أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع - محمد ابراهيم عرفة - معضلة الشر: نشأتها وتطورها والردود الفلسفية عليها















المزيد.....

معضلة الشر: نشأتها وتطورها والردود الفلسفية عليها


محمد ابراهيم عرفة

الحوار المتمدن-العدد: 8747 - 2026 / 6 / 25 - 08:29
المحور: الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع
    


المقدمة
تُعد معضلة الشر من أشهر الحجج التي يستخدمها اللادينيون في مناقشة المؤمنين حول وجود الله عز وجل وصفاته. وهي لا تقوم فقط على السؤال عن سبب الألم في الحياة، بل تحاول أن تثير إشكالًا فلسفيًا: كيف يمكن الجمع بين وجود الشر في العالم وبين الإيمان بإلهٍ كامل القدرة، كامل العلم، وكامل الرحمة والخير؟
وفي هذا المقال سنعرض نشأة معضلة الشر وتطورها، ثم نعرض أبرز الردود الفلسفية المسيحية والإسلامية عليها، مع بيان أن وجود الشر لا يلزم منه منطقيًا نفي وجود الله، بل يفتح بابًا واسعًا للنقاش حول الحكمة والحرية والابتلاء والعدالة.
أولًا: ما هي معضلة الشر؟
تقوم معضلة الشر على مجموعة من الصفات التي ينسبها المؤمنون إلى الله:
1. الله كلي القدرة، أي إنه قادر على إزالة الشر.
2. الله كلي العلم، أي إنه يعلم بوجود الشر وأسبابه وآثاره.
3. الله كلي الخير والرحمة، أي إنه يريد الخير لعباده ولا يحب الظلم والألم لذاته.
4. ومع ذلك، فالشر موجود في العالم.
ومن هنا يطرح المعترض السؤال: إذا كان الله قادرًا على منع الشر، ويعلم بوجوده، ويريد الخير، فلماذا يوجد الشر والألم والمعاناة؟
ويشمل الشر صورًا متعددة، منها الشر الأخلاقي، مثل الظلم والقتل والخيانة الحروب، ومنها الشر الطبيعي، مثل الأمراض والزلازل والكوارث والموت.
ثانيًا: نشأة معضلة الشر وتطورها
تُنسب الصياغة المشهورة الأولى لمعضلة الشر إلى الفيلسوف اليوناني أبيقور، مع التنبيه إلى أن العبارة المتداولة لا نملك لها نصًا مباشرًا ثابتًا من كتاباته. وخلاصة الفكرة المنسوبة إليه هي:
إذا كان الله يريد إزالة الشر ولا يستطيع، فهو ليس كلي القدرة.
وإذا كان يستطيع إزالة الشر ولا يريد، فهو ليس كامل الخير.
وإذا كان لا يريد ولا يستطيع، فكيف يكون إلهًا؟
وإذا كان يريد ويستطيع، فلماذا يوجد الشر؟
وقد تطورت هذه المناقشة في الفلسفة الحديثة، وخصوصًا عند الفيلسوف الاسكتلندي ديفيد هيوم في كتابه حوارات في الدين الطبيعي. فقد رأى هيوم أن كثرة الآلام والشرور في العالم تثير تساؤلًا حول الاستدلال من نظام الكون على وجود خالق كامل القدرة والخير.
فإذا كان الكون يدل على وجود مصمّم، كما تقول حجة التصميم، فإن وجود الكوارث والأمراض وآلام الأبرياء قد يدفع المعترض إلى القول إن المصمّم ليس كامل القدرة، أو ليس كامل الخير، أو أن صفاته ليست مطلقة.
ثالثًا: الردود الفلسفية المسيحية
1. رد أوغسطين: الشر غياب للخير
يرى الفيلسوف واللاهوتي المسيحي أوغسطين أن الشر ليس كيانًا مستقلًا خلقه الله، بل هو نقص أو فساد أو غياب للخير. ويشبّه ذلك بالظلام؛ فالظلام ليس شيئًا قائمًا بذاته، بل هو غياب النور.
فالمرض ليس وجودًا مستقلًا مثل الصحة، بل هو نقص في الصحة. والعمى نقص في البصر، والجهل نقص في المعرفة. وكذلك الشر الأخلاقي هو انحراف إرادة الإنسان عن الخير.
وبناءً على ذلك، لا يكون الله خالقًا للشر باعتباره شيئًا موجودًا بذاته، وإنما يكون الشر نتيجة نقص في الخير أو نتيجة إساءة الإنسان استخدام إرادته الحرة.
2. حرية الإرادة
يرتبط رد أوغسطين بفكرة حرية الإنسان. فالإنسان لا يكون مسؤولًا أخلاقيًا إلا إذا كان قادرًا على الاختيار بين الخير والشر.
ولو كان الإنسان مجبرًا على فعل الخير دائمًا، لما كانت أفعاله تستحق المدح، ولما كان للعدل أو الرحمة أو التضحية معنى أخلاقي حقيقي. ولذلك فإن إمكان الشر هو نتيجة لازمة لوجود حرية حقيقية.
ومن هذا المنظور، فإن كثيرًا من الشرور في العالم ليست بسبب إرادة الله المباشرة، بل بسبب أفعال البشر: كالحروب والقتل والسرقة والظلم والاستغلال.
3. رد لايبنتز: الخير الأكبر والنظام الكلي
يرى الفيلسوف الألماني لايبنتز أن الله اختار خلق أفضل عالم ممكن. ولا يقصد بذلك أن العالم خالٍ من الشر، بل يقصد أن وجود بعض الشرور قد يكون مرتبطًا بتحقيق خير أكبر أو نظام أعظم لا يستطيع الإنسان أن يدركه بالكامل.
فقد يكون الألم سببًا في تجنب خطر أكبر، وقد تؤدي الصعوبات إلى ظهور الشجاعة والصبر والرحمة والتعاون. وقد تكون القوانين الطبيعية الثابتة ضرورية لاستقرار العالم، حتى لو ترتب عليها أحيانًا أضرار أو كوارث.
وبذلك يرى لايبنتز أن الإنسان لا ينبغي أن يحكم على الكون من حادثة واحدة أو من جزء محدود من الصورة، لأن الحكم الكامل يحتاج إلى معرفة جميع النتائج والعلاقات، وهي معرفة لا يملكها البشر.
رابعًا: الردود في الفكر الإسلامي
قدّم العلماء والفلاسفة والمتكلمون المسلمون أجوبة متعددة على مسألة الشر، ولا يمكن اختزال الفكر الإسلامي كله في رد واحد. ومن أبرز هذه الردود ما يأتي:
1. الدنيا دار ابتلاء
يرى الإسلام أن الحياة الدنيا ليست دار الجزاء النهائي، بل هي دار اختبار وابتلاء. فالإنسان يُبتلى بالخير والشر، بالغنى والفقر، بالصحة والمرض، وبالراحة والمشقة.
فالابتلاء يكشف ما في الإنسان من صبر وإيمان ورحمة وعدل، ويجعل لأفعاله قيمة أخلاقية. وقد يكون الألم سببًا في مراجعة الإنسان لنفسه، أو في تقوية شخصيته، أو في دفعه إلى مساعدة غيره.
ومن هذا المنظور، لا يكون وجود الألم دليلًا على غياب الرحمة الإلهية، بل قد يكون جزءًا من اختبار الإنسان في حياته.
2. ما يراه الإنسان شرًا قد تكون وراءه حكمة
قد يرى الإنسان حدثًا ما شرًا خالصًا لأنه ينظر إلى أثره القريب فقط، لكنه لا يعرف كل النتائج التي قد تترتب عليه. فقد يكون في الأمر الذي يؤلم الإنسان خير له في المستقبل، أو دفع لضرر أكبر، أو سبب في نضجٍ وتجربةٍ وتغيير.
ولا يعني ذلك أن كل ألم سهل أو أن الإنسان مطالب بأن يحب المعاناة، بل المقصود أن عدم معرفتنا بالحكمة لا يثبت عدم وجودها.
فالإنسان محدود المعرفة، بينما العلم الإلهي — في التصور الإسلامي — محيط بالأسباب والنتائج التي لا يراها البشر.
3. الشر الأخلاقي ناتج عن حرية الإنسان
يفرق الفكر الإسلامي بين الشر الذي يختاره الإنسان بإرادته وبين ما يقع في الطبيعة من مرض أو كارثة. فالقتل والظلم والخيانة والحروب والاستبداد كلها أفعال بشرية ناتجة عن سوء استخدام الإنسان لحريته.
وقد منح الله الإنسان قدرة على الاختيار، ولذلك يكون مسؤولًا عن أفعاله. ولو كان الإنسان مجبورًا على الخير دائمًا، لما كان للثواب والعقاب، ولا للمسؤولية الأخلاقية، معنى حقيقي.
ومن ثم، فإن جانبًا كبيرًا من الشر في العالم لا يرجع إلى نقص في القدرة الإلهية أو الرحمة الإلهية، بل إلى أفعال البشر وقراراتهم.

