أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - قضايا ثقافية - صباح بشير - الثّقافة كدرع وجدانيّ في ليل التّغريب















المزيد.....

الثّقافة كدرع وجدانيّ في ليل التّغريب


صباح بشير
أديبة وناقدة

(Sabah Basheer)


الحوار المتمدن-العدد: 8623 - 2026 / 2 / 19 - 18:11
المحور: قضايا ثقافية
    


صباح بشير:

بينما يموج العالم اليوم في لجّة التّحولات، يجد المثقّف العربيّ نفسه أمام سؤالٍ وجوديّ: هل آن الأوان لتحويل الثّقافة من ترفٍ نخبويّ إلى قوّة فاعلة؟ لتكون الدّرع الواقي للهويّة، ومنطلقا نعيد عبره رسم ملامح حضورنا على الخارطة العالميّة.
تتجلّى الثّقافة في أبهى صورها حين تكفّ عن كونها رصيدا معرفيّا متراكما في بطون الكتب، لتستحيل إلى كائن حيّ، يمشي بين النّاس، يملك لغة الجذب وسلطان التّأثير.
إنّ الرّؤية العصريّة للثّقافة كقوّة ناعمة تُخرِجها من أطرها الضيّقة؛ لتجعل منها روح الأمّة القادرة على العبور إلى الآخر دون استئذان؛ فهي أسمى من أن تكون أداةً للقسر أو الإكراه، بل هي تلك الجاذبيّة الخفيّة الّتي تستقطب أنظار العالم إلينا بعين الإعجاب والتّقدير، محوّلةً الخصوصيّة الحضاريّة إلى لغة عالميّة يفهمها الجميع ويحترمها.
في خضمّ هذا الجنون الّذي يكتسح العالم، حيث تتداخل القيَم وتتميّع الهويّات، لا يمكن إغفال دور المثقّف أو إعفاؤه من تبعات الأمانة، فالمثقّف هو حارس المنارة في ليل التّغريب الحالك؛ ومسؤوليّته تتجاوز النّقد والتّنظير إلى صياغة درع وجدانيّ للأجيال الصّاعدة.
هذه المسؤوليّة الأخلاقيّة، تقتضي منه تحصين الذّاكرة الجمعية من التّآكل، وغرس بذور الثّقة في نفوس الشّباب بأنّ أصالتهم ليست عبئا تاريخيّا، بل هي المنطلق نحو الحداثة الحقيقيّة، وهي عمليّة تلقيح فكريّ ضدّ الأوبئة الّتي تسلب الإنسان روحه، وتتركه رقما في معادلة الاستهلاك العالميّ.
إذا ما استشرفنا آفاق النّجاح، نجد أنّ تجربتَي اليابان والصّين، تقفان شواهد حيّة على إمكانيّة "أنسنة الصّناعة" وتقطير الثّقافة في قوالب مادّيّة، إذ لم يكن النّجاح الآسيويّ طفرة تقنيّة، بل كان انتصارا للهويّة؛ حيث استطاعوا بذكاء أن يبعثوا فلسفاتهم القديمة في أدقّ تفاصيل منتجاتهم، من أسماء الماركات إلى انحناءات التّصاميم وغيرها.
لقد غدت تلك المنتجات "رسائل ثقافيّة" تجوب الأرض، تخبرنا أنّ التّقدّم لا يقتضي بالضّرورة خلع العباءة الحضاريّة، بل يتطلّب تطريزها بخيوط العصر. هذا المزيج بين الأصالة الجوهريّة والحداثة الأدائيّة، هو المخرج الوحيد من مأزق الاستلاب، كما أنّ استلهام هذه التّجارب، يفرض علينا إعادة قراءة موروثنا الجماليّ والتّاريخيّ باعتباره هويّة بصريّة وقيَميّة، يمكن أن تمنح منتجنا الفكريّ والصّناعي شخصيّة فريدة وسط زحام التّشابه العالميّ.
هكذا تتحوّل الثّقافة من وصف للمرض إلى علاج فعّال، ومن انفعال بالواقع إلى فعل فيه؛ لتكون هي القوّة النّاعمة الّتي تحمي المستقبل، وتصون الكرامة الإنسانيّة في زمن تذوب فيه الثّوابت.
إنَّ المتأمّل في مآلاتِ العصر الرّاهن، يدرك أنّ المواجهات العسكريّة والاقتصاديّة، على أهمّيّتها، لم تعد هي الميدان الوحيد لحسمِ بقاء الأمم، فقد انتقلت المعارك إلى وعي الشّعوب، حيث تخاض الحروب بكلماتٍ منمّقة، وصور سينمائيّة، ومنصّاتٍ رقميّة عابرة للقارّات. وهنا، تبرز الثّقافة باعتبارها مخزونا من التّراث السّاكن، وطاقة حركيّة قادرة على الجذب والتّأثير، وفرض الاحترام الكونيّ.
الهويّة في مهبّ الرّيح:
