى أسوان والنوبة، ولم يسلم أحد، تم القبض على قادة الحزب وأعضاء قواعده الأساسية، النساء والطلاب .

العمال والفلاحين كبار السن والشباب في حملة على مستوى البلاد، وكان هدف النظام هو اقتلاع الماركسية من جذورها، وقد واصلوا ذلك بالطريقة التي عرفوها جيدا، بخنق حرية الفكر والتعبير خلف قضبان حديدية، وتشير التقديرات إلى أن عدد من اعتقل من الشيوعيين بلغ في نهاية العام ما بين 1000 و 2000 شيوعي.
أرسل أبو سيف يوسف توجيهات إلى السجناء للدفاع عن أنفسهم استعدادا للمحاكمة، يوضح يوسف: شعر الأعضاء السابقون في حزب العمال أن من هم خارج السجن في وضع أفضل لاتخاذ القرارات، كما كانت الحال في عام 1948

نصت التوجيهات على ألا يعترف بعضويتهم في الحزب الشيوعي المصرى سوى النشطاء المعروفون، ذوو القاعدة الشعبية الواسعة، ورأت اللجنة المركزية أنهم الأكثر تأهيلاً لشرح البرنامج السياسي للحزب والدفاع عنه أمام المحكمة.

وطلب من الأعضاء المؤهلين على نحو مماثل، والذين اعتبرت أحكام السجن المطولة عليهم إهداراً للموارد البشرية، أن يستخدموا تعبيرات عامة غير محددة عند حديثهم دفاعاً عن المبادئ الماركسية والبرنامج السياسي للحزب، وأضافت اللجنة المركزية للسجناء برئاسة فؤاد مرسي توجيهاً آخر لكل من يوسف وريموند و صادق: إذ قالت إن على الرفاق من الأصول اليهودية، ألا يعترفوا بعضويتهم. لأن ذلك سيضر بصورة الحزب لدى الجماهير المصرية والعربية ، وعارض طه بشدة هذا الشرط، وأصر على أن انتماء يوسف إلى الحزب الشيوعي لا يمكن إلا أن يعزز صورة الحزب

رغم القرب بين يوسف وطه، لم يبح يوسف له بالغضب الذي انتابه عندما طالبته اللجنة المركزية بإنكار انتمائه السياسي بسبب دينه، وتغلبت وحدة الحزب على أي اعتبارات شخصية، ورفض المساهمة في مزيد من الانقسام الحزبي الداخلي بالتنفيس عن مشاعره تجاه قرار اللجنة المركزية العنصري .

أعلن فؤاد مرسي أحد أشد المناوئين ليوسف ، أنه لن يعترف بعضويته في الحزب، لأنه كشخص رصيد ثمين لا يجب إهداره في الاعتقال وفي حوار مع جيل بيرو بعد 30 عامًا لم يتخل مرسي عن تقديره لأهميته، يروى بيرو: «أدلى بالملاحظة التالية متفاخرًا، وأرفقها بإيماءة متعالية: «هناك من يصنعون التاريخ وهناك من يكتبونه، وأنا لا أهتم بكتابة التاريخ على الإطلاق».

وبعد أن أعلن مرسي عدم نيته الإعلان عن عضويته تم استبداله بحلمي.
ياسين، العضو السابق في حزب العمال، كسكرتير للجنة المركزية للسجن، وكان ياسين حريصًا مثل يوسف مثله الأعلى منذ الأيام الأولى له على إخفاء هويته، ونتيجة لذلك لم يعثر البوليس السياسي في منزله على أي وثائق تثبت صلته بالحزب، ومع ذلك اختار ياسين بشجاعة أن يعترف بنشاطه، ومعه كوادر أخرى مثل لويس إسحاق المنظم المحترف لحزب العمال في صعيد مصر، واعترف عشرة رفاق من حزب العمال والفلاحين السابق بانتمائهم الشيوعي في المجمل، وكانوا الوحيدين في اللجنة المركزية للحزب الشيوعي المصري الذين اتخذوا هذا الموقف ..

