أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الحركة العمالية والنقابية - سيد صديق - قراءة في كتاب “صعود وأفول الحركة العمالية المصرية”















المزيد.....



قراءة في كتاب “صعود وأفول الحركة العمالية المصرية”


سيد صديق

الحوار المتمدن-العدد: 8749 - 2026 / 6 / 27 - 09:16
المحور: الحركة العمالية والنقابية
    




شهدت السنوات العشر، بين 2006 و2016، انطلاقًا غير مسبوق للحركة العمالية في مصر، سواء من حيث اتساع نطاق حركة الاحتجاج من الإضراب والاعتصام، أو من حيث تنامي مظلة التنظيم النقابي المستقل ومحاولة تعديل القوانين المقيدة للحرية النقابية والعمالية. وارتبطت هذه الانطلاقة، بل اقترنت، بالمراحل التي تعاقبت على الثورة المصرية: من الحشد إليها وتعبئة الزخم التمهيدي لها، إلى انفجارها وصعودها، حيث أحرزت الحركة العمالية بعض المكتسبات المهمة، ثم خفوتها في النهاية حتى أفولها التام مع إحكام القبضة الأمنية، حين تراجعت الإضرابات وفقدت الحركة النقابية المستقلة معظم المساحات التي انتزعتها من الدولة ورأس المال الخاص.

كانت تلك دورة من التعبئة والفض، أنتجت تنوعًا ثريًا من الفعل العمالي الجماعي، وخلقت أنماطًا متعددة من التفاعل بين مكونات الحركة العمالية، والتبادل مع محيطها، والصراع مع خصومها. وأفرزت كذلك أشكالًا نضالية مبتكرة. مثلت هذه الدورة في مجملها فصلًا محوريًا لا في تاريخ الطبقة العاملة المصرية فحسب، بل أيضًا في تاريخ مصر السياسي والاجتماعي ككل، وربما حتى في تاريخ الشرق الأوسط وشمال إفريقيا في تلك السنوات العشر، مما وجه الكثير من الأنظار الفاحصة إليها. لكن، رغم تركيز أغلب التحليلات والدراسات الخاصة بالحركة العمالية على علاقتها بالدولة، قبل الثورة وفي أثنائها وبعدها، ظلت هناك جوانب عدة لم تُدرس بالشكل الوافي، أو تعرضت عمدًا للتجاهل رغم أهميتها.

يحاول كتاب “صعود وأفول الحركة العمالية المصرية“، الصادر عام 2017 عن “دار المزايا للإنتاج الثقافي”، الخوض في هذه الجوانب من خلال التعاطي مع عدد من التساؤلات المركزية: كيف انتهت الحركة العمالية التي زلزلت مصر طوال سنوات إلى ما هي عليه الآن من ركود شبه تام؟ ولماذا عجزت محاولات التنظيم النقابي المستقل ووتيرة الاحتجاجات غير المسبوقة عن الدفع باتجاه نظام أكثر ديمقراطية وأكثر تلبية لمطالب العمال؟ وما التحديات والدروس المستفادة من المراحل المختلفة للسنوات العشر؟

وسعيًا للإجابة، يعمد الكتاب في جزئه الأول إلى النظر بعين البحث والتوثيق في التطور الداخلي للحركة العمالية وقطاعاتها وآلياتها وأدواتها، حتى غير التقليدية منها، مثل تجارب الإدارة الذاتية وخبرات التقاضي الاستراتيجي. ثم يتجه الجزء الثاني إلى دراسة المحيط الخارجي المتشابك مع الحركة العمالية، حيث مجريات الثورة وأجهزة الدولة والقوى السياسية ومنظمات المجتمع المدني، والتفاعلات والتأثيرات من الحركة العمالية وعليها. وأخيرًا، يأتي الجزء الثالث ليتناول الغائبين عن مشهد الحراك العمالي، إذ يفحص أحوال العمالة غير الرسمية والمؤقتة، ويدرس مسألة العمالة الزراعية التي ما تزال تمثل ثلث القوة العاملة في مصر، وتمتد لتشمل أنشطة مثل الصيد والخدمات الزراعية.

يتكون الكتاب من عشرة فصول، ويستند إلى فريق مكون من تسعة باحثين أساسيين، فيهم اثنان من المحررين، عملوا جميعًا على كتابة الفصول ومشاركتها ومناقشتها سنويًا من خلال اجتماعات ضمنت تواصلًا وتفاعلًا مباشرين بين هؤلاء الباحثين. وخلال تناول الموضوعات الثرية لفصول الكتاب، اعتمد الباحثون على قدر هائل من الشهادات الشفهية والمقابلات المباشرة مع عمال وقيادات نقابية ونشطاء مهتمين بالحركة العمالية، بغرض تحري أقصى درجات الدقة في الرصد والتوثيق، والوصول إلى أوضح صورة ممكنة يمكن من خلالها استقاء إجابات عن التساؤلات المذكورة.

بعد ركود طويل في الحركة العمالية على مدار عقد التسعينيات، تخللته فقط استثناءات محدودة مثل إضراب كفر الدوار في 1994، عادت الطبقة العاملة في موجة احتجاجات بدءًا من عام 2004، كانت هي الأكبر والأطول مدى منذ الحرب العالمية الثانية. وكان ركود التسعينيات، إذن، بشكل ما بمثابة خطوة إلى الوراء استعدادًا للوثوب إلى الأمام. فقد ظلت قطاعات عمالية واسعة، بالأخص في الشركات والمصانع المملوكة للدولة، تترقب النتائج والوعود الوردية التي أطلقها النظام وأبواقه الإعلامية تبشيرًا ببرامج الخصخصة على مدار التسعينيات وسنوات الألفية.

انكشف زيف هذه الوعود تحت وطأة الآثار المدمرة للخصخصة، في الإطار الأوسع للسياسات النيوليبرالية، حيث تسريح آلاف العمال تحت غطاء المعاش المبكر، وفتح الباب على مصراعيه لانتهاك حقوقهم، وتصفية قلاع صناعية كانت في السابق بؤرًا لتمركز كثيف للعمال، علاوة على الانخفاض المتوالي للأجور. فقد انخفضت نسبة الرواتب إلى إجمالي الدخل القومي من 48.5% في أواخر الثمانينيات إلى 28.6% في 1995، لتستقر عند 20% في 2007.

لكن الأمر الذي جعل عام 2004 بالأخص نقطة مفصلية في هذا السياق هو تسارع وتيرة الإجراءات النيوليبرالية مع تولي حكومة نظيف في يوليو من العام نفسه. وفي مواجهة التبعات الكارثية، شهد ذلك العام انطلاقة عمالية ملحوظة؛ فبينما وقع نحو 1000 تحرك احتجاجي طوال الفترة من 1998 إلى 2004، كان 266 من هذه الاحتجاجات في عام 2004 وحده، بما مثل زيادة مقارنة بعام 2003، الذي شهد 86 احتجاجًا فقط. استمرت بعد ذلك الحركة العمالية في الاختمار، إلى أن جاء نجاح إضراب عمال شركة مصر للغزل والنسيج بالمحلة الكبرى في ديسمبر 2006، ليدفع بقطار الحركة العمالية إلى قفزة جديدة. إذ شهد عام 2007 زيادة في احتجاجات العمال بلغت ثلاثة أضعاف عام 2006، من 266 إلى 614 احتجاجًا، وتواصل المعدل نفسه تقريبًا في 2008 بواقع 609 احتجاجات. وشهد ذلك العام أيضًا انتفاضة المحلة في 6 و7 أبريل/نيسان، ثم صعدت الاحتجاجات مرة أخرى إلى 728 في 2009، لتنخفض بعدها في 2010 إلى 530.

