أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - صباح بشير - مرايا الإبداع في أدب حسن حميد















المزيد.....

مرايا الإبداع في أدب حسن حميد


صباح بشير
أديبة وناقدة

(Sabah Basheer)


الحوار المتمدن-العدد: 8619 - 2026 / 2 / 15 - 14:06
المحور: الادب والفن
    


صباح بشير:

تنساب أعمال الأديب حسن حميد كأنهار من الشّجن، تتدفّق في مجرى السّرد بفيض من الرّؤى الفلسفيّة والجماليّة، وترتكز على لغة طيّعة رصينة، تزاوج بين المأساة والحلم؛ لتغدو كفضاء تتصارع فيه قيَم الحقّ والجمال مع وطأة الشّتات والظّلم.
لقد برع د. حميد في تطويع الأحداث وتحويلها إلى نصّ إبداعيّ نابض، لتطلّ الأرض من بين سطوره أيقونة خالدة، ويتحوّل الاغتراب في نصوصه إلى طاقة خلّاقة تعيد صياغة الوجود الإنسانيّ بأكمله.
يبقى في كلّ عمل يخطّه حارسا للذّاكرة، متجاوزا في توظيفه لتقنيَّة "الميتاسرد" حدود الحكاية التّقليديّة نحو أفق وعي السّرد بذاته؛ فينتقل إلى القراءة الواعية بآليات بناء النّصّ، يستنطقه ليرتدّ إلى كينونته الواصفة، فيتوقّف عن النّظر إلى الأحداث ويعود للنّظر إلى ماهيَّته كعمل أدبيّ. الكاتب هنا لا يكتفي بإخبارنا "ماذا حدث"، بل يجعل الرّواية تتحدّث عن "كيف تكتب".
د. حميد روائيّ حداثّي، يمنح القارئ دور الشّريك في هندسة البناء السّرديّ، محطّما بذلك حدّة الإيهام بالواقع؛ ليضفي على أعماله أبعادا فلسفيّة ونقديّة، تضع العمليّة الإبداعيّة تحت مجهر التّأمّل. ويأتي البوح الذّاتيّ في أعماله ليمنحها نبضها الوجدانيّ، إذ يمزج المتخيَّل السّرديّ بمرارة التّجربة الشّخصيّة، محوّلا العمل إلى وثيقة إنسانيّة تخاطب المتلقّي، في حين يبرز الخيال الرّمزيّ؛ كأداة لتقويض الرّتابة الواقعيّة، ووسيلة لإعادة صياغة الواقع ضمن إطار يفتح الآفاق بعمق أمام مساءلة قضايا الوجود.
تعدّ هذه المناورة السّرديّة في مجملها نهجا واعيا، محقّقة غاية فنّيّة تمسّ جوهر العمليّة الإبداعيّة، وتعيد صياغة العلاقة بين المؤلّف والقارئ والنّصّ. كما يخلق في نصوصه بيئة قادرة على توليد أنساق تتبدّى حينا وتتوارى حينا آخر، ليصير السّرد مرآة صادقة لهويّة الفلسطينيّ وارتباطه بالأرض.
يتعانق في محرابه الموت بالانبعاث، وتستحيل الجغرافيا إلى فضاء طوبائيّ، تذوب فيه حدود الحكاية بفعل التّكوين؛ فتشرق شخوصه ساكبة على حكاياها مسحة تراجيديّة، تعيد بعث السّيرة الفلسطينيّة وتجسيدها في منازلها التّاريخيّة الأولى.
من هنا، يتّضح في آفاق أعماله تناغم فنّيّ ينسحب على سائر نتاجه، إذ يستند في رَويِه إلى التّكثيف السّرديّ وحصر الضّوء في بؤرة الموضوع؛ لينصهر هذا الإيجاز الفنّيّ في بوتقة الالتزام، حيث يستبدّ به الهمّ الوطنيّ، فينكبّ على تصوير حالنا وأحوالنا ونقل نبضنا الاجتماعيّ. وإذ يحسب له هذا الالتصاق الوجدانيّ بحياة البسطاء والمحرومين، فهو يكتب بعين المنحاز لقضاياهم، مخلصا لروح المكان وتفاصيله؛ ينتقي أبطاله من قلب الموقف الإيجابيّ، ملتقطا عفويتهم؛ لينقلنا بذلك إلى رحاب التّجربة الحيّة.