رفض يوسف الرضوخ لضغوط اللجنة المركزية في المحكمة، وشهد على دوره القيادي في الحزب كمنظم عمالي في شبرا الخيمة، وأشار أثناء دفاعه عن نفسه إلى الاتحاد السوفيتي كنموذج للدولة الشيوعيةة

وكان مهما بالنسبة ليوسف أن يخاطب المحكمة ويشرح علناً أن برنامج الحزب لم يكن مثلما ادعت النيابة العامة - الإطاحة بالحكومة باستخدام العنف أو غيره من الوسائل، بل تمثيل مصالح الفقراء والطبقة العاملة في مصر، وهو نفس ما أعلنه ناصر في خطاباته مراراً ..

وكتب طه: إن يوسف بصفته خطيئا مفوها ومقنعا، قدم دفاعا محكما عن الحق القانوني للحزب الشيوعي في نطاقه السياسي ..

وإلى جانب أن يوسف خاطب المحكمة دفاعاً عن نفسه ونيابة عن الحزب مثله أمام المحكمة أيضًا أحمد البديني، وهو محام لامع من الإسكندرية، شهد بأن موكله كان أيضًا مرشده الفكري، وأنه علمه مبادئ الوطنية، واستند في دفاعه مثلما فعل يوسف إلى أن الحق الأصيل في حرية المعتقد والتعبير يكفل للحزب الشيوعي حيزا سياسيا قانونيا

يقول يوسف عن دفاع البديني: كان مثيراً للإعجاب، ولخص حجته للمحكمة قائلاً: «كيف تجرمون الماركسية؟ ألا تعلمون أن نصف دول العالم لديها حكومات شيوعية؟.
وبسبب جرأته حكم عليه بالسجن لمدة عام مع الأشغال الشاقة، لن انسى ابدا الثمن الذى دفعه البدينى ، وبعد اطلاق سراحه اقمت له حفلا كبيرا فى منزلى تكريما لشجاعته .


صدر حكم على يوسف بالسجن عشر سنوات مع الأشغال الشاقة بعد أن كشف عن دوره القيادي في الحزب الشيوعى المصرى، ومن دون شهادته لم يكن لدى الادعاء أي دليل على صلته بالحزب، وكان كل ما تمكنوا من العثور عليه مجلات قديمة لاعتقاله عامى 1948 و 1950، والتى لم يكن لها علاقة بمحاكمةيوليو 1959.


وشرعت الحكومة في تلفيق التهم ليوسف لعدم وجود أى قضية ضده، وأدلى حسن المصيلحي، مفتش قسم الشيوعية بإدارة المباحث العامة والشاهد الرئيسي في الادعاء، بشهادة مدمرة سياسيا، اتهم فيها الحزب الشيوعي المصري بأن له صلات بـ الصهيونية والإمبريالية»، وقوبلت اتهاماته بصيحات استهجان ونفي شديد من جانب المتهمين، الذين قالوا إن المصيلحي كان عميلا للقصر عام 1940 عندما نفذ أوامر الملك واعتقل الشيوعيين جماعيا بتهم ملفقة.

وبعد أن هدأت الضجة واستعاد اللواء هلال النظام في المحكمة سأل الشاهد إن كان لديه دليل يدعم ادعاءاته، فقال المصيلحي إن أحد الكوادر القيادية في الحزب الشيوعي المصري يوسف درويش له صلات به الصهيونية والإمبريالية».
فرد يوسف على مدعيه: أنت كاذب ومجرم، لا أنكر أنني ماركسي، لكنني أيضًا وطني مصري، وما تدعيه ليس إلا كذبا، وعندما طلب القاضي من المصيلحي إثبات صلة المتهم به الصهيونية والإمبريالية» قال إن صهر يوسف غادر مصر مع القوات الفرنسية عند انسحابها من منطقة قناة السويس بعد حرب 1956، فرد يوسف بغضب: هذا لا يعنيني، ما شأن صهري بي؟ هل لديك أي دليل على أي تواصل بيننا منذ مغادرته بورسعيد؟.
».

كانت أدلة المصيلحي المزعومة لا علاقة لها بالموضوع بشكل صارخ، حتى أن هلال لم يكن أمامه خيار سوى حذفها من محضر الجلسة، وخاطب اللواء المصيلحي مكرراً حجة يوسف حرفيًا تقريبا: ما شأنه بصهره؟ وحتى لو كان اخاه ، لن يكون مسؤلا عنه قانونا .
يقول طه: «نظرت إلى المصيلحي بعد أن ضيق القاضي الخناق عليه، بدا وكأنه انكمش إلى نصف حجمه...

