|
|
اوراق (من دفتر مذكراتي) للراحل عامر عبد الله (14)
كاظم الموسوي
الحوار المتمدن-العدد: 8775 - 2026 / 7 / 23 - 22:20
المحور:
مواضيع وابحاث سياسية
اعداد وتقديم: كاظم الموسوي
كولمبو وقمة دول عدم الانحياز
في رحلة الى كولمبو للمشاركة في مؤتمر القمة لدول عدم الانحياز، وبصحبة طه محي الدين، نائب رئيس الجمهورية، وسعدون حمادي، وزير الخارجية، واخرين، تسنى لي ان اتعرف عن قرب، على طبيعة هذه الحركة وتكويناتها المتناقضة، وتعارض الاتجاهات في داخلها، واختلاط اهدافها، الى جانب الارتجال والفوضى في اعمالها واجتماعاتها. كان المشهد غريبا الى حد ما، حيث اشغل مقاعدهم في القاعة ممثلون عن الفيتنام وكوبا ويوغسلافيا واليمن الديمقراطية، الى جانب ممثلين عن السعودية ودولة الامارات وسيريلانكا وافغانستان وايران واندونسيا والباكستان، فضلا عن مصر وسوريا والعراق والمغرب وتونس واليمن الشمالية والكويت والبحرين وقطر والجزائر وليبيا، ودول اسيوية وافريقية اخرى، وبضمنها دول تقوم على اراضيها قواعد عسكرية امريكية، وتعتبر من كل وجه دولا منحازة للامبريالية او في ترابط وثيق معها باتفاقات ومواثيق والتزامات عسكرية وسياسية واقتصادية وثقافية…وفيها من لا يقيم حتى علاقات دبلوماسية مع الاتحاد السوفييتي والدول الاشتراكية، وهو اكبر تناقض مع مفهوم عدم الانحياز. وكان هناك كاسترو، وتيتو، وانديرا غاندي، وبندرانايكة، وسالم ربيع علي، وحافظ الاسد، وهواري بو مدين، ومعمر القذافي، وابراهيم الحمدي.. الى جانب امراء السعودية وبلدان الخليج والاردن ولبنان..وغيرهم. وبمتابعة كلمات رؤساء الوفود، يستطيع المرء ان يرى ان هذه الحركة، لم تعد تلك الحركة التي تاسست بجهود ومبادرات عبد الناصر، وتيتو، وشوونلاي ، وجواهر لال نهرو، وسكارنو، والتي عرفت وقتذاك بحركة الحياد الايجابي والتي تقوم في الجوهر على التضامن الفعال في النضال ضد الامبريالية ومن اجل التحرر الوطني الناجز، ورفض اي شكل من اشكال الهيمنة الإمبريالية، والى جانب التفهم لاهمية التعاون مع الاتحاد السوفييتي كنصير للشعوب وللسلم العالمي، والتصدي للامبريالية العالمية وعلى راسها الولايات المتحدة، كقوة معادية لحركات التحرر. وكان هذا التراجع في وجهة الحركة واضحا، من خلال التاكيد على المقولات التي ولدت في صميم هذه الحركة، عن "الدولتين العظميين"و "البعد المتساوي"و "مناطق النفوذ" وكذلك من خلال تجاهل دور الاتحاد السوفييتي والنظام الاشتراكي العالمي في الصراع ضد الامبريالية والعنصرية ومن اجل السلام والتقدم الاجتماعي للشعوب، ولم تشذ عن تجاهل الاتحاد السوفييتي في هذا المؤتمر، سوى كوبا وفيتنام ولاووس واليمن الديمقراطية، والعراق وسوريا وكذلك منظمة التضامن الاسيوي- الافريقي التي يمثلها في هذا الاجتماع (عزيز شريف). واعتمد الرئيس الليبي (معمر القذافي) منطق النقد الصريح والتنديد المثير لتركيب هذه الحركة من خلال خطاب مرتجل، اثار دهشة الجميع. وقد لاحظت انه لا يفتقر الى القدرة على الارتجال، وانتقاء الكلمات والصيغ المناسبة، منذ اعتلى منصة الخطابة، بلباسه البدوي، مستهلا خطابه بتذكير الجميع بما سبق وحذر منه في اجتماع سابق فيما يتعلق بالخطأ الجسيم من توسيع هذه الحركة لتشمل دولا لا تزال على حد تعبيره وخاضعة للسيطرة