كما تشيع في نصوصه إيماءات تنضح بالحنين، وترسم ملامح الفجيعة في مرافئ الغربة، لكنّها تظلّ متمسّكة بحتميّة الصّمود.
لقد قرأت مجموعة من رواياته واستجليت ما انطوت عليه من أسرار، سأقوم هنا بعرض شذرات من بعضها؛ وذلك بإيجاز مكثّف، مستحضرة جوهرها بكلمات قلائل.
في روايته "جسر بنات يعقوب"، يستعيد المأساة الفلسطينيّة من بوّابة التّاريخ، يستحضر أحداثا ويعيد صياغتها عبر بناء روائيّ خاصّ، يشيّد من خلاله ملامح المكان، بدءا من عتبة العنوان، وصولا إلى التّذييلات والاعترافات والحواشي الّتي تصطفّ كفواتح معرفيّة تجذب القارئ، وتشي بأبعاد سياسيّة ودينيّة واجتماعيّة.
يتأرجّح عنوان هذا العمل في أطيافه بين التّاريخ والسّياسة، وهو ما يلقي بظلاله على الجوهر الوجوديّ لأبطال العمل المحوريين، أمّا الأحداث، فتحبس في داخلها زفرات الوجع المترنّح فوق جسر الضّياع؛ لتصبح شاهدة على مأساة أمّة وفجيعة وطن، في تمازج يجمع بين غابر الأيّام وحاضرها، وبين الممكن والمستحيل.
على ذات النّهج الانبعاثيّ، تنبثق رواية "الكراكي"، لتبرز بناء سرديّا يجمع بين الخيال والواقع والموروث الشّعبيّ، متّخذة من بحيرة طبريا مدارا أسطوريّا يضجّ بالحياة، فيخلق الكاتب من الحروف أجنحة تحلّق بالقارئ نحو آفاق شاعريّة رحبة، وتتماهى الشّخوص الأثيريّة مع أمكنتها في وحدة صوفيّة تفيض بالوداد.
هو نصّ يرتفع فوق النمطيّة، وكأنّه قصيدة نثر مطوّلة تعزف ألحانها على أوتار الطّبيعة؛ تنبعث الرّوح فيها من نبض الأرض المقدّسة وطهر ابن مريم، فتغدو الحكاية صمودا في وجه العواصف الّتي يبثّها الغرباء خلف حواجزهم.
أبطالها تمثّلات لنفس إنسانيّة تسمو بآلامها؛ فالحبّ فيها غاية وجرح مقدّس، يمنح الوجود معناه دون ارتهان لنهايات تقليديّة، هي صرخة حقّ وبناء لغويّ يجمع بين نور التّراب وعبق الأرض.
أمّا اتّخاذ "الكراكي" عنوانا لهذا النّصّ، فينمّ عن بصيرة نافذة؛ فهذا الطّائر المهاجر برحلته السّرمديّة بين الصّقيع والدّفء، يجسّد حال الفلسطينيّ المهجّر الّذي يحمل وطنه في قلبه أينما ارتحل، وهو استعارة سيميائيّة موحيّة؛ فهذه الطّيور تملك غريزة العودة إلى ديارها؛ وكأنّها تعلن ارتباطها الأزليّ بالمكان. وعلى ضفاف بحيّرة طبريّا، حيث تحطّ لتتعمّد بطهر الأرض، تتردّد أصداء حنين الكاتب الّذي ظلّ يسكنه الوطن نصّا وروحا، واهبا لغته القدرة على استشفاف تفاصيل لم ترها عيناه، صائغا من شتات النّفيّ والغربة وطنا من الورق، يحرسه الوفاء ويسكنه اليقين.
تنبني هذه الرّواية على لَبِنات سرديّة تنتظم كحبّات العقد، لكلّ منها كيّنونتها المستقلّة، بيد أنّها تندمج في سياق كلّيّ يعكس تمكّن الكاتب. هي رواية تسمو بالخيال إلى أبعد الآفاق، وتبقي الجذور ضاربة في ثرى الحقيقة المرّة، وهي أيضا مرثيّة للحبّ والضّياع؛ فالحكايات الّتي سطّرتها تلتفّ بوشاح الحزن، وتفضي نهاياتها إلى فواجع تقرع شغاف القلب.