كانت تلك جميعًا إرهاصات سابقة على القفزة الكبرى للحركة العمالية إبان الثورة على مبارك في 2011. بالطبع كان العمال، بصورة عامة، مكونًا جوهريًا للقاعدة الشعبية التي استجابت لدعوات إسقاط النظام وحملت الثورة على أكتافها، وإن بصفتهم مواطنين معتصمين ومتظاهرين في الشارع، وليس كتلًا عمالية في مواقع العمل التي كانت الحكومة قد أصدرت أوامرها بإغلاقها جميعًا بدءًا من 2 فبراير/شباط. لكن قرار الحكومة لم يؤت ثماره في مواقع العمل، بل سهّل على الكثير من العمال المشاركة في المظاهرات والاعتصامات. وبمجرد أن فُتحت أبوابها في 7 فبراير/شباط، شارك هؤلاء بعشرات الآلاف في احتجاجات وصلت حتى إلى هيئات وشركات استراتيجية، مثل هيئة النقل العام بالقاهرة، وهيئة السكك الحديدية، والشركات التابعة لقناة السويس، والشركة العامة للكهرباء، والشركة المصرية للاتصالات.

مثلت تلك الاحتجاجات دعمًا حاسمًا لمسيرة الثورة في مرحلتها الأولى ضد مبارك، الذي لم يصمد طويلًا أمام احتمالية شلل مفاصل الاقتصاد والبنية التحتية. وبلغت الاحتجاجات في 8 فبراير/شباط 20 احتجاجًا في 9 محافظات، لترتفع إلى 35 احتجاجًا في 14 محافظة في 10 فبراير/شباط، ثم إلى 65 احتجاجًا في 11 فبراير/شباط، اليوم الذي أُعلن فيه تنحي الديكتاتور.

انفتح المجال العام في ظل التيار الهادر آنذاك للثورة، التي كان العمال أنفسهم قوة دافعة لها، فصارت الفرصة سانحة أمام قطاعات شتى منهم لعرض مطالبهم والتحرك احتجاجيًا من أجلها. وبالفعل، انتشرت الاحتجاجات كالنار في الهشيم على مدار عام 2011، الذي بلغت فيه 1400 احتجاج، لترتفع إلى 1969 في 2012، و2239 في 2013، في ظل انفتاح سياسي نسبي وسياسة اقتصادية لم تختلف عن عقود مبارك، بالأخص في سنواته الأخيرة. ومع انحسار الثورة وانغلاق المجال العام وتشديد القبضة الأمنية ابتداءً من 2014، انخفضت الاحتجاجات العمالية إلى 1655، ثم إلى 934 في 2015، و282 في 2016.

شغل سؤال التنظيم آلاف العمال على امتداد هذه الموجة العمالية الطويلة، وقد أتاح الانفتاح السياسي في أعقاب الثورة للحركة العمالية فرصة مأسسة نفسها في شكل نقابات عمالية جديدة ومستقلة عن التنظيم النقابي الرسمي الذي لم يعبأ بمطالبها. سنعرض أولًا لما تناوله الكتاب من علاقة الدولة بالعمال في شكل النقابات الرسمية، قبل أن نفحص المحاولات الجادة نحو الاستقلال النقابي وأزماتها ودراسة شهاب باسم “النقابات العميقة” في مواجهة العمال.

منذ لحظة تأسيسه في 30 يناير/كانون الثاني 1957، يمثل الاتحاد العام لنقابات عمال مصر قلعة النظام المهيمنة فوق الحركة العمالية والحائل دون تطور هذه الحركة ودفاع العمال عن حقوقهم. يحتكر الاتحاد بحكم القانون تمثيل العمال أمام الحكومة وأصحاب الأعمال وفي المحافل الدولية، ويضطلع بدور معادٍ للتحركات العمالية، واستمر على مدار عدة عقود في دمج نقابات العمال في كنف النظام.

ترجع هذه الاستمرارية إلى العلاقة الوثيقة التي تجمع الاتحاد منذ ميلاده بالنظام. فقد نجح نظام عبد الناصر في قمع الحركة النقابية في سنواته الأولى لتطهيرها من العناصر الراديكالية، في مقابل كسب تأييد قطاعات منها وتأسيس الاتحاد شريطة إحكام قبضته عليه بصورة تامة. تشكل الاتحاد في البداية دون انتخابات، عن طريق اتفاق بين مجموعة من النقابيين المقربين إلى السلطة ووزارة القوى العاملة والأمن. وجاءت معظم القرارات بالتنسيق المباشر مع الأمن، وكيلًا عن النظام ككل. وهكذا بدأت المسيرة الطويلة التي شيد فيها الاتحاد أسوارًا عازلة بين النقابة وجماهير العمال.

وكان من أبرز ملامح اندماج الاتحاد في النظام الحاكم أن رئيس الاتحاد هو نفسه وزير القوى العاملة طوال الفترة من 1962 إلى 1986. وتنامى هذا الاندماج خلال عهد مبارك؛ فتجد على سبيل المثال أن جميع أعضاء مجلس إدارة الاتحاد، البالغ عددهم 23 عضوًا في الدورة الانتخابية 2006-2011، كانوا أعضاء في الحزب الوطني الحاكم. وكان حسين مجاور، آخر رئيس للاتحاد حتى اندلاع الثورة، رئيسًا للكتلة البرلمانية للحزب المذكور، ورئيسًا أيضًا للجنة القوى العاملة في البرلمان، واتُهم لاحقًا بضلوعه في “موقعة الجمل”، التي حُشدت فيها جحافل البلطجية لفض اعتصام الثورة بميدان التحرير في 2 فبراير/شباط 2011.

لم تقتصر سيطرة النظام على قمة هرم الاتحاد فحسب، وإنما امتدت بطبيعة الحال إلى بنية الاتحاد نفسه. وتجلى ذلك في تركيز السلطات في المستويات الأعلى مقابل تهميش المستويات الدنيا من القواعد العمالية، حتى في الاختيار المباشر لهذه المستويات الأعلى، وكذلك في شكلية الانتخابات التي أدارتها الجهات الإدارية والأمنية بالأساس، واستبعدت جميع المرشحين غير المضمون ولاؤهم للنظام، مثلما حدث في انتخابات 2006 التي شهدت استبعاد 30 ألف مرشح في مختلف مستويات العملية الانتخابية من إجمالي 33 ألف مرشح، منهم كل المرشحين من جماعة الإخوان المسلمين، و300 آخرين من التيارات اليسارية والقومية، بينما كان الباقون من غير أعضاء الحزب الحاكم.

وجراء ضمان النظام سيطرته على الاتحاد، لم يتوانَ الأخير عن الدفاع عن إجراءات النظام الاقتصادية والتهليل لها. فوافق أولًا على برنامج إعادة الهيكلة الذي دشنه القانون 203 لسنة 1991، واستهدف خصخصة أكثر من 300 مؤسسة عامة، ثم بارك قانون العمل الموحد رقم 12 لسنة 2003، الذي منح صلاحيات واسعة لأصحاب الأعمال في فصل العمال. وعلاوة على ذلك، وقف الاتحاد ضد جميع الاحتجاجات العمالية التي أشرنا إليها سابقًا، باستثناء إضرابين اثنين فقط. وأخذ انحياز الاتحاد للنظام شكلًا أكثر فجاجة حين أصدر بيانًا في يناير/كانون الثاني 2011، عقب اندلاع أحداث الثورة، طالب فيه رؤساء النقابات بالتدخل الفوري لإجهاض أي مظاهرات عمالية.

بدأ أول تحدٍ لبنية الاتحاد وبيروقراطيته وهيمنة الدولة على التنظيم النقابي في أواخر عام 2006، عقب إضراب عمال المحلة، عندما أعلن الآلاف منهم سحب الثقة من اللجنة النقابية بالشركة. وصحيح أن هذه المحاولة لم تلقَ من الاتحاد سوى التجاهل، ولم تكتمل فيما بعد بإنشاء نقابة جديدة خارج عباءة التنظيم الرسمي، إلا أنها مهدت الطريق لمحاولات أخرى كان لها نصيب من النجاح في تصفية الحسابات مع الاتحاد العام.