الاستعمارية، وزعامات هي أدوات بيد الاجنبي. ولم يقف عند هذا الحد، بل تحدث بصراحة عن "عملاء الاستعمار" من قادة هذه الدول والذين هم "موجودون معنا في هذه القاعة"!. تلقى زعماء الدول الرجعية هذا الخطاب بالانزعاج والاستنكار، ولكن الرجل بدا غير عابيء باحد، وبدا "نجم" الاجتماع لكثرة ما توجهت اليه من عدسات التصوير، كما استطاع ان يعلق الاجتماع كله، يوم الجمعة، اذ دعا جميع رؤساء الدول الاسلامية الى تادية الصلاة في هذا اليوم!. وقد قيل انذاك، انه انفق الكثير من الاموال على الصحافة، وتبرع للبلد المضيف بقرض، وبمبلغ من المال لبناء جامع ضخم. كانت رئاسة المؤتمر انذاك للجزائر وانتقلت منها الى سيرلانكا، حيث قام هواري بومدين بمراسيم ايداع الرئاسة الى السيدة (باندرانايكة) كما اتفق على ان تتولى كوبا رئاسة الحركة، وفي اخر يوم، وبغيبة عدد كبير من رؤساء الوفود الذين القوا كلماتهم وعجلوا بالعودة الى بلدانهم، اعلن عن تولي العراق لرئاسة الحركة بعد كوبا، وفي اعتقادي ان هذا الامر قد بحث في اللجنتين السياسية والاقتصادية، وبمعزل عن رؤساء الوفود، فقد كان التغيب عن الجلسات واسعا ومتكررا، بينما اللقاءات الثنائية هي الغالبة، كما كان عمل المؤتمر يتسم بضعف المتابعة، وعدم الاهتمام، حتى ان منصة الرئاسة بدات تخلو من الهيئة التي تقود الاجتماع فاشغلها (عصمت كتاني) والوفد العراقي الذي بدا مشرفا على اللجنتين السياسية والاقتصادية، ولعب دورا بارزا واساسيا، في صياغة البلاغ الختامي، وفي مجمل قرارات المؤتمر، ومنها ترشيح العراق لرئاسة حركة عدم الانحياز، في عام 1980، وكان هذا الرجل بحق دبلوماسيا كفوءا، اشغل لوقت طويل مركزا هاما في الهيئات الدائمة للامم المتحدة، فتمرس بالسياسة واستكشف دروبها واساليبها وادواتها، واتقن الاداء بطلاقته باللغة الانجليزية. ومن دلائل الارتجال في عمل هذه الحركة، ان البلاغ الختامي للمؤتمر لم يكن معدا حتى اخر يوم من انعقاده الذي استمر نحو عشرة ايام، وكانت الخاتمة على يد (عصمت كتاني) ايضا، حيث دعيت الوفود "المتبقية" الى جلسة ليلية في اخر يوم من ايام المؤتمر، وقام عصمت بابلاغ الحاضرين بان النص النهائي للبلاغ لم ينجز بعد،. انه لذلك سيلجأ الى اجمال افكاره ويطلب المصادقة عليها، وهذا ما تم "بالاجماع" وفي جو من الارهاق والنعاس،. مثله ايضا المقترح الاخير بترؤس العراق لحركة عدم الانحياز، الذي تم هو ايضا "بالاجماع " وفي جو التعب والتبرم والرغبة في الخلاص اخيرا من اعباء هذه الاجتماعات المرهقة!. اتاحت لي المشاركة في هذا المؤتمر، التعرف عن قرب وفي اطار لقاءات وزيارات ثنائية على عدد من زعماء هذه الحركة، وخاصة (تيتو) الذي زرناه في يخته الخاص، وقيل لنا انذاك انه يخاف من ركوب الطائرة، ولذا اختار طريق البحر الطويل، كما قيل انه بدأ في السنوات الاخيرة، يقضي وقته في النزهة والاستمتاع والراحة، كما تعرفت على (انور السادات) الذي قضينا معه ليلة مسلية في حديقة الفيلا التي كان يقيم فيها، وقد لاحظت انه كان شديد الاعتداد بنفسه، ويتعامل مع اعضاء وفده، وبينهم وزير الخارجية، بغطرسة واضحة، حيث كان يستدعيه بطريقة الصفعة على يده وهو يردد "دي اوامري "!