4. العدل الكامل في الآخرة
من أهم الردود الإسلامية أن العدالة لا تكتمل بالضرورة في الدنيا. فقد يتألم البريء، وقد ينجو الظالم من العقاب فترة من الزمن، وقد لا يرى الإنسان نتيجة أفعاله في حياته القصيرة.
لكن الإيمان بالآخرة يجعل الحياة الدنيا مرحلة من مسار أكبر، يكون فيه حساب وجزاء كاملان. فيُعوض المظلوم، ويُحاسب الظالم، وتظهر العدالة الإلهية بصورة لا تكتمل في الدنيا وحدها.
وبذلك لا يصح الحكم على عدل الله من خلال لحظة واحدة أو حياة قصيرة، لأن التصور الإسلامي ينظر إلى الدنيا والآخرة معًا.
الخاتمة
إن معضلة الشر من أقدم المسائل الفلسفية المتعلقة بالدين، وقد ناقشها فلاسفة من اتجاهات مختلفة عبر التاريخ. وقد حاول المعترضون أن يجعلوا وجود الشر دليلًا على عدم وجود إله كامل القدرة والعلم والخير.
لكن الردود الفلسفية والدينية قدّمت تصورات متعددة لفهم وجود الشر، مثل القول بأن الشر نقص في الخير، أو أنه نتيجة لحرية الإنسان، أو أنه جزء من نظام أكبر يحقق خيرًا أعظم، أو أنه ابتلاء في الدنيا يعقبه عدل كامل في الآخرة.
ولهذا فإن وجود الشر لا يحسم وحده مسألة وجود الله أو عدمه، بل يبقى موضوعًا فلسفيًا عميقًا يحتاج إلى النظر في طبيعة الإنسان، ومعنى الحرية، وحدود المعرفة البشرية، وفكرة الحكمة والعدل.