ورغم انتصار يوسف والمتهمين الآخرين على المصيلحي، وكان انتصارهم باعثا على الفرح، إلا أن ذلك لم يدم طويلا، فقد حظيت قضيتهم بتغطية إعلامية دولية، ونشر المراسلون الأجانب تفاصيلها في جميع أنحاء العالم، وكان رد الفعل العنيف حتميا، فقد دفع الشيوعيون لمن براعتهم في قاعة المحكمة، عندما تقلوا إلى سجن آوردی ليمان أبو زعبل



.

2 - شجاعة الصمود

نقلت السلطات المعتقلين من الإسكندرية إلى سجن أبو زعبل بعد المحاكمة وقبل صدور حكم المحكمة..

يقول يوسف: أكد عدم احترامهم للقضاء ما كنت أخشاه بشدة عندما جاء رجال المباحث الاعتقالى لم تكن للإجراءات القانونية أي علاقة بقضيتنا، فقد كان اعتقال الشيوعيين واحتجازهم قرارا سياسيا اتخذ على أعلى مستوى، ولم تكن المحاكمة سوى استعراض للاستهلاك أمام الرأي العام.

يقع سجن أبو زعبل» على بعد 40 كيلومتراً شمال شرق القاهرة، كانت وجهة السجناء مركز الأوردى، وهو ملحق بسجن الليمان، التابع لمجمع أبو زعبل
كان من المقرر أن يكون الأوردى سحنا خاصا له الروس كما كان يطلق على السجناء يتألف من سنة عنابر كبيرة، إلى جانب زنازين عقاب فردية.

يتذكر يوسف اقتادونا إلى أبو زعبل في 7 نوفمبر 1959، وهو تاريخ ذكرى الثورة البلشفية، ما جعلني أفترض أن اختيار هذا اليوم ليس مصادقة فسجننا في هذا التاريخ يعني أن السلطات تؤكد أنها لن تتسامح مع تكرار الثورة الروسية على أرض مصر.».

كان طه والرفاق من حزب العمال يعتقدون أن هدف عبد الناصر هو عزل السجناء حتى ينسوا ليس فقط مبادئهم، بل وهويتهم كماركسين كانوت السطات مصممة على استئصال الشيوعية بكل أشكالها، وباستخدام كل الوسائل الممكنة، بما في ذلك المجازر والقتل الجماعي إذا تطلب الأمر.
..

ومع ذلك لم يكن لدى بعض المعتقلين أدنى فكرة عما ينتظرهم في أبو زعبل. حتى أن أستاذ الأدب الدكتور لويس عوض كان يتساءل عما إذا كان سيتاحلهم دخول المكتبة، لم تكن هناك مكتبة من الأساس، ولكن عندما وصلوا لمح أحدهم «العروسة» وهي حرفيا عروسة أو دمية، فسأل عوض وقد حيره التناقض اللفظي: «ما هي العروسة؟»، وشرح له الجهاز، صليب خشبي يربط عليه السجناء قبل تعليقهم رأسًا على عقب وجلدهم بالسياط. "

لن ينسى يوسف أبدا الاستقبال الوحشي للمعتقلين، يقول: «عندما وصلنا. أوقف السائقون عربات الشرطة التي كنا فيها على بعد حوالي 200 متر من مدخل بوابة السجن، ألقت أشعة الفجر الأولى ضوءا شفافًا على المكان، فبدا من موقع مراقبة العربات ساحة واسعة خالية، أما ما تلا ذلك فكان أشبه بفيلم رعب، استقبلنا ضباط يطلقون نيران رشاشاتهم السريعة، وآخرون على ظهور الخيل يهددونا بالسياط، وجنود من رتب أدنى مسلحون بهراوات وعصي، أمرونا بالنزول من العربات في مجموعات من أربعة أشخاص، يرافق كل سجين خمسة وستة جنود.