نجد في فضائها كينونة بنائيّة تُوَظَّف فيها تقنيات الرَّويِّ المعاصر في تجريبها واستنطاقها للتّاريخ؛ كأداة لإدراك أغوار الذّاكرة، وممرّات عبوريّة نحو رموز مشحونة بالدّلالات؛ يتحوّل فيها الصّندوق والمخطوط العتيق والجدّ إلى بنىً خلّاقة، لتكون مراجع نفسيّة للوجود في مواجهة الغياب، فتبرز الذّاكرة الجمعيّة بوصفها طاقة دافقة، موثَّقة في سجلّات يتوارثها الأحفاد عن الأجداد، في مشهد يجعل من اللّعبة السّرديّة خيارا مقصودا لتدوين التّاريخ.
كما تبرز الهويّة وتتجسّد في الإشارات الغائرة في جغرافيا المكان وأصوات الرّواة وسيرة الجدّ، ممّا يكرّس التّلازم بين الرّؤيا والواقع، ويجعل من هذا التّلاحم ميثاقا اتّخذه الرّوائيّ ركيزة لتوثيق شهادته، ويأتي استحضار المكان هنا كشهادة حيّة، فتصبح المرويّات ركيزة تمثّل جوهر البطولة في الصّراع بين البقاء والتّغييب، تسطّر الألم ليكون صنوَا لمعاناة شعبنا، وتصويرا لملحمة تضحيته.
أمّا اختيار الرّوائيّ للبيئة المسيحيّة والعالم الكنائسيّ؛ فيطرح أسئلة حول التّقاطع بين سيرة العذاب الفلسطينيّ والآلام الكبرى؛ فالهويّة الفلسطينيّة بوتقة تصهر الآلام المشتركة وتعيد صياغتها من ألم محلّيّ إلى مقام الفداء الإنسانيّ الشّامل، متجاوزة حدود الطّائفة والمعتقد ومستقرّة في روح القضية. لقد جعل الكاتب من الشّخوص المسيحيّة رموزا للالتصاق الأبديّ بتراب الوطن، حيث تتعانق ترانيم الصّمود مع أنين الأرض، مؤكّدة أنّ المسمار الّذي أدمى كفّ المسيح هو ذاته الّذي يغرسه المنفى في خاصرة اللّاجئ.
بهذا التّلاحم، يجتمع الفلسطينيون على اختلاف عقائدهم، في بوتقة الوجع الواحد؛ فلا فرق بين من يحمل مفتاح العودة في جيبه أو من ينقش الصّليب على معصمه، فكلاهما يقرأ في كتاب الأرض ذاته، ويواجه الرّيح بالصّدر عاريا.
إنّ الرّواية بهذا الطّرح، تعلي من شأن المواطنة الرّوحيّة الّتي تجعل من الوطن قبلة للقلوب؛ فالمعاناة ليست حكرا على طائفة معيّنة، بل هي قدر جمعي يحيل أصوات المآذن وأجراس الكنائس إلى إيقاع واحد.
وأثناء التّشكيل السّرديّ يستخدم الكاتب السّيمياء والرّموز المكثّفة، يستنطق بالتّحفيز اللّفظيّ دلالات نفسيّة تثري النّصّ، ممّا يعكس حالة التّشتت الذّهنيّ الّذي يعيشه الإنسان المأزوم. أمّا توظيف الاستدراك والهامش فيعد مناورة ذكيّة لجذب القارئ، ومنح الكاتب حضورا فاعلا في نسيج العمل، بحيث يُقوِّم ويضيف إلى فضائه الرّوائيّ أفقا مفتوحا، يحاكي في ذلك السّيرة الفلسطينيّة ذاتها في امتدادها وعنفوانها.
في ختامها، تشرق رواية "الكراكي" ميثاقا وجدانيّا يربط الكلمة بالثّرى؛ فما الهجرة في ثناياها إلّا استراحة محارب، وما الفجيعة الّتي عصفت بأبطالها إلّا ضريبة القداسة الّتي ما زالت تدفع.