حتى قبل الثورة، كانت بالفعل قد تأسست 4 نقابات مستقلة، هي: نقابة موظفي الضرائب العقارية في ديسمبر/كانون الأول 2008، واتحاد أصحاب المعاشات في أبريل/نيسان 2010، ونقابة المعلمين المستقلة في يوليو/تموز 2010، ونقابة الفنيين في ديسمبر/كانون الأول 2010. وفي أعقاب الثورة، اندلعت عاصفة من النقابات المستقلة حديثة النشأة، امتدت حتى إلى عمال القطاع الخاص، وأيضًا إلى أوساط بعض العاملين غير الرسميين كالباعة الجائلين، إلى درجة أن تجاوزت مظلة النقابات المستقلة في ذروتها نطاق اتحاد العمال الرسمي بواقع 4 ملايين عامل مقابل 1.2 مليون، رغم أن أكثر من 20 مليون آخرين ظلوا محرومين من أي تنظيم نقابي.

لكن بعد كل ذلك، تمكن الاتحاد العام من الحفاظ على هيكله وتكوينه وأصوله بأقل قدر من التغيير رغم الهزات التي أصابته في الثورة، بل وتمكن أيضًا من صد محاولات المساس به، بما جعله يليق بوصف “النقابات العميقة”، وهو الوصف الذي وسمه به الباحث هيثم جيير المشارك في الكتاب، على غرار وصف الدولة العميقة التي نجت من التغيير وتحطمت عليها موجات الثورة في 2011 وما تلاها.

لكن السؤال المركزي الذي يطرحه الكتاب هنا هو: لماذا لم يترجم الحراك العمالي الضخم ومحاولات التنظيم النقابي الكثيفة إلى مكتسبات مستقرة للحركة العمالية؟ أو بعبارة أخرى، لماذا كانت النجاحات المحرزة مؤقتة وهشة؟

الحركة النقابية المستقلة: أزمات وتحديات
نشأت في أعقاب الثورة العديد من الاتحادات النقابية المستقلة التي تجمعت تحت سقفها المئات من النقابات الوليدة، غير أن أهم اتحادين كانا: الاتحاد المصري للنقابات المستقلة، الذي تأسس في أكتوبر/تشرين الأول 2011، وبحلول منتصف 2014 صار يضم 29 نقابة عامة بخلاف 305 نقابات منشأة؛ والثاني هو “مؤتمر عمال مصر الديمقراطي”، الذي تأسس في أبريل/نيسان 2013، وبحلول منتصف 2014 أصبح يحوي 130 نقابة إضافة إلى نقابتين عامتين. بيد أن هذه النقابات الواعدة اصطدمت على الفور تقريبًا بعدد من المشكلات المزمنة التي لازمتها حتى في ذروة ازدهارها.

أولى هذه المشكلات هي تكثف وجود النقابات المستقلة بين موظفي الحكومة مقارنة بمحدودية حضورها في المجال الصناعي في شركات القطاع العام، بل إن أغلب العاملين في هذا القطاع ظلوا منضوين تحت لواء الاتحاد الحكومي. يرجع ذلك إلى أن الانضمام للهيكل النقابي الرسمي يضمن التمتع بمجموعة من المميزات الاجتماعية والفوائد المادية التي يصعب التخلي عنها، من خدمات الضمان الاجتماعي إلى مكافآت نهاية الخدمة، إلى المعاشات حتى في بعض الحالات، نظرًا لاحتكار الاتحاد الرسمي لـ”الصناديق الاجتماعية” أو صناديق الزمالة.

عانت النقابات المستقلة أيضًا من ضعف وجودها في أوساط العاملين بالقطاع الخاص، الذي ضم، وفقًا لإحصاءات 2014، أكثر من 17 مليون عامل. يمكن فهم ذلك من خلال النظر إلى توازن القوى الذي لا يصب في مصلحة العاملين في هذا القطاع، إذ يُحرم هؤلاء من الحماية القانونية وحق التنظيم النقابي، ولا يملك 44% منهم عقد عمل قانونيًا. علاوة على ذلك، يعرقل وضع هؤلاء العمال قدرتهم على الضغط المنظم، فأغلبية شركات القطاع الخاص ذات عمالة منخفضة، بين عامل واحد و4 عاملين فقط، بينما لا تمثل الشركات الكبيرة نسبيًا، بين 55 و90 عاملًا، أكثر من 4% من شركات هذا القطاع.

أما ثاني المشكلات، فهي ضعف قدرة النقابات المستقلة على تمثيل أعضائها، وأيضًا عجزها عن الاستمرار لفترة طويلة. صحيح أن موجة النقابات المستقلة شهدت نقابات ذات تمثيل قوي، على غرار نقابات الضرائب العقارية والعاملين بالبريد والنقل العام والمصرية للاتصالات، إلا أن هذه القوة استندت إلى مخاض أطول نسبيًا وأصعب من الإضرابات والاعتصامات، تشكلت فيه خبرات جماعية وشبكات تضامن وروابط أقوى بين القيادات والقواعد، وهذا ما مكن مثل هذه النقابات من الصمود بعد انحسار المجال السياسي بدءًا من عام 2014. لم يتسنَ لأغلبية النقابات المستقلة التي تأسست في فترة الانفتاح السياسي القصيرة، التي امتدت إلى عامين فقط، أن تبني مثل هذه الخبرات والشبكات، مما تسبب في هشاشة بنائها التنظيمي والمؤسسي، خاصة مع موجة التضييق على القيادات النقابية بالفصل أو النقل التي صاحبت انتصار الثورة المضادة، هذا مع الوضع في الاعتبار المعوقات القانونية التي تعمدت الدولة إبقاءها.

بالإضافة إلى الافتقار إلى رفاهية الوقت، كان هناك افتقار أيضًا إلى آليات فعالة للإدارة والتنسيق الداخلي، بالأخص مع النقابات الموجودة خارج العاصمة، الأمر الذي فاقم بدوره مشكلة ضعف الموارد المالية، إذ عجزت هذه النقابات عن تحصيل اشتراكات أعضائها جراء ذلك.

المشكلة الأخيرة هي الانشغال الدائم بالإجراءات التأسيسية والرغبة المحمومة في ضم أكبر عدد من النقابات على عجل، بإيحاء من المؤسسات الدولية، على حساب توطيد الروابط الداخلية والبناء القاعدي نفسه. ساهم ذلك أيضًا في تسلل الكثير من العناصر المحسوبة على الأمن والعناصر الانتهازية التي مارست أدوارًا تخريبية وأشعلت الخلافات حول السفر وتمثيل النقابات وحضور التدريبات وغير ذلك. صار هؤلاء المنتفعون أكثرية بعد أفول الثورة، وسادت اللهجة التي تدين الأساليب النضالية كالإضراب والاعتصام، مقابل حضور مؤتمرات تدعو لوقف الاحتجاجات ومناصرة النظام وتحسين صورته.

النقابات المستقلة ومنظمات المجتمع المدني.. دعوة للمراجعة
في إطار بحث علاقة الحركة العمالية بمحيطها، يتناول الباحث محمد عادل دور منظمات المجتمع المدني في الحراك العمالي على مدار السنوات العشر، في ضوء علاقتها بالنقابات المستقلة. وخلال ذلك يقدم ما يشبه كشف حساب نقديًا لهذا الدور، الذي رغم إخلاصه في تقديم الدعم، لم تكن محصلته النهائية إيجابية، مما يدفع إلى ضرورة المراجعة.

بداية، يشير عادل إلى أن منظمات المجتمع المدني كانت بمثابة الحاضنة التنظيمية للحركة العمالية، في ظل الحصار المفروض على الأحزاب السياسية ومنع العمال من الاتصال بها. قدمت هذه المنظمات، حتى قبل الثورة بسنوات، الدعم القانوني والتدريب للعديد من القيادات العمالية على آليات العمل النقابي. تنوع الدعم القانوني بين الدفاع عن العمال المعرضين للفصل والتنكيل، ودعم المرشحين في الانتخابات النقابية، والتحرك القضائي في معارك الحد الأدنى للأجور والحفاظ على أموال التأمينات، وإبطال عقود الخصخصة وإعادة الشركات لملكية الدولة. وتطور الدعم بعد الثورة ليمتد إلى تقديم أوراق عشرات النقابات المستقلة لتسجيلها ودعم المئات منها في مختلف القطاعات.