، ولكن حديثه كان ممتعا، وشخصيته كانت معقدة ومسلية في ان واحد، وخلال زيارتنا لهواري بومدين، وجدته شخصية قوية جذابة، كما بدا لي ذكيا ولبقا، حيث عرف ان من بين الزائرين شخص شيوعي، فراح يتحدث بايجابية عن الشيوعية والماركسية والاتحاد السوفييتي. وبالمثل فعل الرئيس الافغاني السابق (محمود داوود خان) حيث اطرى الاتحاد السوفييتي، واشاد بدوره، كما اكد على تقاليد حسن الجوار والتعاون بين البلدين، والغريب، ان ما حدث مؤخرا في دولة الامارات، كان موضوع حديثنا الرئيسي مع (شيخ زايد بن سلطان آل نهيان) حيث كانت العلاقات بينه وبين حاكم امارة دبي في حالة تأزم او قطيعة، حملته على التفكير بالاستقالة، وقد حمل اليه رئيس الوفد، (محيي الدين معروف) توصية (احمد حسن البكر) بالتخلي عن هذه الفكرة، فتقبلها شاكرا. اما (ابراهيم الحمدي) رئيس اليمن الشمالية، فقد بدا لي شخصية وطنية يحمل على وجه العموم افكارا تقدمية الى جانب سعة افقية وحرص على تطوير علاقات الاخوة مع اليمن الجنوبية. ولم يشأ الوفد العراقي ان يقوم بزيارة (سالم ربيع علي) فالتقيت به وحدي على هامش المؤتمر، وكان احد المصورين العراقيين يلاحقنا، فنبهني الى ذلك متهكما، وكانت نظرته سلبية وحذرة من النظام في العراق، اما السيدة باندرانايكة، فكانت شخصية بسيطة، لا تداني شخصية انديرا غاندي، كما وجدتها محدودة الافق والمعرفة، وخاصة فيما يتعلق بمضامين خطابها الذي اعلنت فيه "انتهاء الاستعمار ومخاطره، وانتهاء قدرته على التدخل في شؤون البلدان المستقلة حديثا"!، وكذلك المشروع الذي قدمته الى المؤتمر حول التكامل الاقتصادي بين دول عدم الانحياز، بمعزل من كلا السوقين الراسمالي والاشتراكي!، وقد اثار استغرابي اصرارها اثناء التقائي بها منفردا، على ضرورة انشاء بنك مشترك لسائر دول عدم الانحياز يتولى تمويل البلدان المفتقرة، ويشرف على العمليات التجارية فيما بينها، ويتولى تنسيق موازين التجارة والمدفوعات، وحرية صرف وتبادل العملات..الخ. وقد ناقشتها بشيء من الحدة، وطلبت منها، على سبيل الاحراج، ان تتوثق من وجاهة رايها، بان تطرح هذا المقترح على امير السعودية.. وسترى..!. كان العراق، هو الاخر، قد حمل معه مقترحات ضمنها بكراسة مطبوعة بالعربية الانجليزية، ووزعها على جميع الوفود، وهي تدور حول امكانية وضرورة اقامة "مؤسسات نوعية مشتركة" للسلع التي تمتلكها بلدان حركة عدم الانحياز، على غرار الاوبك، وقد اطلعت على هذا الكراس لثناء رحلتنا الطويلة بالطائرة، وابديت تحفظاتي عليه، كما اقترحت تعديلات اساسية على الخطاب الذي سيلقيه محيي الدين معروف، واذكر انه كان متجاوبا ومتفهما، وفي فترة ما جلسنا منفردين في الطائرة فعبّر لي عن ضيقه بمنصبه ورغبته في التخلي عنه، اذا لم تتم المبادرة الى اقامة المؤسسات الدستورية واطلاق الحريات. ولدى عودتنا الى بغداد، وضعت دراسة انتقادية لاطروحات الوفد العراقي، ولحركة عدم الانحياز، وضرورة تعديل تركيبها ومنهجها بصورة جدية، وقد استساغ سعدون حمادي، وزير الخارجية، الافكار التي تضمنتها هذه الكراسة، واقترح مناقشتها مع العاملين في وزارته،. هذا ما تم على مدى ساعات، بحضور نحو 30 شخصا من مدراء الاقسام والعاملين في وزارة الخارجية، ورغم محاولة البعض تفنيد بعض الافكار او افتعال نوع من المجابهة، الا ان هذه الدراسة قد اقرت كمنهج يحدد الخطوط الرئيسية لسياسة العراق ازاء حركة عدم الانحياز.