يعيش المجتمع العربيّ حالة من التّجاذب الحادّ بين التمسّك بالماضي والذّوبان في الآخر. هذا التّمزّق، أفسح المجال أمام أخطار تهدّد أصالتنا؛ فالاستهلاك الثّقافيّ المستورد، يغرس قيَما قد لا تتوافق مع نسيجنا الأخلاقيّ، ويَضعِف من مناعة الأجيال الصّاعدة تجاه محاولات التّسطيح والتّجهيل.
إنّ القوّة النّاعمة بمفهومها المعاصر، تعني القدرة على الحصول على ما تريد عبر الجاذبيّة، بدلا من الإكراه، وإذا لم نتحوّل من مستهلكين للثّقافة العالميّة إلى منتجين لها، سنبقى أصداء في قاعة مرايا كبرى، نفقد تدريجيّا ملامحنا الأصيلة لصالح صورٍ مشوهة تُصَدَّر إلينا. كما أنّ تحويل الثّقافة إلى قوّة، يتطلّب تغييرا جذريّا في فلسفة التّعامل معها، إذ لا يمكن للثّقافة أن تكون قوّة مؤثّرة وهي حبيسة الرّفوف في المكتبات، أو المهرجانات الموسميّة الباردة والنّدوات الأدبيّة فقط، فهي تقتضي عصرنة التّراث، ولا يعني الحفاظ على الأصالة الانكفاء على الماضي، بل استنطاق كنوزه بلغةٍ يفهمها العصر، تحوّل حكاياتنا وفلسفتنا وقيمنا الجماليّة إلى محتوى إبداعيّ ينافس بجودته وتفرّده.
تبدأ القوّة بالاعتراف بالذّات أولا، ثمَّ بمدّ اليد للآخر، والمثقّف العربيّ الواعي هو من يقدّم هويّته كنموذج إنسانيّ منفتح، لا ككتلة صلبة معزولة.
يجب أن تُعاملَ الثّقافة كقطاعٍ حيويّ يرفد المجتمع بالهيّبة والمكانة، فصورة الأمّة في ذهن العالم هي القيمة المضافة الّتي تفتح لها الأبواب.
بذلك، فعصرنة التّراث تمثّل عمليّة بعث حضاريّ متكاملة، تستنطق كنوزه الكامنة في أعماق التّاريخ، تقدّمها بلغةٍ نابضة تتنفّس برئة العصر، وبصياغة جديدة للعبقريّة الكلاسيكيّة وفي قوالب إبداعيّة معاصرة، تضمن انتقال التّراث من حيّز المادّة المكدّسة في المتاحف، إلى فضاء الطّاقة الحركيّة الّتي تسكن تفاصيل وجداننا المعاصر.
تقتضي هذه الرّؤية تحويل حكاياتنا الّتي صقلتها الأزمان، وفلسفتنا الّتي قاربت حدود السّماء، وقيمنا الجماليّة الضّاربة في القدم، إلى محتوى إبداعيّ فائق؛ حيث تتآلف بلاغة الكلمة العربيّة مع سحر الفنون الرقميّة، وتتعانق الرّموز التّاريخيّة مع أحدث تقنيات العرض البصريّ. ونحن كشعوب عربيّة، نتطلّع مثلا، إلى سينما تستلهم الملحمة العربيّة برؤية عالميّة، وإلى فنون بصريّة توظف "الأرابيسك" والخطّ العربيّ في فضاءات التّجريد الرّقميّ، وإلى أدبٍ يعيد طرح الأسئلة الوجوديّة الكبرى بروح الحاضر وأدواته، فالهدف الأسمى من هذا التّحوّل هو خلق كينونة إبداعيّة ثنائيّة الأبعاد، أصيلة في جوهرها وانتمائها وعالميّة في جودتها، تملك من القوّة والجاذبيّة ما يؤهّلها للمنافسة في المحافل الثّقافيّة الكونيّة، وفرض احترامها كفعل إبداعيّ، يملك القدرة على إدهاش الآخر وإغناء التّجربة الإنسانيّة المشتركة.
بهذا المعنى، تصبح عصرنة التّراث هي الجسر الّذي نعبر فوقه من حالة الرّكود، إلى رحاب الثّقة الحضاريّة، الّتي تفتح لنا أبواب المستقبل بمداد الأصالة.
إنّ الوقت لم يحن فحسب، بل إنّ القطار يكاد يفوتنا، ومواجهة أخطار العصر لا تكون بإغلاق النّوافذ، بل ببناء بيتٍ متين القواعد، جميل العمارة، يجبر كلّ من يمرّ به على الوقوف إجلالا وتأمّلا، فتحويل الثّقافة إلى قوّة ناعمة، هو السّبيل الوحيد لاستعادة المركزيّة الأخلاقيّة والجماليّة للإنسان العربيّ، وذلك بالانتقال من حالة الدّفاع السّلبيّ عن الهويّة إلى الهجوم الإبداعيّ، الّذي يفرض وجودنا؛ كشريكٍ أصيل في صياغة مستقبل البشريّة.
ختاما، إنّ الهويّة الّتي لا تنمو، تذبل، والثّقافة الّتي لا تؤثّر، تندثر، بعد أن أصبحت الثّقافة اليوم هي الخبز اليوميّ للكرامة، والميدان الأرقى لإثبات الوجود.