لكن انتقادات عديدة وُجهت إلى دور هذه المنظمات في الحركة العمالية، ويمكن تلخيصها في محورين أساسيين:
أولًا: أنها حولت الحركة العمالية إلى حركة اتكالية، من خلال إغراقها في الدعم الذي وصل إلى الدعم المالي عبر دفع إيجارات المقرات والتكفل بنفقات الفعاليات وغير ذلك. يرى عادل أن ذلك خلق نوعًا من استسهال الاعتماد على الدعم من المؤسسات غير الحكومية في أشكاله اللوجستية، الأمر الذي تطور بدوره إلى أن أصبح أشبه بآلية موازية حلت محل التطور الداخلي للحركة النقابية نفسها بدلًا من مواكبتها، وأدى ذلك إلى عدم اهتمام مجالس إدارات النقابات الوليدة بتطوير آليات التمويل الذاتي، مثل تسديد الاشتراكات وجمعها، مما قوض أحد أوجه التكاتف والتضامن العمالي الذي كان ركيزة لقوة واستدامة النقابات المستقلة.

ثانيًا: أدى دور منظمات المجتمع المدني ضمنًا إلى تفريغ الحركة النقابية من كوادرها الأساسية، إذ جذبت برامج التدريب الممولة هذه الكوادر ودفعتهم إلى الانخراط فيها والعمل كـ”مدربين” أُطلق عليهم “خبراء عماليون”، عملوا بدوام كامل، مما كان مغريًا في ظل الظروف الاقتصادية والاجتماعية الطاحنة، لكنه أبعد هؤلاء تمامًا عن العمل العمالي والنشاط النقابي.

شيئًا فشيئًا، أصبحت برامج التدريب هذه غاية لا وسيلة، وولدت تنافسًا بين القيادات العمالية على التأهل من أجل نيل فرصها والسفر لها، فيما أصبحت هذه السفريات مطمعًا ومحور انشغال هذه القيادات عن العمل النقابي نفسه. لم يضعف ذلك الحركة العمالية من خلال تفريغ كوادرها منها فحسب، بل أيضًا لأنه ساهم في تشويه هذه الكوادر والقيادات، الذين دارت حولهم الشبهات في أوساط زملائهم العمال بأنهم أسسوا النقابات بغرض الانتفاع منها والحصول على التفرغ النقابي.

يقول عادل إن التدريبات المكثفة والطريقة التي قدمتها بها منظمات المجتمع المدني دفعت بالفعل إلى تطوير المهارات الإدارية الضعيفة بالأساس لدى القيادات النقابية الجديدة، لكنها لم تراعِ حداثة نشأة التجربة التي لم تكن النقابات الوليدة قد رسخت نفسها وبلورت شخصيتها فيها بعد. وابتلعت هذه التدريبات القيادات، عازلة إياهم عن العمل النقابي، فلم يتمكن هؤلاء من السعي نحو الهدف الأصلي، وهو بناء نقاباتهم نفسها. ويدعو عادل في نهاية فصله إلى ضرورة مراجعة طبيعة العلاقة بين الحركة العمالية والنقابات المستقلة ومنظمات المجتمع المدني في شكلها الحقوقي الاحترافي، للاستفادة من الغرض الحقيقي للدعم.

أي مكان لقضايا العمل في السياسة المصرية؟
يكرس الكتاب فصلًا خاصًا أعده الباحث والصحفي الاقتصادي محمد جاد، عن علاقة الحركة العمالية بالقوى السياسية على مدار فترة السنوات العشر محل الدراسة. يقدم جاد عرضًا بانوراميًا لرؤى قوى المعارضة، من أطياف سياسية متنوعة، للصحوة العمالية وتفاعلها معها، لكنه يسلط الضوء بصورة خاصة على قوى اليسار لأسباب تتعلق بعمق الحضور العمالي في أفكار هذا التيار وتوجهاته.

في السنوات السابقة على الثورة، كانت حالة من الرهاب العمالي إزاء الأحزاب والتنظيمات السياسية هي الحاكمة للعلاقة بين العمال والمعارضة. إضافة إلى ذلك، كانت الصورة النمطية الموروثة من عهد مبارك عن الأحزاب هي أنها مجرد “كومبارس” للسلطة، مما أقصى الكثير من القيادات العمالية عن الانخراط في قضايا السياسة ودفعهم إلى الوقوف فقط عند حد المطالبة بالحقوق العمالية. ظل الحال هو نفسه إلى حد كبير حتى على مدار سنوات الثورة القليلة، وإن فتحت حالة السيولة السياسية والاهتمام الشعبي بالشأن العام، مع عجز السلطة عن القمع المباشر لبعض الوقت، بعض الأبواب لمد الجسور بين الحركة العمالية والسياسة. وكانت هناك بالفعل بعض المحاولات في هذا الشأن.

يستند جاد إلى قدر كبير من المقابلات والشهادات من نشطاء ذوي توجهات سياسية مختلفة، ليشير إلى أنماط متعددة من تعاطي القوى السياسية مع الحركة العمالية. فإلى جانب موقف جماعة الإخوان الذي أخذ يتسم تدريجيًا بالعداء تجاه الحراك العمالي منذ إسقاط مبارك، كانت هناك أولًا الرؤية التي تشاركتها حركات مثل “6 أبريل” مع القوى الليبرالية، والتي اعتمدت الفصل بين المطالب السياسية والمطالب الجزئية الاقتصادية للحركات العمالية. وفي مقابل تهميش هذه الأخيرة، تعاملت هذه القوى مع الحركة العمالية، حتى قبل الثورة، بمنطق “التلقف”، أي باعتبارها مظهرًا من مظاهر السخط التي يمكن أن تخدم المعركة السياسية ضد مبارك، مع تجريد هذه المعركة نفسها من أبعادها الاقتصادية والاجتماعية.

ويعني ذلك محاولة التقاط مراحل ذروة الحركة العمالية من خارجها، وتوجيهها قسرًا إلى العراك السياسي، مثلما حدث في العصيان المدني في 6 أبريل، التي كانت في الأصل دعوة من العمال إلى إضرابهم، ثم مرة أخرى، لكن بقدر ضئيل للغاية من النجاح، في 11 فبراير/شباط 2012. يستنتج جاد أن هذا التعامل “الأداتي”، أي الذي يرى في العمال مجرد أداة لاستدعائها في أي وقت للتغيير، هو ما أفقد النشطاء الثقة في الطبقة العاملة، والعكس صحيح أيضًا.

ثانيًا، هناك الرؤية التي تبنتها قوى مثل حزب “مصر القوية”، والتي اعتبرت قضايا العمال مدخلًا لتحقيق العدالة الاجتماعية لكن بمعزل عن القضايا السياسية العامة. وثالثًا، هناك الموقف الموالي للسلطة لأحزاب مثل “التجمع”، الوحيد الذي نال اعتراف السلطة قبل 2011، والذي قرأ النهوض العمالي باعتباره تهديدًا للاستقرار والمسار الاجتماعي، وبالتالي تمحور خطابه حول تحذير الدولة من أن تقاعسها عن إصلاح الأجور مثلًا يضع مشروعية الملكية والثروة والسلطة في خطر. وهكذا صار أكثر حرصًا على بقاء النظام من النظام نفسه.

وعلى النقيض التام من رؤية التجمع وموقفه، يتحدث جاد، رابعًا، عن التيار الراديكالي، متخذًا تنظيم “الاشتراكيين الثوريين” نموذجًا له. سعى هذا الرافد من اليسار إلى توحيد الحركة العمالية وبناء التضامن معها وربط مطالبها بالمعارك السياسية، على أن تتبنى هذه المعارك مطالبها، وبرز هذا التيار بعد انتظار طويل للصحوة العمالية التي توقع قدومها قبل أكثر من عقد، وعمل على أن يكون بمثابة الذاكرة التاريخية للطبقة العاملة التي تعمم تجاربها وتتفادى أخطاء الماضي، سعيًا إلى بناء حزب عمالي ثوري يكون في صدارة ثورة عمالية تقود تغييرًا جذريًا للمجتمع.