#كاظم_الموسوي (هاشتاغ)
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟
رأيكم مهم للجميع
- شارك في الحوار
والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة
التعليقات من خلال
الموقع نرجو النقر
على - تعليقات الحوار
المتمدن -
|
|
|
|
نسخة قابلة للطباعة
|
ارسل هذا الموضوع الى صديق
|
حفظ - ورد
|
حفظ
|
بحث
|
إضافة إلى المفضلة
|
للاتصال بالكاتب-ة
عدد الموضوعات المقروءة في الموقع الى الان : 4,294,967,295
|
-
اوراق (من دفتر مذكراتي) للراحل عامر عبد الله (13)
-
في ذكرى الثورة... الحركة العمالية عشية ثورة 14 تموز/ يوليو -
...
-
اوراق (من دفتر مذكراتي) للراحل عامر عبد الله (12)
-
اوراق (من دفتر مذكراتي) للراحل عامر عبد الله (11)
-
اوراق (من دفتر مذكراتي) للراحل عامر عبد الله (10)
-
اوراق (من دفتر مذكراتي) للراحل عامر عبد الله (9)
-
اوراق (من دفتر مذكراتي) للراحل عامر عبد الله (8)
-
خبر ثقافي: صدور كتاب : عبد تمر .. القائد العمالي الشيوعي
-
من اوراق القائد العمالي الشيوعي عبد تمر (7)
-
من اوراق النقابي الشيوعي عبد تمر (6)
-
اوراق (من دفتر مذكراتي) للراحل عامر عبد الله (7)
-
من اوراق النقابي الشيوعي عبد تمر (5)
-
من اوراق النقابي الشيوعي عبد تمر (4)
-
من اوراق النقابي الشيوعي عبد تمر (3)
-
من اوراق النقابي الشيوعي عبد تمر (2)
-
اليسار العربي ونكبة العرب
-
من اوراق (1) النقابي الشيوعي عبد تمر
-
اوراق (من دفتر مذكراتي) للراحل عامر عبد الله (6)
-
اوراق (من دفتر مذكراتي) للراحل عامر عبد الله (5)
-
اوراق (من دفتر مذكراتي) للراحل عامر عبد الله (4)
المزيد.....
-
شاهد.. إعصار يقذف سيارتين في الهواء على طريق سريع بالصين
-
السيسي يدعو إلى وقف التصعيد بالمنطقة
-
-ذو الفقار- في قلب طهران (صور + فيديو)
-
المحقق كونان أسطورة التحري التي أسرت الملايين، ماذا نعرف عنه
...
-
تنديد دولي باستهداف الحوثيين لناقلتي نفط سعودية وترامب يتوعد
...
-
نتنياهو: اعتراف السعودية بإسرائيل سيشكل -قفزة تاريخية-
-
-رويترز-: قراصنة صوماليون اختطفوا سفينة تجارية قبالة سواحل ا
...
-
5 علامات تحذيرية لارتفاع ضغط الدم لا ينبغي تجاهلها أبدا
-
اكتشاف هام في الدماغ قد يمهد لعلاجات جديدة لاضطرابات النوم
-
البنتاغون يدرج 32 معهد بحوث وجامعة روسية في القائمة السوداء
...
المزيد.....
-
العولمة الرأسمالية: جدل المجرد والملموس
/ فاخر جاسم
-
سياسة حفار الساق
/ د. خالد زغريت
-
الطائفية المتغلغلة في لبنان
/ حسين محمود صالح
-
صدى دولي لكتاباتي: من إحدى أبرز مفكرات اليسار الإيطالي إلى أ
...
/ رزكار عقراوي
-
كتاب : جينات التراب وأساطير السماء: قراءة في علم الآثار، وال
...
/ احمد صالح سلوم
-
الإضرابات العمالية في العراق: محاولة للتذكير!
/ شاكر الناصري
-
كتاب : ميناب لا تبكي وحدها.. الهمجية المكشوفة: تفكيك العقلية
...
/ احمد صالح سلوم
-
k/vdm hgjydv hg-;-gdm
/ أمين أحمد ثابت
-
كتاب : حَمَّالُ أَوْجُه..الصراع الطبقي والتأويل في الإسلام
/ احمد صالح سلوم
-
كتابات غير.. ساخرة
/ حسين جداونه
المزيد.....
|