بينما كنا نستعد للنزول من العربات، وحقائبنا في أيدينا، شرعوا في دفعنا إلى الخارج، وأمرونا بالركض بأقصى سرعة مع الضباط الراكضين على ظهور الخيل وعندما بدأنا بالركض محاولين اللحاق بالخيول، راحوا يضربوننا على طول الطريق نحو البوابة، سقط بعضنا وهم يحاولون تجنب سياط الضباط، بينما كانت الخيول تقترب منا لتطويقنا، وهو ما زاد من ضراوة الضربات.

دخلنا السجن غارقين في دمائنا من الضرب، لكن التعذيب لم ينته عند هذا الحد، كانت تنتظرنا في كمين قرب البوابة مجموعة من حراس السجن، يساعدهم سجناء عاديون انقضوا علينا وبدأوا بحلق رؤوسنا ووجوهنا، كان كل ثلاثة رجال يمسكون بسجين، جميعهم يجرحون جسده أثناء حلق شعره، فتناثرت الدماء على الأرض، عاملونا كالحيوانات، كأنهم يريدون تجريدنا من كل كرامتنا وسلب إنسانيتنا، وعلمنا لاحقا أن السجانين يطلقون على هذا الدخول إلى سجن الأوردي اسم حفلة الاستقبال.».

عندما زجوا بنا في النهاية في زنازيننا استغرقنا وقتا طويلا لاستعادة رباطة جأشنا، وكانت التجارب السابقة مع إرهاب الدولة قد علمتنا أن الخوف يشل العقل ويُشكل أقوى رادع للعزيمة، كان هدف السلطات الواضح هو كسر إرادتنا بإجبارنا على الخضوع..



في تلك الأثناء ظل سؤال طرحته شخصية من شخصيات جان بول سارتر في مسرحيته موتى بلا قبور» يتردد في ذهن يوسف: هل للحياة معنى في ظل وجود بشر يضربون الناس حتى تنكسر عظام أجسادهم؟

ولمقاومة هذا الشعور، كما يقول يوسف، استخدم السجناء الفكاهة والسخرية
للتغلب على اليأس..

كان هذا في حد ذاته انتصاراً، وتعبيرا عن عزمنا على تجاوز هذا الكابوس بدأ الأمر بنظرة أحد الرفاق إلى الرجال المضروبين من حوله، يخبرهم بابتسامة عريضة أنهم في حالة يرثى لها، وكانت هذه إشارة، بدأنا تحدق في بعضنا بعضًاحتى الفجرنا جميعا من الضحك فجأة .

كان الإرهاب مؤستا فى برنامج سجن الأوردي ، ففى كل صباح عند الساعة السابعة صباحا، كان على السجناء الاصطفاف في طوابير لما سمته السلطات تفتيشا ، ويطلب الحراس من كل سجين أن يستدير في مكانه، وبينما يلف السجناء كالدراويش حتى يصابوا بالدوار - فيسقط بعضهم ويفقدون الوعي. كان الحراس يضربونهم..

تلى رقصة الدراويش جلسة الجمباز اليومية، وهو تعبير ملطف عن مزيد من التعذيب، يؤمر السجناء بوضع أيديهم على خصورهم أثناء جلوسهم القرفصاء على أطراف أصابعهم، ويجبرون على الزحف عدة مرات من باب الزنازين إلى جدار السجن، وبعد ذلك يأمرون بأداء تمرين الضغط 60 مرة، ومن لا يمكنه التحمل يعاقب بالركل والضربات على رأسه وجسده

بعد التفتيش والتمارين اليومية يبدأ السجناء يوم عملهم في تمام الساعة التاسعة صباحا، حيث يرافقهم الحراس إلى تلال المقطم المحيطة..

كتب طه لاحقا كان منتصف نوفمبر باردة والأرض مبللة من الأمطار وندى الصباح الباكر، وأجبرنا على السير حفاة الأقدام على صخور بازلتية غير مستوية كما لو كنا نسير على طبقة من الفولاذ المسن..



كان للسجناء مهمتان الأولى جمع الرمل في أكياس، والثانية تكسير صخور البازلت إلى أحجار صغيرة قطرها حوالي 5 سم، ثم تعبئتها في أكياس، وعلى كل سجين ملء حصة يومية من خمسة أكياس من الحجارة المكسورة أو 40 كيسا من الرمل، يجبر على حملها إلى موقع آخر يبعد 250 متراً "

وكان الجنود يلاحقون السجناء أثناء ساعات العمل من كومة رمل إلى أخرى. ويضربونهم باستمرار..