يلفت جاد إلى أن القوى اليسارية بصورة عامة كثفت جهودها في أوساط الحركة العمالية عند انطلاقها في 2006، ومثلت الاعتصامات العمالية المتكررة أمام مجلسي الشعب والوزراء، في العامين السابقين على الثورة، فرصة أعمق لالتقاء قوى اليسار بالحراك العمالي. ودشنت هذه القوى حملات وجبهات تتعلق بقضايا العمال، مثل قضية الأجور. وفي أعقاب الثورة، ولدت قوى يسارية جديدة مثل حزب التحالف الشعبي الاشتراكي، وتجمعات عمالية واعدة مثل “المؤتمر الدائم لعمال الإسكندرية”، الذي ضم عمالًا من صناعات مختلفة، لا سيما في القطاع الخاص، واستهدف التوسع إلى محافظات أخرى. قطع انتصار الثورة المضادة والأجواء الخانقة التي ولدتها الطريق على تطوير هذا التفاعل بين السياسة والحركة العمالية، ومساعي توحيد معارك العمال ومطالبهم ودمجها على المستوى السياسي.

الإدارة الذاتية.. طريق العمال لمواجهة الإغلاقات
يركز فصل مهم من فصول الكتاب، كتبته الباحثة في الشؤون العمالية والنقابية فاطمة رمضان، على أسلوب جديد مثل إلهامًا فريدًا برز على مدار الفترة موضوع الدراسة، وهو إدارة العمال لمصانعهم بأنفسهم بعد إغلاق أصحابها لها. تمكن العمال في عدد من التجارب الممتدة من 2001 إلى 2013 من تنظيم أنفسهم والدفاع عن حقهم في العمل وتلقي الأجر والحيلولة دون إغلاق أو تصفية المصانع التي يعملون بها عن طريق إعادة تشغيلها ذاتيًا، بعد هروب الملاك الأصليين على خلفية قضايا مديونية. وضرب العمال الذين انخرطوا في هذه التجارب مثالًا جليًا على الديمقراطية القاعدية في مواقع العمل كسبيل وحيد لإنجاح تجاربهم.

تكشف دراسة هذه التجارب أن العمال لا يلجأون إلى ذلك إلا اضطرارًا، بعد أن يطرقوا أبواب الجهات الحكومية مطالبين بحقوقهم أو بتعيين من يقوم بالإدارة ويلتزم بأجورهم دون أن يلقوا استجابة. ويذكر الكتاب أن ثمة 1500 مصنع قد أُغلق في الفترة من 2011 إلى 2013، أي خلال عامي الثورة، بيد أن هذا لا يعني مسؤولية الثورة عن هذه الظاهرة، إذ اتسعت دائرة الإغلاقات بالفعل من قبل، منذ أواخر التسعينيات، في ظل أزمة ركود الاقتصاد المصري في الإطار الأوسع لتراجع الاقتصاد العالمي والأزمات المالية التي ألقت بظلالها على العالم الثالث آنذاك. السبب الآخر هو أن الكثير من المصانع التي جرت خصخصتها كانت تُشترى بالأساس بغرض تصفيتها والاستيلاء على أصولها، بالأخص الأراضي المقامة عليها، وليس بغرض تطويرها أو مواصلة الإنتاج.

يركز هذا الفصل من الكتاب بدقة على أربع تجارب للإدارة الذاتية. أولها الإدارة الذاتية لمصنع المصابيح الكهربائية من 2001 إلى 2006، في أعقاب هروب مالك المصنع، رامي لكح، بسبب عجزه عن الوفاء بديونه، قبل عودته وتسوية ديونه واستيلائه على المصنع من جديد. يقر العمال الذين دشنوا هذه التجربة بأن الفوضى والارتباك كانا سائدين بينهم في البداية عقب اختيارهم لجنة من أنفسهم للإدارة، لكنهم سرعان ما استجابوا للانتظام عندما وثقوا بأنهم يعملون لصالح أنفسهم وأن المصنع أصبح منهم ولهم. يؤكد هؤلاء أنهم صاروا آنذاك حريصين على بذل أقصى جهد ممكن لتحسين الإنتاج وزيادته، وأخذوا حتى يتحملون أعباء ليست من اختصاصهم، مثل أعمال النظافة والحراسة والتسويق وغير ذلك. تبادلوا الخبرات والمعلومات الخاصة بالإدارة، في عملية تعليم وتنمية مستمرة للمهارات والخبرات، الأمر الذي أفضى في النهاية إلى زيادة الإنتاج عما كان عليه في ظل الإدارة السابقة والمالك السابق.

التجربة الثانية: مثل مصنع المصابيح الكهربائية، جرت التجربة الثانية أيضًا على أرض مدينة العاشر من رمضان، حيث مصنع المصبغة التابع لشركة “المونيسيتو”، المملوكة للمستثمر السوري عادل آغا، والتي تعمل في مجال الملابس الجاهزة. اضطر العمال إلى إدارة المصنع ذاتيًا حتى قبل حصولهم على قرار من النائب العام بتفويضهم في الإدارة وصرف المستحقات، بعد أن فر المالك خارج البلاد إثر تورطه في ديون كبيرة للبنوك. بدأت التجربة في 2009، بعد أعوام من احتجاجات العمال واستغاثتهم بوزارة القوى العاملة والمسؤولين، لكن عمرها لم يدم طويلًا، إذ انتهت المصبغة إلى التصفية بقرار من لجنة القوى العاملة في 2010.

التجربة الثالثة: ما زلنا في مدينة العاشر من رمضان، التي شهدت ثالث تجارب الإدارة الذاتية في مصنع قوطة للصلب بين 2012 و2013. سبق لهؤلاء العمال أن أداروا مصنعهم ذاتيًا في 2009، عندما صدرت أحكام ضد المالك، عبد الوهاب قوطة، وهرب من تنفيذها. أنشأ العمال حينها صندوقًا وضعوا فيه أموالًا من أنفسهم في شكل أسهم، قيمة الواحد منها ألف جنيه، مما سمح بجمع 3 ملايين و60 ألف جنيه، ليتمكنوا من التشغيل ودفع مستحقات المرافق، إضافة إلى تسديد مديونيات التأمينات. وكرر العمال ذلك في 2012، قبل أن يحكم القضاء بتأجير المصنع لتسوية باقي مديونيات المالك البالغة 1.3 مليار جنيه.

التجربة الرابعة: التجربة الأخيرة في دراسات الحالة التي تناولها الفصل كانت تلك التي خاضها عمال شركة “إنكوباب” للمنتجات الورقية ومواد التعبئة بمدينة السادس من أكتوبر. شكل هؤلاء العمال نقابة مستقلة، وانتزعوا قرارًا من النائب العام في 2015 بتشغيل شركتهم بأنفسهم، لكنهم لم يتمكنوا من تنفيذه، وتعرضوا بعد ذلك للفصل والتنكيل، ولم يصلوا إلى حل في دهاليز المحاكم.

هناك أيضًا مساعٍ أخرى مشابهة في هذا الاتجاه، لكنها كانت قصيرة الأمد ووقفت في وجهها شتى العراقيل، مثل معركة عمال شركة “جاك” لإنتاج السيارات، وكذلك عمال “سيد للأدوية”، الذين شاركوا لوقت محدود مع جهة حكومية في إدارة شركتهم.

اصطدمت كل هذه التجارب بصعوبات بالغة حالت دون تحويلها إلى حركة شاملة في مواجهة الإغلاقات، أهمها الديون المتراكمة، والتي وصلت في حالة مصنع قوطة للصلب إلى 16 مليون جنيه لشركة الكهرباء ومليون آخر لشركة الغاز. واجه العمال هذه الأزمة من خلال الموازنة الديمقراطية بين تشغيل المصنع وحقوقهم وتجنيب أرباح يمكنها سداد جزء من الديون. لكن هناك أيضًا ما اضطلعت به الدولة من دور كبير في إعاقة التجربة بأجهزتها المختلفة. فضلًا عن ذلك، تتطلب الترتيبات الخاصة بالإدارة الذاتية شكلًا من الاعتراف من جانب الدولة، في حين يحظر القانون والدستور الاستيلاء على الشركات أو مصادرتها إداريًا، مما يترك العمال دون أن ينالوا حتى حقوقهم المنصوص عليها في حالة إغلاق الشركات.

