أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - نزار جاف - صديقان لي: ترك الاثر العاطفي وليس تقديم فکرة سياسية أو موقف أيديولوجي














المزيد.....

صديقان لي: ترك الاثر العاطفي وليس تقديم فکرة سياسية أو موقف أيديولوجي


نزار جاف

الحوار المتمدن-العدد: 8771 - 2026 / 7 / 19 - 21:51
المحور: الادب والفن
    


منذ أواسط القد السابع من الالفية السابقة، وأنا أتابع القصائد التي يکتبها صديقي المخضرم "کوران مريواني"، والذي جذبني الى شعره جذبة لا أستطيع الفکاك والتخلص منها، هو أسلوبه الهادئ والسلس في صياغة القصيدة وکأنه يحاول أن يبعث الروح في صوره الشعرية ليجعلها أقوى وأکثر تأثيرا على المتلقي.
صديقان لي، آخر قصيدة تلقيتها منه وأدرج ترجمتها في نهاية المقال، لفتت نظري کثيرا، حيث إن لغتها الظاهرية وعلى رغم بساطتها، بيد إنها تکتنف طبقات من المعنى مع ملاحظة کونه لم يعتمد على الزخرفة البلاغية الکثيفة، بل وکما تعودته دائما على سرد هادئ يميل الى نمط صوفي الى جانب إعترافات داخلية تحتاج الى التعمق لکشف ملامحها وکل هذا ما منح القصيدة صدقا وليس بعدا عاطفيا.
غير إن أبرز ما يميز القصيدة ميلها الى تحويل الطبيعة الى کائنات حية ذات ذاکرة، إذ أن البحيرة والشجرة ليستا مجرد خلفية جمالية، بل تصبحان صديقين للشاعر، لكل منهما تاريخ من الألم والفقد. هذه الفكرة تمنح النص عمقا فلسفيا؛ فالإنسان والطبيعة يشتركان في تجربة الجرح والانتظار.
والقصيدة غنية ومشبعة بالصور الهادئة والمٶثرة ومن أجمل صورها:
الشجرة أسندت أغصانها إلى الأرض": صورة تمنح الشجرة هيئة إنسان متعب أو شيخ يحمل أثقال السنين، و "البحيرة تغير لونها": وكأنها تتفاعل عاطفيا مع اعترافات الشاعر، و" تغسل حزني بماء عينيها المليء بالألوان": صورة جميلة تجمع بين الحزن والجمال، وتجعل الدموع مصدرا للتطهير لا مجرد علامة ألم.
ومن حيث البعد الانساني للقصيدة، فإن قوتها الاساسية لا تبقى أسيرة قضية محددة، بل تتحدث عن تجربة إنسانية عامة: الفقد، الهجرة، الخراب، فقدان الأحبة، والبحث عن ملاذ. لذلك يمكن للقارئ، حتى خارج السياق الكوردي، أن يجد نفسه داخلها.
ويمکن أن يخيل لم يتعمق في القصيدة أنها تعتمد كثيرا على الرمزية المباشرة؛ فالشجرة والبحيرة واضحتا الدلالة، ولا تتركان مساحة كبيرة للغموض والتأويل مقارنة بالشعر الرمزي الأكثر تعقيدا. كما أن الإيقاع الداخلي هادئ جدا، وقد يفتقد القارئ الذي يميل إلى الشعر الغنائي التقليدي إلى الموسيقى الصاخبة.
ولاريب أن القصيدة في خطها العام، ناضجة ونابضة بالحيوية وقوتها لا تکمن في التعقيد اللغوي، بل في قدرتها على خلق علاقة حميمية بين الإنسان والطبيعة، وجعل الحزن تجربة كونية. إنها أقرب إلى قصيدة تأملية وجودية منها إلى قصيدة احتجاجية مباشرة.
وختاما هناك ملاحظة مهمة لابد من ذکرها وهي أننا لو أردنا وضعها في سياق الشعر الكوردي الحديث، يمكن القول إنها تنتمي إلى خط الشعراء الذين جعلوا من المنفى والذاكرة والطبيعة أرشيفا للإنسان المقهور، وهي من النصوص التي تترك أثرا عاطفيا بعد القراءة أكثر مما تقدم فكرة سياسية أو موقفا أيديولوجيا مباشرا.

