أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع - حسام الدين فياض - وهم الانتصار على الشيخوخة في المجتمع المعاصر














المزيد.....

وهم الانتصار على الشيخوخة في المجتمع المعاصر


حسام الدين فياض
أكاديمي وباحث

(Hossam Aldin Fayad)


الحوار المتمدن-العدد: 8774 - 2026 / 7 / 22 - 21:29
المحور: الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع
    


" ليست الشيخوخة أكبر ما يخشاه الإنسان، بل فقدان الصورة التي يريد أن يراها الآخرون " (الكاتب).

لطالما حمل الإنسان في أعماقه حلماً قديماً يتمثل في إطالة العمر، حتى بدا وكأن الانتصار على الزمن هو آخر المعارك التي يريد أن يخوضها. فمن منظور علم النفس، لا يعكس هذا الحلم حب الحياة فحسب، بل يكشف أيضاً عن خوف دفين من الفناء، ورغبة عميقة في تأجيل اللحظة التي يواجه فيها الإنسان حقيقة محدوديته.

ولهذا لم تتوقف الحضارات عبر التاريخ عن البحث عن سر الخلود، وتغيرت الوسائل بتغير العصور، فمن الأساطير وإكسير الحياة إلى المختبرات الحديثة وتقنيات الهندسة الوراثية. ومع كل تقدم علمي، يتجدد الاعتقاد بأن الإنسان بات أقرب إلى هزيمة الشيخوخة، وكأن المشكلة تكمن في الجسد وحده، لا في طبيعة الوجود الإنساني نفسه. فكل إنجاز يطيل العمر أو يؤخر مظاهر التقدم في السن يستقبل بوصفه خطوة نحو الانتصار النهائي على الزمن، رغم أن الزمن لا يختزل في التحولات البيولوجية، ولا تختصر الشيخوخة في تغيرات الجسد. ومن هنا يتكرر الوهم ذاته بأشكال أكثر تطوراً، إذ ينتقل السعي إلى الخلود من الخيال والأسطورة إلى العلم والتقنية، بينما يبقى الدافع واحداً هو الرغبة في تجاوز حدود العمر الإنساني، لا في فهمها والتصالح معها.

وحسب علم الاجتماع، فإن هذا الحلم لم يعد مجرد رغبة فردية، بل تحول إلى ثقافة اجتماعية تغذيها قيم العصر الحديث التي تمجد الشباب والإنتاجية والاستهلاك. فقد أصبحت الشيخوخة في كثير من المجتمعات تعامل بوصفها خللاً ينبغي إصلاحه، لا مرحلة طبيعية من مسار الحياة. كما أسهمت الصناعات الطبية والعمليات التجميلية، إلى جانب الخطاب الإعلامي، في ترسيخ الوهم بأن العمر يمكن تمديده بلا حدود إذا امتلك الإنسان المال والتقنيات المناسبة.

وهنا يتحول الخوف الطبيعي من الموت إلى مشروع اقتصادي وثقافي ضخم، يباع فيه الأمل بقدرة الإنسان على الإفلات من قانون الزمن، بينما يغيب علينا السؤال الأكثر أهمية هل تكمن قيمة الحياة في طولها، أم في الكيفية التي تعاش بها؟
ويبقى الإنسان، مهما بلغ تقدمه العلمي، جزءاً من نظام كوني يقوم على التغير والتعاقب والانتهاء. فإطالة العمر قد تؤخر بعض مظاهر الشيخوخة، لكنها لا تستطيع أن تلغي حقيقة أن لكل حياة نهاية.

لذلك يبدو أكثر حكمة أن ينصرف الإنسان إلى تحسين جودة سنواته، بدلاً من الانشغال بعدها، وأن يستثمر ما يملكه من وقت في بناء المعنى والعلاقات والأثر الإنساني. فالتاريخ لم يخلد أكثر الناس عمراً، وإنما خلد أولئك الذين منحوا أعمارهم قيمة، لأن الحياة تقاس بما تضيفه إلى الإنسان والناس، لا بعدد السنوات التي ينجح في إضافتها إلى عمره.

وهكذا يستحق الإنسان أن ينفق وقته وماله على ما يحفظ صحته ويثري عقله ويهذب روحه، لا على مطاردة صورة مثالية يصنعها الآخرون ثم يعجز الجميع عن بلوغها. فالشباب الحقيقي لا يبدأ من ملامح الوجه، بل من حيوية الفكر، وسلام القلب، وامتلاء الحياة بالمعنى.

أما الجسد، فسيظل يخضع لقانون الزمن مهما حاول الإنسان تأجيل آثاره أو إخفاء علاماته. لذلك، فإن أجمل استثمار في العمر ليس أن تبدو أصغر سناً، بل أن تصبح أكثر نضجاً، وأكثر حكمة، وأكثر رضاً عن نفسك. فالتجاعيد قد يخففها الطب، أما القلق من التقدم في العمر فلا يزيله إلا التصالح مع حقيقة الحياة، والإيمان بأن قيمة الإنسان لا يصنعها وجهه، وإنما يصنعها أثره.