من وحي هذا النّشيد الخالد للأرض، نلج إلى عوالم أخرى حيث تتجلّى رواية "مدينة الله"، يمتزج فيها السّرد بالتّصوير وتتآلف في جنباتها مشاعر إنسانيّة صيغت بعنفوان الوَجع، تتزاحم فيها الأحاسيس أمام تعدّد المسارات الرّوائيّة واكتظاظ الشّخوص في دوّامة من الألم، الّذي لا تكاد تنفلت منه حتّى تعود إليه من جديد.
هي مزيج من الأحلام والإشارات والذّكريات والنّداءات المتوالية الّتي تخلق حالة من الازدحام الهادئ، والضّجيج الصّامت الّذي يبسط هيّمنته على كلّ التّفاصيل. وبِنَفَسٍ أدبيّ يستلهم نسق الرّسائل، وبناء نصّيّ يتّسم بالانسجام، جُعِل المكان بطلا مطلقا، بتاريخه وحاضره.
لقد أطلق الكاتب العنان لخياله، فنثر مشاهد حيّة شكّلت ملحمة أدبيّة حضرت فيها مدينة القدس كقبلة للرّوح، تتعانق فيها قداسة السّماء مع أنين الحدث، وتذوب عند عتباتها حدود الزّمان؛ لتبقى عروس التّاريخ وسيّدة الأرض.
يمضي بنا الرّاوي نحو عالم يتماهى فيه اليقين بالخيال، حيث تنطق البيوت بأسرارها وتفيض الدّروب بحكايا الغائبين والحاضرين، وهناك.. تتعانق أنفاس البخور والنّعناع مع عبق الرّيحان والعنبر، لتؤلّف أغنية تتصاعد من عراقة أسوار القدس وأزقّتها العتيقة.
نال هذا العمل قسطا وافرا من القراءات النّقديّة الّتي انبرت تستجلي كنه تلك المقدرة الإبداعيّة، الّتي خوّلت الرّوائيّ رسم ملامح جغرافيّة لم تطأها قدماه ولم ترها عيناه، بل استنطق تضاريسها عبر مشاهداته وقراءاته ومرويّات الشّتات، وما سمعه أو أبصره عبر شاشة التّلفاز؛ ليضعنا أمام نصّ يقتفي فيه أثر الواقع، ويحتمي بذاكرة "زمكانية" تمور بالتّناقضات، مشتبكا بالأرض الّتي تَشَرَّب حبّها غيّبا، فجاء سرده صدى لمكان لم يزره، وبيئة لم يختبر تفاصيلها.
لقد ألقى هذا البعد بظلاله على نسيج العمل، حيث غزل الخيال رداءً سابغا من الصّور الّتي احتضنت النّصّ، وكأنّ المسافة الفاصلة بين الكاتب ووطنه الأمّ قد استًحضِرت بكثافة شعوريّة غيبيّة، جعلت من التّخييل والشّطح الفنّيّ أداة لرأب صدع الغياب، إذ لم تكن تلك المشاهد والقصص المستقاة من الذّاكرة الجمعيّة قيّدا كبّل حواسّه، بل غدت -برأينا- ميّزة إبداعيّة، أثبتت أنّ للمبدع سطوة على ابتكار العوالم النّصيّة وصياغة الأحداث، وهو ما أحكمه الكاتب من خلال حبكة متماسكة لم تترك ثغرة للتّشتّت، فأثبت أنّ الرّواية هي جسر ضوئيّ، تمدّه الرّوح حين يعجز الجسد عن العبور، لتستحيل غربته إبداعا، جاعلا من جراح المنسيّين وحكايات العابرين في الظّلّ وثائق للخلود، مقدّما نموذجا لأدب المستضعفين الّذي يبعث الضّوء من شقوق الانكسار، كنبضة تستوطن أوردة الحروف؛ لتعيد الاعتبار لمن سقطت أسماؤهم من ذاكرة الزّمن.
في رواية "الجرجماني"، ينهض د. حميد على بنية نصيّة قوامها شخصيّة محوريّة متفرّدة، تخطّ رسائل أحاديّة الوجهة. هذه الرّسائل تكتنز بالأحداث والشّخوص، وتتواتر فيها الوقائع بيسر وإحكام. وتحاشيا للانحباس في فضاء البطل الواحد، استدعى الكاتب شخوصا ثانويّة حضرت في ثنايا مكاتيبه، فمنحت العمل شمولا ودفعت به نحو آفاق نمو متصاعدة، متجلّية في لغة أنيقة.
