أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - صباح بشير - في حضرة الرّباعيّة.. بوح الخزامى















المزيد.....

في حضرة الرّباعيّة.. بوح الخزامى


صباح بشير
أديبة وناقدة

(Sabah Basheer)


الحوار المتمدن-العدد: 8751 - 2026 / 6 / 29 - 12:01
المحور: الادب والفن
    


الرّباعيّة: هي لوحة شعريّة مكثّفة، تقوم فلسفتها على احتواء المعنى الرّحب في مدىً ضيّق لا يتجاوز الأبيات الأربعة، وهي وإن قصرت مسافتها، فإنّها تمتاز بوحدةٍ موضوعيّة تجعل منها بناء مكتملا ينأى عن التّفكّك.
يشترط فيها نقّاد الأدب أن تكون عالما قائما بذاته، يستقلّ بفكرته وشعوره دون حاجة لما قبله أو بعده، حيث تتصاعد خيوط الدّهشة بشكل دراميّ يبدأ في البيت الأوّل ويرسّخه الثّاني؛ ليأتي الثّالث كواثب يمهّد للخاتمة، حتّى إذا ما حلّ البيت الرّابع استقرّت الحكمة أو الومضة في نفس القارئ؛ كصدمة فنّيّة بارعة لا تقبل الزّيادة أو النّقصان.
أمّا من حيث الصّنعة والنّظم، فالرّباعيّة في موروثنا الأدبيّ تلتزم بنظام إيقاعيّ مخصّص، تصبح من خلاله جنسا أدبيّا رفيعا، يتطلّب من الشّاعر مهارة في التّكثيف، وقدرة على صهر الفلسفة والعاطفة في قالبٍ موزون يجمع بين جمال اللّفظ وعمق المقصد.


قراءة في جماليّات المعنى والصّورة:
تنبض رباعيّة " أثر الخزامى" للشّاعر رفعت زيتون بنفَسٍ وجدانيٍّ يقطر عذوبةً وأسى، حيث يصوغ تجربة الفقد في قالبٍ شعريٍّ يجمع بين رقّة اللّفظ وعمق الشّعور، مستنطقا عناصر الطّبيعة لترجمة خلجات النّفس وانكساراتها أمام سطوة الغياب.
تكتنز في طيّاتها فلسفة التّحوّل من الضّياء إلى الظلمة، ومن الأثر العبق إلى الفراغ الموحش، مصاغة بألفاظٍ تفيض عذوبة.
تأخذنا هذه الرّباعيّة في رحلة شعوريّة ماتعة، ترسم ملامح الفقد بفرشاة الذّاكرة المثقلة بالحنين، حيث يفتتح الشّاعر نصّه بتمنٍّ مستحيل، متسائلا عن مآلات البقاء لو استمرّ حضور الطّيف كغيمة هطول، تمنح الظّلّ والارتواء لزهر الأقحوان. في هذا المطلع تصوير بارع للحبيبة؛ كعنصر كونيّ يمنح الحياة والنّماء لمن حوله.
في البيت الثّاني، يصدمنا الواقع بانقشاع ذلك الطّيف، إذ يشبّه الحضور بحلمٍ عابر انتهى بيقظة موحشة، غاب معها شذى الخزامى الّذي كان يزيّن وجه الأيّام، وهنا يبرز جمال التّعبير عن الضّياع برحيل الأثر العطريّ اّلذي يمثّل جوهر الذّكرى.
ثمّ يمضي في البيت الثّالث مستحضرا رقّة الماضي، متسائلا في لوعة عن ملمس الحرير وعن تلك الوجنات الّتي كانت رمزا للأمان والوصل، ليعكس عمق الفجوة بين زمن اللّين وزمن القسوة الّذي حلّ مكانه.
يختتم الشّاعر مقطوعته بمقابلة بصريّة حزينة، فبعدما كانت الحبيبة سراجا ينير عتمة ليله، أصبح الحاضر صراعا مريرا بين سوادين؛ عتمة غيابها ودجى الزّمن الّذي أطبق على الأنفاس.