كانت هذه التجارب أيضًا بحاجة ماسة إلى التفاف قوى عمالية ومجتمعية حولها ودعمها، ليس فقط للحفاظ على استمراريتها، بل كذلك لتحويلها إلى قضية رأي عام وتعميمها إلى مواقع عمل مغلقة أخرى بالنظر إلى اتساع ظاهرة الإغلاق. لم تحظَ هذه التجارب إلا بدعم محدود من بعض منظمات المجتمع المدني وبعض أحزاب وقوى اليسار، في حين كانت إمكانيات النقابات المستقلة ضعيفة، مما لم يكن كافيًا وعجّل بتدهور هذه التجارب وانتهائها مبكرًا. ارتبطت هذه التجارب أيضًا بصعود المد الثوري، وضربت ديكتاتورية الثورة المضادة وقمعها لاحقًا قدرتها على الاستمرار والتطور والتمدد. لكن هذه التجارب، رغم محدوديتها، قد أتاحت خبرة مهمة يمكن البناء عليها في المستقبل، وطرحت جدلًا حول الملكية الخاصة، وحطمت الأوهام حول عدم إمكانية إدارة الأعمال إلا عن طريق مالكيها.

التقاضي الاستراتيجي: العمال يطرقون أبواب المحاكم
طريق آخر سار فيه بعض العمال وحلفاء لهم في الدوائر السياسية والحقوقية لمقاومة تشريدهم إثر خصخصة شركاتهم في صفقات مشبوهة بالفساد والمحسوبية، كان اللجوء إلى القضاء. فقبل ثورة يناير، وفي أعقاب الثورة، بين مايو/أيار وديسمبر/كانون الأول 2011، أصدرت محكمة القضاء الإداري أحكامًا ببطلان عقود أربع شركات من شركات قطاع الأعمال العام هي: عمر أفندي، والمراجل البخارية، والنيل لحليج الأقطان، وطنطا للكتان، وكلها شركات جرت خصخصتها في فترات مختلفة من حكم مبارك.

مثلت هذه الأحكام تجليًا لنجاح مسار التقاضي الاستراتيجي، ضمن حدود معينة كما سنناقشها أدناه، في محاولة إعادة ملكية الشركات للدولة بعد بيعها لفئة من رجال الأعمال المقربين إلى السلطة.

وصحيح أن أولى محاولات مقاومة الخصخصة في ساحات القضاء تعود إلى النصف الأول من التسعينيات، في بداية بيع أصول الدولة، إلا أن هذه المحاولات لم تسفر عن أثر يُذكر، ولم تتحول إلى مسار مستدام إلا بعد ذلك، بالنظر إلى ضعف قدرة العمال آنذاك على ممارسة الاحتجاج، وانتظارهم نتائج وعود برامج الخصخصة “الوردية”، وهو الظرف الذي تغير لاحقًا مع نهوض النضال العمالي. ومن ناحية أخرى، شجع الحكم الخاص ببيع أراضي “مدينتي” و”بالم هيلز” عمال الشركات المذكورة على طرق أبواب المحاكم أيضًا.

يعرّف التقاضي الاستراتيجي بأنه اختيار موضوع قضية وإقامة دعوى بها أمام المحاكم لصالح شخص أو مجموعة أشخاص بغرض الحصول على حكم تستفيد منه شرائح وفئات واسعة النطاق من المجتمع. ويركز التقاضي الاستراتيجي على تغيير السياسات على المستوى الكلي، وإحداث أثر دائم يتجاوز مجرد الفوز بالقضية محل النزاع.

البداية الحقيقية كانت مع شركة “عمر أفندي”، التي ضمت قبل بيع 90% من أسهمها للمستثمر السعودي جميل عبد الرحمن القنبيط في 2006 نحو 6 آلاف عامل في 85 فرعًا على مستوى الجمهورية. أما بعد البيع، فقد تقلصت العمالة إلى 2500 عامل فقط عبر نظام المعاش المبكر، وتحولت الشركة من شركة رائجة تسجل فائضًا يتجاوز 50 مليون جنيه في عام بيعها، إلى شركة خاسرة بلغت خسائرها 613 مليون جنيه في 2009.

حفزت قضية عمر أفندي التحدي القانوني لعقود خصخصة شركات أخرى كانت قد بيعت قبلها في منتصف التسعينيات، مثل شركة “المراجل البخارية” التي تقوم بتصنيع تنكات الأمونيا، وكانت تضم قبل الخصخصة 1114 عاملًا دائمًا وكادرًا من ثلاثة آلاف عامل مؤقت في العمليات الكبيرة. وكذلك شركة “النيل لحليج الأقطان”، التي تعمل في صناعة الحلج وتجارة وتسويق الأقطان والزيوت والشحوم والأعلاف، والتي بدأت خصخصتها بالإيجار التمويلي بين عامي 1994 و1999، وعمل بها قبل ذلك 1500 عامل دائم ونحو ألف عامل مؤقت. أما شركة “طنطا للكتان”، التي ينتمي بيعها إلى آخر موجات الخصخصة في ظل حكومة أحمد نظيف، وبيعت للمستثمر السعودي عبد الإله الكعكي، فقد أُعيدت بالفعل للقطاع العام، إلا أن ذلك لم يُتبع بضخ أي استثمارات من أجل إعادتها إلى سابق عهدها.

جدير بالذكر أن أصحاب الأعمال والشركات القابضة قاموا، في الفترة الفاصلة بين صدور الأحكام وانتهاء فترة الطعون، وتحت سمع وبصر المسؤولين، بحرمان العمال في شركتي المراجل البخارية والنيل لحليج الأقطان من أجورهم لمدة 10 و17 شهرًا على التوالي، وكأن هؤلاء العمال كانوا يُعاقبون على رفع الدعاوى القضائية.

يشير ذلك بوضوح، جنبًا إلى جنب مع تقليص عمالة عمر أفندي والعزوف عن ضخ الاستثمارات في طنطا للكتان، إلى أنه رغم النجاحات التي أحرزها العمال قضائيًا، لم تُترجم الأحكام التي حصلوا عليها على أرض الواقع، ولم تكن كافية لإنتاج آثار اجتماعية واقتصادية إيجابية وملموسة في صالح العمال. وتوقف ذلك كله على دعم الأحكام بقوة العمال على الأرض وقدرتهم على الحركة وتوسيع وتطوير حركتهم، وبناء ائتلافات مع حركات سياسية واجتماعية أوسع.

العامل الآخر الذي كان مفصليًا في رسم حدود للتقاضي الاستراتيجي وترجمة ثماره في الواقع، هو ارتباطه بالمناخ السياسي السائد وقوة الحركة العمالية صعودًا أو هبوطًا. فبعد مصادرة المجال السياسي مع تدشين السلطة الجديدة في 2013، تراجع أثر هذه الأحكام القضائية، بل وجرى سد باب اللجوء للقضاء الإداري من خلال تحصين العقود الحكومية بالقانون 32 لسنة 2014، الذي أصدره الرئيس المؤقت عدلي منصور، ليقطع الطريق على مساعي بقية عمال الشركات قضائيًا لإعادة شركاتهم للقطاع العام.