#صباح_بشير (هاشتاغ)       Sabah_Basheer#          


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- مرايا الإبداع في أدب حسن حميد
- صباح بشير: -كأنّي لم أذهب بعيدا-.. محمود درويش ورفاق الكلمة ...
- -قبل أن يستيقظ البحر-.. مرثية الحبّ في زمن الرّماد والمنفى
- عالم الإبداع بعيون ناجي ظاهر.. حوار بين الأصالة وتحدّيات الع ...
- نظرة في كتاب -هامش أخير-.. تأمّلات الأديب محمود شقير
- -وداع على رمال تشرين-
- أن تكون رفيقا للكتاب
- رواية -عين الزّيتون- للأديب محمّد علي طه. وثيقة صمود في سجلّ ...
- -في بعض تجلِّيات السِّيرة الفِلَسطينيَّة- للأديب محمود شقير. ...
- صدور كتاب “نفحات من النّقد” للأديبة والنّاقدة صباح بشير
- فيصل درّاج وذاكرة لا تمحى.. قراءة في كتاب “كأن تكون فلسطينيّ ...
- سمو الرّوح..رحلة إلى أفق النّقاء
- -أغنية المجنون- لعادل خزام، رحلة الوعي بين قسوة الواقع ونداء ...
- آباء على ثرى الوجع
- صباحات القدس.. قصيدة فجر وأسرار روح..
- وشائج الرّوح واللّغة.. سرّ الأدب
- رواية -أولاد جلوة- للرّوائيّ قاسم توفيق، جذور ورمال، وحكاية ...
- الفكر النّسويّ عند ماجد الغرباوي، قراءة في كتاب جديد
- يوم المرأة العالميّ، احتفال بالحقوق أم ترسيخ للصّور النّمطيّ ...
- -صيّاد.. سمكة وصنّارة-، كتاب يغوص في ذاكرة البحر


المزيد.....




- ترامب يستعرض دوره في وصول قادة أجانب إلى السلطة: -أؤيد من يع ...
- أندرو هو أول فرد كبير من العائلة المالكة البريطانية يُعتقل م ...
- تجربة علمية غير مسبوقة: غضروف بشري من التفاح
- التوتر يبلغ ذروته.. ستة مؤشرات تضع واشنطن وطهران على حافة مو ...
- غضب في العراق بسبب فيديو يظهر -الجواهري- في خدمة رئيس الوزرا ...
- أخبار اليوم: ترامب: على إيران أن تبرم صفقة وإلا ستحدث أمور س ...
- السجن مدى الحياة لرئيس كوريا الجنوبية السابق على خلفية فرضه ...
- الصيام المتقطع.. فرق بين الزخم الإعلامي والدليل العلمي
- قطاع غزة: أي أولويات لـ -مجلس السلام-؟
- ما مصير الأكراد في ظل التحوّلات الإقليمية مع هواجس الأمن وال ...


المزيد.....

- قواعد الأمة ووسائل الهمة / أحمد حيدر
- علم العلم- الفصل الرابع نظرية المعرفة / منذر خدام
- قصة الإنسان العراقي.. محاولة لفهم الشخصية العراقية في ضوء مف ... / محمد اسماعيل السراي
- الثقافة العربية الصفراء / د. خالد زغريت
- الأنساق الثقافية للأسطورة في القصة النسوية / د. خالد زغريت
- الثقافة العربية الصفراء / د. خالد زغريت
- الفاكهة الرجيمة في شعر أدونيس / د. خالد زغريت
- المفاعلة الجزمية لتحرير العقل العربي المعاق / اسم المبادرتين ... / أمين أحمد ثابت
- في مدى نظريات علم الجمال دراسات تطبيقية في الأدب العربي / د. خالد زغريت
- الحفر على أمواج العاصي / د. خالد زغريت


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - قضايا ثقافية - صباح بشير - الثّقافة كدرع وجدانيّ في ليل التّغريب