بلاغة التّشكيل وجمال الصّورة:
تزخر هذه الرّباعية بصور بيانيّة ومحسّنات بديعيّة تمنح النّص أبعادا جماليّة تفوق عدد أبياته، ويمكن استجلاء ملامح هذا التميّز في الجوانب الآتية:
- يبرز في النّص تقابلٌ وجدانيّ وعقليّ حادّ بين ثنائيّات الماضي والحاضر، الضّياء والعتمة، واليقظة والمنام، ففي البيت الأخير تظهر المقابلة بين الضّوء السّاحر الّذي ميّز الأمس، وبين العتم والدّجى اللّذين يسيطران على اليوم، وهذا الطّباق لا يهدف إلى التّضاد اللّفظيّ فقط، وإنما يمثّل حالة الانكسار النّفسيّ والتّحوّل الجذريّ في حياة الشّاعر.
- أضفى زيتون صفات البشر على الجماد والزّمن فيما يعرف بالتّشخيص؛ ففي قوله "خدّي الزّمان" استعارة مكنيَّة رائعة، حيث جعل للزّمان وجها وخدودا، وهو ما يمنح الشّعور بالوقت صبغة إنسانيّة ملموسة، فالزّمان شخصٌ يشاركه الأسى ويفقد معه عطر الخزامى.
كما أنّ قوله "الدّجى يتعاقبان"، تشخيصٌ للّيل والغياب كقوّتين تتناوبان الحضور في ساحة روحه المتعبة.
- في مطلع النّص، نجد استعارة تصريحيّة في كلمة "سحابة"، حيث حُذِف المشبّه (المحبوبة) وصرّح بالمشبّه به (السّحابة)، بكلّ ما تحمله من دلالات السّمو والعطاء، وفي البيت الثّاني، ينتقل إلى التّشبيه البليغ في قوله "كالحلم كنت"، وهو تشبيه يجمع في طيّاته دلالتي القصر والزّوال؛ فالحلم رائع في لحظة وقوعه، لكنّه يترك في النّفس غصّة لسرعة انقضائه. وهنا لم يشبّه المحبوبة بالحلم لجمالها فحسب، وإنما ليؤكّد أنّ وجودها في حياته كان خاطفا كالحلم الّذي انتهي بعد الاستيقاظ، ممّا جعل الفقد أكثر إيلاما.
وُظِّفت أيضا عناصر الطّبيعة (الخزامى، الأقحوان، الحرير) كرموز للحسّ والجمال؛ فالأقحوان يرمز للنّقاء الّذي يحتاج سقاية الوصل، والحرير يرمز لنعومة العهد الماضي، والخزامى هي العطر الباقي في الذّاكرة.
هذا التّوظيف يجعل القصيدة أشبه بلوحة تشكيليّة تُقرَأ بالحواس، يمتزج فيها ملمس الحرير بشذى الخزامى وبرؤية الضّياء، ممّا يخلق تجربة حسّيّة متكاملة.
على صعيد البناء الموسيقيّ، اعتمد زيتون نظام القافية الموحّدة الّتي تنتهي بالألف والنّون السّاكنة (الأقحوان، الزّمان، وكان، يتعاقبان)، ممّا أضفى على النّص جرسا ممتدّا يبعث في نفس القارئ صدى من الأنين والتّحسّر، واختيار حرف "النّون" المسبوق بالألف الممدودة كروي للنّص، يمنح النّص مدى صوتيّا فسيحا يحاكي زفرات الحنين، ويرسّخ حالة التّرقّب والضّياع الّتي تكتنف الوجدان، ليكون الإيقاع هنا رفيقا وفيا للمعنى، وخادما للدّفقة الشّعوريّة الّتي ترفض الانتهاء.

صفوة القول، "أثر الخزامى" تمثّل نموذجا لاجتماع المهارة النّظميّة بالدّفق الشّعوريّ الصّادق، حيث استطاع الشّاعر أن يكثّف مأساة الغياب في أربعة أبيات، محوّلا عناصر الطّبيعة إلى لغة تنبض بالوجع والحنين.
بفضل هذا التّناغم بين بلاغة التّشخيص وعمق الاستعارة، خرج النّص من إطار الوصف إلى فضاء التّجربّة الإنسانيّة الشّاملة، ليبرهن أنّ هذه المقطوعة، رغم قصر مداها، تظلّ عالما رحبا قادرا على تخليد أدقّ خلجات الرّوح.
أضع بين أيديكم هذه الأبيات؛ لتكون مسك الختام وجوهر القراءة؛ وأدعوكم لاستشفاف مكامن الجمال في ثناياها، فهي تصوّر منظومةً ناطقةً تستحقّ التّأمّل، نتبيّن من خلالها كيف يغدو الحرف وطنا للذّاكرة وعطرا لا يغيب.