كان العمل شاقا للغاية، ولم يكن سوى العمال الأقوى في المجموعة هم القادرون على إنجاز مهامهم، أما الأقل لياقة من المثقفين وكبار السن الذين لا يمكنهم أداءحصتهم من الأشغال الشاقة فكانوا يجلدون بعنف، حتى أنهم كانوا يحملون في الغالب إلى الزنازين، ولهذا قرر العمال التدخل بمساعدة المثقفين على تحقيق حصتهم وتجنب الجلد الإضافي، يقول يوسف: «كان ذلك مجرد مثال واحد على شعور العمال الواضح بالتضامن في وجه الشدائد..

كان في الانتظار ما هو أسوأ، ففي 28 نوفمبر 1959 وصلت مجموعة من سبعة شيوعيين إلى السجن من بينهم فريد حداد طبيب ورفيق ليوسف منذ أربعينيات القرن الماضي، تعرض فريد للضرب حتى الموت على يد حراس السجن في حفل استقبال الأوردي.

كان فريد ابن الدكتور وديع حداد طبيب فلسطيني من القدس عاش ومارس الطب في شبرا، كان يقدم العلاج مجانا للفقراء من المصريين والفلسطينيين في عيادته بشارع شبرا مصر حل فريد محل والده بعد وفاته عام 1948، ليصبح طبيب الفقراء عالج عمال النسيج في شبرا الخيمة، وعمال شركة البترول في غمرة، بالإضافة إلى عمال آخرين وسكان شبرا مصر المعوزين مقابل أجر رمزي أو بدون أجر على الإطلاق في أغلب الأحيان، كما كان يقدم الأدوية مجانا من صيدلية عمه..

كان طبيب عائلة الكاتب الفلسطيني إدوارد سعيد وصديقه، الذي ستظل قصته تطارده، وكتب إدوارد سعيد في سيرته الذاتية: «كانت حياة فريد وموته موضوعا سريا في حياتي لأربعة عقود. .

كان نسيم يوسف قد جاء مع فريد إلى الأوردي وشهد مقتله، وشهد لاحقا قائلا: عندما نزلنا من الحافلة، حاصرتنا فجأة كتيبة كبيرة من الجنود الذين استقبلونا بوابل من الشتائم. ثم أمرنا مرجان إسحاق، أحد قادة الضباط بتسليم جميع ممتلكاتنا الثمينة والتعريف بأنفسنا، لم يكن لدى فريد سوى خاتم زواجه، الذي حاول أن ينزعه من إصبعه دون جدوي، وصاح مدير السجن حسن منير: «اقطعوا إصبع ابن الزانية هذاء، قبل لحظات من تمكن جندي من خلع خاتم فريد..

عندما جاء دور فريد التعريف نفسه خاطبه ضابط آخر اسمه يونس مرعي: ما اسمك يا ابن الشرموطة؟
«أنا فريد حداده، «مهنتك، أنا طبيب»، صرخ مرعي طبيب يا ابن الوسخة، وبدأ بضربه بهراوة، ونادي على أربعة جنود لمساعدته أنت طبيب روسي يا ابن الكلب؟
أنا طبيب مصري»، انهال الرجال الخمسة ضرباً على جسده حتى تمزق شعرت أنهم لن يتوفقوا أبدا استمروا في ضرب فريد على رأسه وبطنه وظهره على جميع أجزاء جسده، أدت إصابة ناتجة عن ضربات في رأسه إلى نزيف وإغماء، صرح مرعى اقتلوا الكتب، ورغم استمرار الضرب استعاد فريد وعيه.
واستمرت الضربات تنهال علينا جميعا بقوة حتى دفعونا إلى زنزانة، وخلف الأبواب المغلقة فقط انهار الناس أخيرا... كان فريد يبكي بصوت عالي مع الجميع، ثم فجأة صمت وانهار - حاولنا إنعاشه لكن دون جدوى، رحل عنا فريد طبيب الفقراء المخلص طيب القلب..