بطل الرّواية كائن مضطرب، مسكون بجنون العظمة والفصام، نشأ يتيما في كنف عمّه وزوجته اللّذين لم يبخلا عليه بفيض عطائهما، إلّا أنّ مرارة الطّفولة والمراهقة جعلتا من ذاكرته الانفعاليّة لا تلتقط إلّا ندوب الحرمان واليتم، فأنبتت في وجدانه نزعة عدوانيّة. ومع تقلّده زمام السّلطة وتربّعه على عرش القوّة في بلاده، استحال ذكاؤه نصلا للبطش، ونضبت من قلبه الرّحمة؛ فأحاط كيانه بحكم ديكتاتوريّ مطلق، وكمّم أفواه شعبه، منقلبا على من أحبّهم وأحبّوه.
في ظلّ مشاعره المضطربة، سعى لردم الفراغ الموحش في أعماقه، لينتهي به المطاف مستبيحا دماء نسائه وعشيقاته وعمّه وزوجته وأبنائهما، متذرّعا بخشية الفضيحة، فهم شهود عيان على ضعف ماضيه الغابر، معتقدا أنّه معذور في دفع الأذى عن كبريائه!
وفي محاكاة أدبيّة لأسطورة "جلجامش وأنكيدو"، يعيد الكاتب صياغة تلك الثّنائيّة عبر علاقة البطل بصديقه المتخيّل، فكما غرق "جلجامش" قديما في عزلته وبطشه، عاش الجرجماني وحيدا مفزوعا، فابتكر في مخيّلته شخصيّة الصّديق الّذي يكاتبه ويعترف له بما تقترف يداه، وفي لحظات الانكسار المرّة، كان يستبدّ به شعور طاغ بالفراغ والوحشة، ليهجر عالم الأحياء إلى سكينة المقابر، يناجي الموتى ويبثّ أوجاعه بين القبور، باحثا عن أنيس في رحاب الفناء.
معروفٌ أنّ الشّخصيّة السّايكوباتيّة والنّرجسيّة، تتّسم بانفصال وجدانيّ حادّ، حيث تتوارى خلف قناع من الكياسة والذّكاء، بينما تضمر تبلّدا في المشاعر وعجزا عن التّعاطف، فهي شخصيّة تقتات على التّلاعب بمشاعر الآخرين، تسعى لإشباع رغباتها ومصالحها، متسلّحة بقدرة فائقة على تزييف الحقائق؛ للوصول إلى الاستحواذ والسّيطرة على الآخرين.
في هذا المنجز الرّوائّي، يُفَصِّل أديبنا أغوار النّفس البشريّة، مستنطقا خفاياها عبر طرح يتّسم بالعمق والكثافة، إذ يبثّ بين ثنايا النّصّ إيحاءات تفكّك أسرار واقعنا في أبعاده الاجتماعيّة والسّياسية.
هي رواية تتغلغل في دهاليز الذّات لتكشف عن عوالمها المظلمة، مكرّسة بذلك حضورها كأثر أدبيّ ينتمي إلى أدب الرّواية النّفسيّة، فهي تشرح تشظّي الأنا وضياع البوصلة الأخلاقيّة. وهنا، يصبح التّحليل النّفسيّ أداة للنّقد الوجوديّ، ويمتزج صراع الدّاخل بانهيار الخارج.
وبعد، تتبدّى لنا أعمال الأديب حسن حميد كمشروع حضاريّ وإنسانيّ، تؤكّد أنّ الإبداع الحقيقيّ هو ذاك النّبع السّرمديّ، الّذي كلّما استقيَ منه تفجّر بالرّؤى والدّهشة، يغزل خيوطا متينة تصل بين أنين الأرض المكلومة وترانيم الذّات في أبعادها الوجدانيّة. وهو في نتاجه يطوف بنا في رحاب القداسة، مستنطقا جلال الرّوح، سابرا أغوار النّفوس المثقلة بأزماتها الوجوديّة، كاشفا عن تلك المسافة الفاصلة بين النّور والظّلمة، مانحا الصّمت صوتا، ومحوّلا وجع شعبنا إلى ملحمة إنسانيّة كبرى تخاطب الوجدان.