رفعت زيتون
أثر الخزامى
ماذا لوْ انّكِ قدْ بقيتِ سحابةً،
ظلّا وماءً ساقيًا للأقحوانْ؟
كالحلمِ كنتِ وقدْ صحوتُ فلمْ أجدْ
أثرَ الخزامى فوقَ خدّيِّ الزّمانْ
قدْ كانَ عهدًا ناعمًا أينَ الحريرُ
ووجنتاكِ وأينَ إذْ كنّا وكانْ
قدْ كنتِ ضَوْءًا ساحرًا في ليلتي
واليومَ عتمُكِ والدّجى يتعاقبانْ



#صباح_بشير (هاشتاغ)       Sabah_Basheer#          


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- مرافئُ السَّكينة...
- ملاذ الكلمات..
- الثّقافة كدرع وجدانيّ في ليل التّغريب
- مرايا الإبداع في أدب حسن حميد
- صباح بشير: -كأنّي لم أذهب بعيدا-.. محمود درويش ورفاق الكلمة ...
- -قبل أن يستيقظ البحر-.. مرثية الحبّ في زمن الرّماد والمنفى
- عالم الإبداع بعيون ناجي ظاهر.. حوار بين الأصالة وتحدّيات الع ...
- نظرة في كتاب -هامش أخير-.. تأمّلات الأديب محمود شقير
- -وداع على رمال تشرين-
- أن تكون رفيقا للكتاب
- رواية -عين الزّيتون- للأديب محمّد علي طه. وثيقة صمود في سجلّ ...
- -في بعض تجلِّيات السِّيرة الفِلَسطينيَّة- للأديب محمود شقير. ...
- صدور كتاب “نفحات من النّقد” للأديبة والنّاقدة صباح بشير
- فيصل درّاج وذاكرة لا تمحى.. قراءة في كتاب “كأن تكون فلسطينيّ ...
- سمو الرّوح..رحلة إلى أفق النّقاء
- -أغنية المجنون- لعادل خزام، رحلة الوعي بين قسوة الواقع ونداء ...
- آباء على ثرى الوجع
- صباحات القدس.. قصيدة فجر وأسرار روح..
- وشائج الرّوح واللّغة.. سرّ الأدب
- رواية -أولاد جلوة- للرّوائيّ قاسم توفيق، جذور ورمال، وحكاية ...


المزيد.....




- وزارة الموارد المائية والري ووزارة الثقافة تحتفلان بـ«عيد وف ...
- أسبوع القاهرة للتصميم شريكا في موسكو.. تعزيز حضور التصميم ال ...
- 40 فيلما من 13 دولة في مهرجان -ليندوك- السينمائي ببطرسبورغ
- بعد غياب 15 عاما.. راغب علامة يعانق الشام ويسقط كلمات الكراه ...
- لوكارنو يستعيد أفلام هوليوود اليسارية التي تحدّت المكارثية
- مختبر الأفكار.. كيف تصنع الكتابة التفكير وتكشف حقائق ذواتنا؟ ...
- ديمة قندلفت تخوض -كواليس-.. حكاية غامضة بين الصحافة وعالم ال ...
- طرابيش ومكابس ورق.. فنان فلسطيني يوظّف أدوات يومية في صورغير ...
- حكايات شعوب روسيا تتحول إلى مسلسل رسوم متحركة جديد
- -موسكونسيرت- تختتم احتفالاتها بالذكرى الـ95 بحفل في قصر الكر ...


المزيد.....

- ديوان 24 شعر / منصور الريكان
- القصة الشاعرة والوعي الجمعي الحداثي/ مقاربة في دور القصة الش ... / ربيحة الرفاعي
- تصاوير لية الظمأ / السمّاح عبد الله
- ثلاثاءات عابر سبيل / السمّاح عبد الله
- ملامــح التجريــب في كتابـات السيـد حـافظ من خلال روايته يو ... / سلسبيل كريبع
- قناديل الحكمة / د. خالد زغريت
- حكاياتْ تَكاد تُنسى / فلاح العيفاري
- وعي ـ قصص قصيرة جدا / حسين جداونه
- ديوان 23 الحاوي والعصفور / منصور الريكان
- كتاب «عين على القصة القصيرة: تأملات نقدية في تسع رؤى قصصية م ... / حميد عقبي


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - صباح بشير - في حضرة الرّباعيّة.. بوح الخزامى