الغائبون عن المشهد: (1) الفلاحون وعمال الزراعة
وفقًا لبيانات الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء، كان قطاع الزراعة والصيد هو الأكثر استيعابًا للعمالة في مصر، إذ ضم 6.9 مليون شخص مثلوا نحو 32% من المشتغلين في عام 2007، أي في مطلع الفترة محل الدراسة. هذه النسبة الكبيرة من العاملين المصريين، الذين يتعرضون لنصيب كبير من التهميش الاجتماعي، دفعت محمد مدحت، الباحث في وحدة أبحاث القانون والمجتمع بالجامعة الأمريكية بالقاهرة، إلى التساؤل: أين كان هؤلاء خلال فترة النهوض العمالي التي امتدت لسنوات عديدة قبل الثورة وفي أثنائها؟
من خلال دراسته التفصيلية التي قدمها في فصل خاص بالكتاب، يجيب مدحت بأن هؤلاء لم يكونوا غائبين تمامًا عن المشهد، فقد اتسعت رقعة الاحتجاجات في الريف المصري خلال مراحل متفرقة من الفترة المذكورة. لكنها ارتبطت بمطالب تتعلق بضعف الخدمات العامة، مثل المياه النظيفة والطرق الآمنة، وغيرها من المطالب التي انحصرت في قرى أو مراكز صغيرة، مما يطلق عليه مدحت مصطلح “الاحتجاجات الريفية”، تمييزًا لها عن الاحتجاجات المرتبطة مباشرة بالزراعة، والتي من الملاحظ أنها كانت غائبة بالفعل عن المشهد.

يستنتج مدحت أن ثلاثة أسباب وقفت وراء انزواء الاحتجاجات المتعلقة بالأرض الزراعية في السنوات محل الدراسة:
السبب الأول هو تفاقم الإفقار والتهميش الاقتصادي اللذين فُرضا على الفلاحين جراء التحول الاقتصادي نحو النيوليبرالية منذ التسعينيات. ويقول إن هذا نفسه وقف عائقًا أمام اضطلاع الفلاحين بفعل احتجاجي منظم ومنسق ربما كان ليحظى ببعض الاستدامة. أدت إجراءات النيوليبرالية، مع إصدار قانون الإيجارات الزراعية عام 1992 ودخوله حيز التنفيذ عام 1997، إلى تغييرات عميقة نزلت على تنظيم ملكية الأرض الزراعية في مصر. إذ أعاد القانون توزيع الأرض، ومعها الدخول والثروات، من القاعدة العريضة لصغار الفلاحين والمستأجرين والعمال الزراعيين إلى الشرائح العليا من كبار الملاك والرأسمالية الزراعية الكبيرة. استخدمت الدولة قمعًا عنيفًا للقضاء على أي مقاومة في مهدها، وارتبط القانون بجملة إجراءات موازية تتضمن الإلغاء التدريجي لكل أشكال الدعم ومدخلات عملية الإنتاج الزراعي.

السبب الثاني، وهو نفسه نتيجة للسياسات الاقتصادية نفسها، هو التغييرات الكبيرة التي طرأت على التركيبة السكانية في الريف جراء ذلك. لقد دفع الإفقار والتهميش مئات الآلاف من فقراء الفلاحين خارج قطاع الزراعة، إما إلى البطالة، وإما إلى الهجرة إلى هوامش المدن بحثًا عن أعمال غير ماهرة في قطاعات مثل البناء والتشييد، وإما إلى خارج البلاد بحثًا عن فرص عمل بسيطة في الدول النفطية. أثر ذلك على قدرة الفلاحين على شن احتجاجات منظمة تتعلق بالأرض والزراعة، بالأخص مع تخفيف عوائد العاملين بالخليج والدول العربية من وطأة سياسة النظام في تحرير العلاقات الزراعية. وبحلول السنوات موضوع الدراسة، كانت هذه التغيرات قد أخذت مجراها وتعمقت بالفعل.

السبب الثالث هو أن الفلاحين عانوا على مدار عقود طويلة أيضًا من التهميش على المستوى التنظيمي. صحيح أن نظام عبد الناصر منح الفلاحين بعض القوة، لكنه سلبهم أدوات مقاومة أي جور محتمل على هذه الحقوق، وفي القلب من هذه الأدوات حرية التنظيم. لم تسمح التركة السياسية الموروثة من العهد الناصري للفلاحين بالحضور في المشهد السياسي كقوة مستقلة، وليس أدل على ذلك من استثناء تشكيل الاتحادات العمالية والنقابية للفلاحين واستبعاده من الذكر النقابي المهم. وشهدت فترة الانفتاح تصفية للحركة التعاونية القائمة في الريف بموجب القانون 122 لسنة 1980، المكتوب خطأ في المتن 176 لسنة 1976، ومن ثم فقد الفلاحون تجربة التنظيم الوحيدة التي حصلوا عليها خلال الفترة الناصرية. وأصبحت جماهير الفلاحين بذلك، شيئًا فشيئًا، صيدًا سهلًا للسلطة في ظل الافتقار إلى أي حاضنة تنظيمية يمكنهم الاستناد إليها أو الانطلاق منها.

الغائبون عن المشهد: (2) العمالة غير الرسمية
أما عن العمالة غير الرسمية، التي تمثل ثلاثة أرباع العاملين بالقطاع الخاص، فيقول الباحث شهير جورج إنه من الملاحظ أنها كانت غائبة بصورة كبيرة عن الحراك العمالي منذ التسعينيات، مع بدء برنامج الخصخصة وتبني التحول الهيكلي للاقتصاد المصري. وحتى نهوض نضالات العمال أواخر عام 2006، كانت الحركة العمالية طوال تلك الفترة محصورة تمامًا تقريبًا في القطاع العام وقطاع الأعمال العام والإدارات الحكومية.

تغيرت الأوضاع مع الانفراجة الكبرى التي افتتحتها ثورة يناير، والتي رغم ظهور تحركات للعمالة غير الرسمية قبلها، كانت هي نفسها نقطة مفصلية في هذه التحركات، التي انتشرت سواء بين العاملين لحسابهم الخاص مثل الباعة الجائلين، أو بين العاملين بأجر في القطاع الخاص لكن بصورة غير رسمية وبدون حماية اجتماعية وبمعزل عن قوانين العمل.

ورغم تنوع الفئات المندرجة في العمالة غير الرسمية، التي ضمت في عام 2012 نحو 91% من الشباب بين 15 و29 سنة، يركز الفصل حصريًا على العمالة غير الرسمية في القطاع الخاص الذي تهيمن عليه المنشآت الصغيرة ومتناهية الصغر. ويتناول الفصل في إطار ذلك ثلاث تجارب لتنظيم العمالة غير الرسمية في مصنع للإسمنت بالإسكندرية وآخر بحلوان، علاوة على النقابة العامة للعاملين بالقطاع الخاص.

يلاحظ جورج أن الاتجاه الغالب من الدولة طوال الفترة المعنية بالدراسة كان هو التغاضي عن العمالة غير الرسمية بمختلف أشكالها، واعتبارها وضعًا قائمًا لا ضرورة لتغييره. ولم يحظَ هذا القطاع العريض من الطبقة العاملة بأي تحسن في أعقاب ثورة يناير، رغم تدعيم أوضاع العمل داخل القطاع الرسمي، بالأخص الحكومي والعام.
أما عن حراك العمال غير الرسميين في القطاع الخاص، فيرصد جورج أن التنقل السريع بين الوظائف وضعف فرص الاستقرار كانا من أهم معوقات اتساع هذا الحراك وتطويره، إذ تسببا في تضاؤل فرص التضامن المشترك بين العمال وصعّبا من بلورة هوية مشتركة بينهم. خلق هذان العاملان أيضًا شرخًا بين العمالة المثبتة وغير المثبتة حتى داخل المنشأة نفسها، إذ كانت إضرابات كل منهما تحدث بمعزل عن الأخرى.

ويضيف جورج إلى هذه المعوقات غياب أي حماية لهذه الفئة من العمالة، مما يتيح لأصحاب الأعمال تشريدهم عقابًا لهم على ممارسة الاحتجاج في ظل تجاهل الدولة لهم، وأحيانًا التدخل حتى لقمعهم أمنيًا بشكل مباشر، وأيضًا في ظل التواطؤ مع رجال الأعمال من جانب الاتحاد العام الرسمي للنقابات. أما عن الاتحادات النقابية المستقلة، فقد اقتصر دورها على ما يقارب إصدار بيانات التضامن دون الاضطلاع بخطوات عملية أكثر فاعلية للدفاع عن العمال غير الرسميين وتنظيمهم.
حالت هذه العوامل، إضافة إلى ضعف الخبرة والافتقار إلى الوقت والموارد وهشاشة التضامن معهم، دون بناء تجربة ناضجة للعمالة غير الرسمية في القطاع الخاص تتمكن من الصمود في مواجهة موجة القمع العارمة التي دشنها النظام في أعقاب هزيمة الثورة.