#صباح_بشير (هاشتاغ)       Sabah_Basheer#          


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- صباح بشير: -كأنّي لم أذهب بعيدا-.. محمود درويش ورفاق الكلمة ...
- -قبل أن يستيقظ البحر-.. مرثية الحبّ في زمن الرّماد والمنفى
- عالم الإبداع بعيون ناجي ظاهر.. حوار بين الأصالة وتحدّيات الع ...
- نظرة في كتاب -هامش أخير-.. تأمّلات الأديب محمود شقير
- -وداع على رمال تشرين-
- أن تكون رفيقا للكتاب
- رواية -عين الزّيتون- للأديب محمّد علي طه. وثيقة صمود في سجلّ ...
- -في بعض تجلِّيات السِّيرة الفِلَسطينيَّة- للأديب محمود شقير. ...
- صدور كتاب “نفحات من النّقد” للأديبة والنّاقدة صباح بشير
- فيصل درّاج وذاكرة لا تمحى.. قراءة في كتاب “كأن تكون فلسطينيّ ...
- سمو الرّوح..رحلة إلى أفق النّقاء
- -أغنية المجنون- لعادل خزام، رحلة الوعي بين قسوة الواقع ونداء ...
- آباء على ثرى الوجع
- صباحات القدس.. قصيدة فجر وأسرار روح..
- وشائج الرّوح واللّغة.. سرّ الأدب
- رواية -أولاد جلوة- للرّوائيّ قاسم توفيق، جذور ورمال، وحكاية ...
- الفكر النّسويّ عند ماجد الغرباوي، قراءة في كتاب جديد
- يوم المرأة العالميّ، احتفال بالحقوق أم ترسيخ للصّور النّمطيّ ...
- -صيّاد.. سمكة وصنّارة-، كتاب يغوص في ذاكرة البحر
- قصيدة -مطر على خدّ الطّين-.. بحث عن الذّات في محراب الحبّ وا ...


المزيد.....




- المثقفون في الثقب الأسود بسبب فضيحة إبستين
- -هل يمكن ترجمة هذا الحب؟-.. نجاح مدوٍ وانقسام حاد في ردود ال ...
- يا فالنتاين ؛ غادرْ من غير مطرود
- انعقاد الاجتماع السادس عشر للجنة الفنية للملكية الفكرية
- بين -الدب- و-السعفة-: كيف أعادت مهرجانات الأفلام صياغة ضمير ...
- التجمُّع الدولي لاتحادات الكتّاب يكرّم الشاعر مراد السوداني ...
- سوريا.. فيديو خادمة هدى شعراوي تعيد تمثيل كيف قتلت الفنانة ع ...
- فيديو.. قاتلة الفنانة هدى شعراوي تمثل الجريمة
- سطو -سينمائي- على محل مجوهرات تركي باستخدام رافعة وحمار
- الجمعية العلمية للفنون تفتح باب التسجيل على ورشة سينمائية في ...


المزيد.....

- جدلية المنجل والسنبلة: مقولات وشذرات / حسين جداونه
- نزيف أُسَري / عبد الباقي يوسف
- مرايا المعاني / د. خالد زغريت
- مسرحية : النفساني / معتز نادر
- تشريح الذات: كانَ شتاءَ الشحّ / دلور ميقري
- ذاكرة لا تصافح أحداً. حكايات وذكريات الكاتب السيد حافظ الجزء ... / ياسر جابر الجمَّال
- دراسة تفكيك العوالم الدرامية في ثلاثية نواف يونس / السيد حافظ
- مراجعات (الحياة الساكنة المحتضرة في أعمال لورانس داريل: تساؤ ... / عبدالرؤوف بطيخ
- ليلة الخميس. مسرحية. السيد حافظ / السيد حافظ
- زعموا أن / كمال التاغوتي


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - صباح بشير - مرايا الإبداع في أدب حسن حميد