صديقان لي
کوران مريواني
قرب بيتنا
هناك بحيرة،
وبجانبها شجرة.
لا أعرف أيهما أقدم عمرا،
وأيهما يحمل حزنا أكثر.
البحيرة صامتة وهادئة،
والشجرة أسندت أغصانها إلى الأرض،
وبعينين كبيرتين
أكبر من عيني،
تنظر إلى الحياة.
كثيرا ما، حين لا يكون لدي عمل،
أذهب وأجلس بقربهما،
وأفتح لهما قلبي.
فتغير البحيرة لونها،
وتبدأ الشجرة بمد يدها نحوي، وتقول:
"أتذكر؟
أنت أيضا هربت في ذلك العام حين اندلع الحريق،
حين تركتني العصافير الحارسة
ولم تعد أبدا.
في ذلك الوقت
كنت لم أقف بعد على قدمي،
ولم تكن لي ورقة واحدة،
وكان والداي أيضا قد احترقا في تلك الأيام!"
فتقول البحيرة:
"لا أعرف كم جدولا صغيرا كنا،
كنا نعيش جميعا معا.
سقط أبي ضحية الفخ
وفارق الحياة،
أما أمي فقد اختبأت مع عدد من الجداول،
ولم تظهر بعد ذلك أبدا."
قرب بيتنا
هناك بحيرة،
هي أكثر صمتا مني،
وبجانبها شجرة،
هي أكثر حزنا مني.
تنظر إلى الدنيا
بعينين
أكبر من عيني.
حين يضيق قلبي،
وحين يثقل حزني،
آتي لزيارتهما.
هذه تضمني
إلى حضنها المليء بالظلال،
وتلك تغسل حزني
بماء عينيها
المليء بالألوان!
20-04-26 – ستوكهولم



#نزار_جاف (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- الحرب
- سوف أنتقل من هنا
- ذاهب أنا
- مماتي
- الشئ بالشئ يذکر..
- أن تغدو عاشقا
- رهين الملفين!
- نظام مبني على الکذب و الدجل و التحريف
- توضحت الصورة تماما
- الحل يکمن في دعم المقاومة الايرانية فقط
- ملف أشرف قاد الى الخارجية الامريکية
- رجوي تأخذ بزمام المبادرة من جديد
- إعلام الحرية و إعلام القيود
- قطر تختار أم الشعوب؟
- أحد المتواجدين في ليبرتي: الحکومة العراقية و کوبلر کذبا علين ...
- هل ينقلون سجناء أم لاجئين سياسيين؟!
- للنظام الايراني جنود من کذب
- الهدف الاستراتيجي الجديد للنظام الايراني
- کوبلر..هل تعلم ماذا تفعل؟
- دفاعا عن السيادة العراقية


المزيد.....




- الأزهر يعلن إطلاق مسابقة كبيرة
- تشريح جثمان فنان مصري بعد وفاته عن عمر يناهز 42 عاما
- سوريا.. تمزيق صور الفنان حسام جنيد بعد الإعلان عن حفله الفني ...
- شيرين تقاضي مدير صفحاتها السابق: -استولى على حساباتي وأرباحي ...
- ألوان العلم الروسي تضيء نصب الاستقلال في إندونيسيا بحضور 20 ...
- -الأوديسة- لنولان يتجاوز -أوبنهايمر- بافتتاحية عالمية بلغت 2 ...
- بلاغة الصورة والالتحام بالهم الإنساني.. قراءة تفكيكية في ديو ...
- 5 أفلام كردية تسعى للعالمية بمهرجان في إسبانيا
- اتحاد الأدباء يستضيف مفكرين من تونس لمناقشة موضوع المواطنة و ...
- الفنان علي هاتف.. من حروف بابل الأثريةإلى صياغة اللون المعاص ...


المزيد.....

- قناديل الحكمة / د. خالد زغريت
- حكاياتْ تَكاد تُنسى / فلاح العيفاري
- وعي ـ قصص قصيرة جدا / حسين جداونه
- ديوان 23 الحاوي والعصفور / منصور الريكان
- كتاب «عين على القصة القصيرة: تأملات نقدية في تسع رؤى قصصية م ... / حميد عقبي
- كتابنا ـ كتابات غير.. ساخرة / حسين جداونه
- رسالة الى عام 3026 / ايه رياض الجبوري
- نافذة ـ قصص قصيرة جدا / حسين جداونه
- جسد الكرنفال في رواية حدث أبو هريرة قال / كمال التاغوتي
- اعترافات السيد حافظ والأصدقاء ما وراء الكواليس الجزء الث ... / السيد حافظ


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - نزار جاف - صديقان لي: ترك الاثر العاطفي وليس تقديم فکرة سياسية أو موقف أيديولوجي