دخل حارس فرأى فريد يرقد ساكنا على أرضية الزنزانة الإسمنتية، سأل: الواد ده ما بيتحركشي ليه ؟ وعندما لم يجبه أحد، جر جثة فريد خارج الزنزانة واستدعى جنوداً آخرين لضرب جثته له.
مات فريد في الساعات الأولى من فجر 29 نوفمبر 1959.

ولأن طبيب سجن الأوردي الدكتور أحمد كمال زور شهادة وفإنه، بزعم أن فريد توفي بنوبة قلبية، أغلقت القضية رسميا، وكذلك نعشه أغلق بإحكام لإخفاء جثته المعذبة، عندما توجه أربعة من أصدقاء العائلة الفلسطينيين من بينهم يوسف ابن عم إدوارد سعيد إلى قسم شرطة مصر الجديدة لاستلام نعش فريد، رافقتهم مجموعة من رجال الشرطة إلى مقبرة مهجورة في العباسية، حيث قادوهم إلى حفرة مفتوحة في أحد طرفيها نعش خشبي بدائي، جرف الجنود التراب بسرعة على النعش " تم دفن فريد دون أن يرى أصدقاؤه وعائلته جثته الممزقة، ومحا القتلة آثار جريمتهم.

.

يعيش الفلسطينيون يوم 29 نوفمبر حالة حداد في كل مكان، في نفس مقتل فريد، يوم يُحيي ذكرى النكبة التي نجمت عن قرار الأمم المتحدة عام 1947 بتقسيم فلسطين
لم تصدر اللجنة المركزية أي بيان تعليقا على اغتيال فريد.

يقول يوسف: لم يتخذ أي قرار بتنظيم أي شكل من أشكال الاحتجاج الجماعي، ولا دعوة لعصيان جماعي أو إضراب عن الطعام، ولا أي رد فعل من أي نوع، كما لو أن فريد قد قتل للمرة الثانية على يد رفاقه.

أدرك يوسف أن تقاعس قيادتهم بعث برسالة إلى سلطات السجن مفادها أن يدها مطلقة للقتل

ظلت فكرة أن القتل أصبح مباحا تطاردني ليل نهار، حتى عزمت على المقاومة

كان العمال قد طالبوا بالرد بتنظيم إضراب عن الطعام في مناسبات عديدة
ورفضت اللجنة المركزية ذلك باستمرار، مدعية أن أي شكل من أشكال الرد الجماعي قد يؤدي إلى مذبحة، ولم أوافق على ذلك، فمخاوف القيادة ستؤدى إلى إبادتنا واحدا تلو الآخر، وستكون النتيجة في النهاية هي نفسها مذبحة للشيوعيين ولكن بوتيرة أبطأ.
وفي 18 فبراير 1960، أي بعد قرابة ثلاثة شهور من قتل فريد تجاوز يوسف اللجنة المركزية واختار مواجهة سلطات السجن بنفسه، يقول: «مع إدراكي التام أن أعمال المقاومة الفردية غير فعالة وخطيرة، إلا أنني كنت مصمما - في ظل غياب إرادة القيادة للعمل الجماعي على إرساء سابقة تمنيت أن تُغيّر عقليتهم..


يتذكر يوسف يوما عاديا من ايام الأشغال الشاقة، مثل غيره من الأيام،
كان السجناء يجمعون الرمال في الصحراء، بينما الجنود يضربونهم بالهراوات، ويصرخون بأوامرهم للسجناء لكى يتحركو بسرعة ، فجاة بدا المشهد الذى بدا روتينيا بالنسبة للسجناء والحراس على حد سواء، محيرا ليوسف، يقول: «لقد استحضر هذا المشهد ما وصفته الكاتبة اليهودية الألمانية حنة أرندت لاحقا ب تفاهة الشر فى اشارة الى المحرقة النازية . …
كانت استراتيجيتي هي كسر الروتين بهدوء سألت أحد الجنود الذين كانوا يوجهون الضربات: «سيدي، لماذا تضربني حرصت على أن أكون مهذبا للغاية وأن استخدم الضمير المفرد خشية أن يعاقبوا المجموعة على عصياني الشخصي لم يعرف الجندي بماذا يرد ، فالتفت إلى عبد اللطيف رشدي الضابط المناوب سعادتك، أحد السجناء يريد أن يعرف لماذا نضربه؟
كان رشدي رجلا ضخما ذا وجه متجعد ولسان سليط، لم يكن صاحب القرار الأول في سجن الأوردي - بل كان الرجل الثاني في القيادة - ويستمد التعليمات من مدير السجن، كان مشرفا بارعا على التعذيب، ويتلذذ بإذلال الناس وإلحاق الأذى بهم.