دروس للمستقبل
فرضت الحركة العمالية خلال السنوات العشر محل الدراسة المسألة الاجتماعية على بساط النقاش، وأشاعت ثقافة الاحتجاج بالإضراب والاعتصام والتظاهر كوسيلة للمطالبة بالحقوق. تطورت هذه الحركة بالأساس تحت ضغط تغييرات متسارعة في بنية الاقتصاد المصري بعد نحو عقدين من التحرير الاقتصادي تحت رعاية صندوق النقد والبنك الدوليين، بما شهدته مصر من خصخصة واسعة النطاق وتفكيك دؤوب للقطاع الحكومي.

ارتبطت الحركة العمالية، بكل تجلياتها وتطوراتها وخبراتها صعودًا وهبوطًا، بمدى تفتح المجال السياسي أو انحساره. ورغم المساهمة القوية للحركة العمالية في الانفتاح الذي رافق الثورة، بل ومساهمتها في الأصل في إعداد الزخم لاندلاع الثورة والانفراجة قصيرة الأمد التي فتحت أبوابها، لم تلقَ الطبقة العاملة ما يلزمها وما تحتاجه من تركيز وحشد من القوى السياسية المعارضة، قبل الثورة وفي أثنائها على الأقل، لتوحيدها وتبني مطالبها والتعبير عنها سياسيًا. وأحد أهم أسباب ذلك هو نخبوية معظم هذه القوى وفقدانها الثقة في الجماهير كأساس للتغيير الاجتماعي، وليس مجرد جموع سلبية تلبي النداء حالما تطلقه هذه القوى من بعيد. وكذلك ابتلاع هذه القوى في متاهة الانقسام السياسي، العسكري الإسلامي، وحصر نفسها في حدوده، مما قزم المعركة السياسية وأفرغها من مضمونها الاجتماعي.
ترك ذلك الحركة العمالية فريسة سهلة للأوضاع والتغيرات التي ناقشها الكتاب، والتي فرضت عليها التفتيت والتجزئة والعزلة في جزر بعيدة عن بعضها البعض، وعن المعترك السياسي، وعن بلورة مطالبها سياسيًا وبرنامجيًا. وحتى محاولات التوحيد على الصعيد النقابي، رغم أهميتها القصوى والنجاحات النسبية التي حققتها في سنوات الثورة، تخللتها مشكلات وأوجه قصور أضعفت قدرتها على الصمود لاحقًا أمام موجات القمع.

يعد كتاب “صعود وأفول الحركة العمالية” تكثيفًا لخبرات الحركة العمالية خلال فترة السنوات العشر محل الدراسة، وكشفًا لأوجه القصور والسلبيات التي لا بد من فحصها والاستفادة منها بغرض الإعداد للمستقبل، وإن جاء متأخرًا.

فرغم جبروت النظام وآلته القمعية الفتاكة، ورغم ما تعانيه الحركة العمالية راهنًا من ركود وتفتيت، ما تزال للنظام مشكلاته وأزماته وتناقضاته التي من غير المرجح أن تتمكن سياساته من حلها بسهولة أو في أفق منظور، مما قد يشير إلى أن الحركة العمالية لن تولي دبرها هكذا إلى الأبد. وإذا كان ركود التسعينيات وأوائل الألفية الطويل قد وُصف في صفحات الكتاب بأنه خطوة إلى الوراء استعدادًا للوثوب إلى الأمام مجددًا في 2006 وما تلاها، نأمل أن يكون الركود هذه المرة هكذا أيضًا. ونأمل أن يتمتع الحراك في المرة المقبلة بقدر أوفر من الصمود والوحدة، رغم التحديات الجمة، شريطة الاستناد إلى الخبرات الغزيرة للطبقة العاملة واستيعاب دروسها، لا سيما دروس هزيمة حركتها، والبناء عليها.



#سيد_صديق (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- إيكولوجية ماركس والتحليل الأيضي
- بايدن يرفع “الراية البيضاء”
- ثورات منسية.. الصورة الأخرى لتاريخ السودان
- جنرالات السودان يتصارعون ضد بعضهم.. ولابد أن يتخذ الشارع موق ...
- كلمة للمؤرخ الإيراني بيمان جعفري: “الانتفاضة دخلت في عملية ث ...
- جون مولينو.. ستبقى ذكراك ملهمة
- ماذا وراء إسقاط الرئيس اليساري بيدرو كاستيو في بيرو؟
- موجة جديدة من الاحتجاجات في إيران تكثف الضغط على النظام
- انتصار اليمين المتطرف في الانتخابات الإسرائيلية: نتاج الأساس ...
- إيطاليا: انتصار جديد لليمين المتطرف.. لكن المقاومة لا تزال م ...
- اليسار والموقف من الحرب على أوكرانيا – الجزء 1
- الرأسمالية.. كيف يُستخدَم الغذاء كسلاح
- الإنفاق العالمي على التسليح يصل إلى معدلات قياسية
- عام على الانتفاضة الفلسطينية.. دروس في المقاومة ضد القمع وال ...
- عمال توصيل الطعام في «طلبات» يضربون عن العمل في الإمارات
- ماذا عن عمالة الأطفال في مصر؟
- مواجهة بين ماكرون النيوليبرالي ولوبان الفاشية
- لا للحرب على أوكرانيا: الأوكرانيون هم من يقررون مصيرهم
- حوار مع اشتراكي روسي يعارض حرب بوتين
- مظاهرات غاضبة في جلاسكو بالتزامن مع قمة المناخ للأمم المتحدة


المزيد.....




- بطاقة حمراء ضد عمل الأطفال.. حملة وطنية تجمع الوزراء والنقاب ...
- تصاعد الإضرابات في قطاع التجارة بألمانيا مع تعثر مفاوضات الأ ...
- نقابة المحامين السورية تدين تفجير دمشق وتنعى عددا من المحامي ...
- نقابة الصحفيين الفلسطينيين: نرفض التشكيك بصفة الشهداء الصحفي ...
- التوظيف الأميركي يتباطأ في يونيو والبطالة عند 4.2%
- متقاعدون في تونس.. معاناة مستمرة بعد سنوات العمل
- المركزي الروسي يعلن جاهزية التعامل بالروبل الرقمي مطلع سبتمب ...
- لبنان.. تمديد تسوية أوضاع العمال السوريين حتى 30 سبتمبر
- الأولى من العدد 1907 من جريدة الشعب ليوم الخميس 02 جويلية 2 ...
- الهيئة الإدارية الجهوية بالمنستير تتمسك بالحوار الاجتماعي وت ...


المزيد.....

- النظام الداخلي للإتّحاد العام التونسي للشغل أداة طرّزتها الب ... / حمده درويش
- ملامح من تاريخ الحركة النقابية / الحاج عبدالرحمن الحاج
- تجربة الحزب الشيوعي السوداني في الحركة النقابية / الحزب الشيوعي السوداني
- الفصل السادس: من عالم لآخر - من كتاب “الذاكرة المصادرة، محنة ... / ماري سيغارا
- الفصل الرابع: الفانوس السحري - من كتاب “الذاكرة المصادرة، مح ... / ماري سيغارا
- التجربة السياسية للجان العمالية في المناطق الصناعية ببيروت ( ... / روسانا توفارو
- تاريخ الحركة النّقابيّة التّونسيّة تاريخ أزمات / جيلاني الهمامي
- دليل العمل النقابي / مارية شرف
- الحركة النقابيّة التونسيّة وثورة 14 جانفي 2011 تجربة «اللّقا ... / خميس بن محمد عرفاوي
- مجلة التحالف - العدد الثالث- عدد تذكاري بمناسبة عيد العمال / حزب التحالف الشعبي الاشتراكي


المزيد.....


الصفحة الرئيسية - الحركة العمالية والنقابية - سيد صديق - قراءة في كتاب “صعود وأفول الحركة العمالية المصرية”