وفي الختام، أعتقد جازماً أن الإنسان كلما بالغ في مقاومة الزمن، ازداد خضوعاً لسلطته. فمن ينشغل بإخفاء آثار العمر يمنح الزمن حضوراً أكبر في وعيه، بينما من يتصالح مع تعاقب المراحل يتحرر من وهمه. فالشيخوخة ليست أزمة الجسد بقدر ما هي أزمة ثقافة جعلت القيمة مرهونة بالشباب، وحولت العمر إلى خسارة بدل أن تراه تراكماً للخبرة واتساعاً للحكمة. إن الزمن لا ينتقص من الإنسان، وإنما يكشف ما راكمه في رحلته، ولذلك فإن النضج الحقيقي يبدأ عندما نتوقف عن مطاردة شباب مستحيل، ونبدأ في الاحتفاء بحياة امتلأت بالتجربة والحكمة.



#حسام_الدين_فياض (هاشتاغ)       Hossam_Aldin_Fayad#          


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)

الكاتب-ة لايسمح بالتعليق على هذا الموضوع


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- أزمة القدوة في المجتمع المعاصر من المرجعية إلى الهامش
- من يقود الوعي الجمعي... مراكز الدراسات أم السيرك السياسي وال ...
- احتلال العقول أخطر من احتلال الأوطان
- مونديال 2026... بين عالمية الرياضة ومفارقات العلاقات الدولية
- الباحث السوسيولوجي... شاهد على الواقع أم ناقد له؟
- الخيانة الوجه الآخر للمصلحة (حين تصبح الخيانة أقوى من الذاكر ...
- كيف يشيخ الطموح بين الأصدقاء؟
- ما بين الحلم والإنجاز قصة عمل طويلة لا يراها أصحاب الأمنيات ...
- لعنة الموقع أم غياب القوة؟
- السلطة التي يفسدها حاشيتها...
- من يربي أبناءنا اليوم؟
- وهم الأنا المفكرة... سوسيولوجيا إنتاج الوعي الاجتماعي
- الصراع الأسري وإرادة السيطرة: مقاربة نقدية – تطبيقية في ضوء ...
- تحولات البنية الأسرية العربية من بنية تضامنية إنتاجية إلى عل ...
- من الإنجاز إلى الإعلان: كيف يُعيد الاعتراف تشكيل الذات الهشّ ...
- المرأة العربية بين التماسك الأسري والتفكك الرقمي في ظل هيمنة ...
- ثقافة الإلغاء وتحولات الليبرالية الغربية: إشكالية الهيمنة ال ...
- هندسة التأثير الخفي وإعادة تشكيل الوعي عند إدوارد بيرنيز
- التوازن النفسي في المجتمعات المعاصرة (قراءة سوسيولوجية نقدية ...
- التروما والوعي الإنساني (من الألم النفسي إلى إعادة إنتاج الم ...


المزيد.....




- أوفى بوعده لنادر نور.. تركي آل الشيخ يكتب كلمات أغنيتن من أل ...
- -العين بالعين-.. عراقجي محذرًا من استهداف البنى التحتية في إ ...
- الشرطة التشيكية تحقق في رسائل تهديد تلقتها إلى الرئيس بيتر ب ...
- مصر: ندعم أي مسار يقود لانسحاب إسرائيلي كامل من لبنان
- مقر خاتم الأنبياء يوضح رد فعل طهران إذا نفذ -الرئيس الأمريكي ...
- عراقجي: أي طرف يشارك في العدوان على إيران أو يدعمه سيُعتبر ه ...
- دخول الماء إلى الأذن في الصيف.. متى يصبح الأمر خطيرا؟
- الكربوهيدرات ليست عدوا.. خبيرة تكشف فائدتها في النظام الغذائ ...
- توقعات بموجة احترار قياسية عالمية خلال 2027 بفعل النينيو
- خرج من بين الركام.. عراقجي يكشف كيف نجا من القصف خلال الهجوم ...


المزيد.....

- البساطة / عبدالجليل الكناني
- أحمد رباص / كتاب هيغل :قراءة جماعية جديدة في "فينومينولوجيا الروح"
- الوعي كمشكلة في علم نفس السلوك .تأليف: S.L. فيجوتسكي .الاتحا ... / عبدالرؤوف بطيخ
- الفينومينولوجيا الهوسرلية النظرية والمنهاج / احسان طالب
- تحليل نظرية روزا هارتموت النقدية في علم الاجتماع / علي حمدان
- -الدولة الأخلاقية- تفكيك ظاهرة المدنية والتمدن / احسان طالب
- جدوى الفلسفة، لماذا نمارس الفلسفة؟ / إحسان طالب
- ناموس المعالي ومعيار تهافت الغزالي / علاء سامي
- كتاب العرائس / المولى ابي سعيد حبيب الله
- تراجيديا العقل / عمار التميمي


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع - حسام الدين فياض - وهم الانتصار على الشيخوخة في المجتمع المعاصر