سألني رشدي ماذا تريد؟، وعندما كررت سؤالي صفعني مرتين بكل قوته، قاصدًا إسقاطي، لكنني بطريقة ما بقيت واقفا على قدمي، واجهته بثبات، وأنظر في عينيه مباشرة، أمر الجنود بإلقائي على الأرض، طرحوني أرضًا، وبدأوا يضربون باطن قدمي بالعصي، صممت على الصمت رغم الألم المبرح، لكي أمنع نفسي من الصراخ، رحت أجز على أسناني بأقصى ما أستطيع، لا أعتقد أنني نطقت بكلمة.

واصلوا ضربي حتى فقدت الإحساس بالزمن، وفقدت الشعور باستثناء شعوري اللحظي بألم شديد، قال أحد الجنود: «إذا واصلنا ضربه، سنقتله». ثم فقدت الوعى .

عندما استعاد يوسف وعيه كان ملقى عاريا على أرضية زنزانة تحيط به مجموعة من الجنود استعد نفسيا لتكرار ما حدث، لكن الجنود تلقوا تعليمات مختلفة، أمروا باغتصابه، مارسوا عليه اللواط بعصا، ثم تركوه ملقى في الزنزانة بعد خمسة وأربعين عامًا مازال يوسف يجد صعوبة في الحديث عما حدث له، نجح رشدي ولو مؤقتا، لقد كسر إرادة يوسف في الحياة


فقدت إيماني بالبشر، تمنيت الموت لم يقتصر الأمر على طريقة انتهاكهم بيل كان صمت الرفاق أشد إيلاما لى أكثر من الضرب اللاإنساني، وأكثر من الاغتصاب لم يكن هناك تمرد للسجناء، ولا احتجاج جماعي على ما فعلوه بيتماما كما لم يكن هناك أي تحرك بعد قتلهم فريد..


أتذكر أول يوم لي في الحبس الانفرادي كنت مستلقيا شبه عار على أرضية إسمنتية جرداء أرتجف من البرد لا توجد مرتبة، ولا بطانية أغطي بها نفسي وبعد الظهر أحضر لي فراج، وهو جندي شاب، طبقا من الطعام، نظرت إليه لكنني لم أستطع الأكل، عندما عاد فراج ليأخذ الطبق، قال: «يا روسي، لماذا لا تأكل؟ أنت عبيط، عليك أن تأكل ألا تفهم أنك تقع في الخية التي تصبوها لك ؟ أنت تفعل ما يريدون منك أن تفعله، إنهم يريدون لك أن تموت.

ما قاله كان بمثابة صدمة، جرس إنذار يخفف ألمي، فعلت ما قاله لي أكلت كانت كلمات جندي فقير بسيطة تعبر عن إنسانيته وتعاطفه في هذا المكان الحالك هي التي منحتني شجاعة الصمود..

بقيت في الحبس الانفرادي شهراً ونصفا، لكنهم كانوا يعيدونني إلى أكوام الرمل على الهضبة يوميا، يرافقني إلى الموقع جنديان أمرا بضربي ضربا مبرحا أكثر من رفاقي، انتهت هذه المعاملة الخاصة في رمضان، لأن التعذيب، كغيره من الذنوب، كان محرما في الشهر الكريم.
وفي رمضان أيضًا، أطلقوا سراحي من الحبس الانفرادي وأعادوني إلى العنبر، وهناك ويختني اللجنة المركزية بتحريض من إسماعيل صبري، لقيامي بمبادرة شخصية غير مصرح لي بها، من خلال سؤالي عن دوافع التعذيب، وكان عبد المنعم شتلة العضو الوحيد في اللجنة المركزية الذي رفض التوبيخ..

ورغم عودتي إلى الحياة كنت مصاباً بصدمة نفسية عميقة، وحاولت النجاة لم أكتف بتجاهل الرعب بل بكل شيء آخر أيضًا، لم أكن قادرا على الكلام أو التلفظ بكلمة واحدة لمدة أسبوعين

ما حدث في أبو زعبل مدوّن في شهادات ومنشور، وكل ما أستطيع قوله هو أنني لم ارا مثيلاً له، ولا أسوأ منه
تكفى هذه الجرعة من الاهوال ونستكمل باقى الفصل العاشر فى مقال قادم



#خالد_محمد_جوشن (هاشتاغ)       Khalid_Goshan#          


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- تابع عرض كتاب ذكريات باريس للدكتور زكى مبارك 13
- تابع عرض كتاب ذكريات باريس للدكتور زكى مبارك 12
- تابع عرض كتاب ذكريات باريس للدكتور زكى مبارك 11
- امرأة جميلة
- تابع عرض كتاب ذكريات باريس للدكتور زكى مبارك 10
- الاشجار ضرورة ملحة لمستقبنا
- من ذكرياتى القديمة
- تابع عرض كتاب ذكريات باريس للدكتور زكى مبارك 8
- رجل على الطريق قصة لمحمود البدوى
- محمود البدوى تشيكوف العرب
- تابع عرض كتاب ذكريات باريس للدكتور زكى مبارك 7
- تابع عرض كتاب ذكريات باريس للدكتور زكى مبارك 6
- تابع عرض كتاب ذكريات باريس للدكتور زكى مبارك 5
- جمال المرأة ؟
- تابع عرض كتاب ذكريات باريس للدكتور زكى مبارك 4
- تابع عرض كتاب ذكريات باريس للدكتور زكى مبارك 3
- تابع عرض كتاب زكريات باريس للدكتور زكى مبارك 2
- عصرنا بلا أعلام 3
- عصرنا بلا أعلام 2
- عصرنا بلا أعلام 1


المزيد.....




- الحرس الثوري: ناقلة نفط تتعرض لانفجار بعد محاولة 3 ناقلات عب ...
- مشهد نادر.. دب فوق عمود كهرباء يثير ذهول سكان نيو مكسيكو ومص ...
- -وول ستريت جورنال-: الولايات المتحدة ترسل -إف 35- إلى الشرق ...
- فايننشال تايمز: الاتحاد الأوروبي يتجه للسماح بنقل الغاز المس ...
- بالفيديو.. سائق متهور يقفز من فوق جسر إلى النهر أثناء هروبه ...
- مسؤول إيراني: هجوم صاروخي أمريكي قرب منفذ الشلامجة الحدودي م ...
- إيرلندا.. العثور على بقايا 99 رضيعا في ملجأ كاثوليكي سابق
- -سي إن إن-: الموساد قدم للولايات المتحدة معلومات حول جبل الف ...
- مراسل -فيلت-: إقالة زيلينسكي لقائد الجيش الأوكراني تعكس هشاش ...
- القوات الأمريكية تقصف أهدافا إيرانية وطهران تهاجم الكويت


المزيد.....

- قراءة تفكيكية في رواية - ورقات من دفاتر ناظم العربي - لبشير ... / رياض الشرايطي
- نظرية التطور الاجتماعي نحو الفعل والحرية بين الوعي الحضاري و ... / زهير الخويلدي
- -فجر الفلسفة اليونانية قبل سقراط- استعراض نقدي للمقدمة-2 / نايف سلوم
- فلسفة البراكسيس عند أنطونيو غرامشي في مواجهة الاختزالية والا ... / زهير الخويلدي
- الكونية والعدالة وسياسة الهوية / زهير الخويلدي
- فصل من كتاب حرية التعبير... / عبدالرزاق دحنون
- الولايات المتحدة كدولة نامية: قراءة في كتاب -عصور الرأسمالية ... / محمود الصباغ
- تقديم وتلخيص كتاب: العالم المعرفي المتوقد / غازي الصوراني
- قراءات في كتب حديثة مثيرة للجدل / كاظم حبيب
- قراءة في كتاب أزمة المناخ لنعوم چومسكي وروبرت پَولِن / محمد الأزرقي


المزيد.....


الصفحة الرئيسية - قراءات في عالم الكتب و المطبوعات - خالد محمد جوشن - الجانب المظلم من ثورة 23 يوليو ، الفصل العاشر من كتاب يوسف درويش ، شجاعة الصمود1