#محمد_ابراهيم_عرفة (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- قصة قصيرة: حب تحت أضواء باريس
- من هو فرانسيس بيكون ؟
- مفهوم «موت الإله» عند نيتشه: بين انهيار الحقيقة المطلقة وبدا ...
- كشف النقاب عن مقولة صحة كل ما ورد في صحيح البخاري
- فلسفة ديفيد هيوم نحو العالم الأخروي
- الاستقراء: تعريفه، أنواعه، وإشكالاته المنطقية
- قراءة نقدية لمقولة شيشرون: -سقراط أنزل الفلسفة من السماء إلى ...
- قراءة في كتاب النفس لارسطو طاليس
- وقعة الحرة سنة 63ه: الأسباب والأحداث والنتائج
- علم المنطق في الفلسفة الإسلامية
- خال المؤمنين بين الحقيقة التاريخية والاستعمال المذهبي
- بيانُ الحقائق من الأكاذيب في سيرة عمر بن الخطاب
- حدود العقل ومجال الوحي عند أبي سليمان السجستاني
- عقوبة شرب الخمر بين الحدّ والتعزير: قراءة نقدية في ضوء الروا ...
- نقد تاريخى للعقوبات في الإسلام
- لماذا ينتقص دعاة السلفية من المسيحية والمسيحيين
- محمد ناصر الدين الألباني بين الجدل الفقهي والنقد الفكري
- اضطراب أدلة الإجماع عند الأصوليين
- جهل علماء التفسير بعلم التاريخ (ذو القرنين نموذجًا)
- أبو إسحاق الحويني بين التشدد وصناعة العقل السلفي المغلق


المزيد.....




- أنور قرقاش يعلق على تطورات مضيق هرمز: تكريس وقائع جديدة -يزر ...
- أمطار موسمية تغرق شوارع مومباي وتعطل حركة السفر
- ياسين بونو يكشف سبب مشاكل المغرب في الشوط الأول أمام هايتي
- روبيو يزور البحرين سعيا لحشد دعم خليجي لاتفاق إيران
- مئات الضحايا بين قتلى وجرحى في زلزال فنزويلا المزدوج
- عودة الأسطورة.. -فولغا- تطرح 3 طرازات جديدة في السوق الروسية ...
- تحقيق أوروبي بسبب -غرفة سرية- مع زيلينسكي وقادة أوروبا -خلف ...
- هل تلتئم أذن البقرة؟.. نبوءة النهاية تشعل الضجيج في إسرائيل ...
- آخر صوت في الهاتف المكسور.. عائلات غزة تطارد ذكريات أحبتها ت ...
- ما الذي تغير بكينيا في ذكرى احتجاجات -جيل زد-؟.. الإجابة في ...


المزيد.....

- أحمد رباص / كتاب هيغل :قراءة جماعية جديدة في "فينومينولوجيا الروح"
- الوعي كمشكلة في علم نفس السلوك .تأليف: S.L. فيجوتسكي .الاتحا ... / عبدالرؤوف بطيخ
- الفينومينولوجيا الهوسرلية النظرية والمنهاج / احسان طالب
- تحليل نظرية روزا هارتموت النقدية في علم الاجتماع / علي حمدان
- -الدولة الأخلاقية- تفكيك ظاهرة المدنية والتمدن / احسان طالب
- جدوى الفلسفة، لماذا نمارس الفلسفة؟ / إحسان طالب
- ناموس المعالي ومعيار تهافت الغزالي / علاء سامي
- كتاب العرائس / المولى ابي سعيد حبيب الله
- تراجيديا العقل / عمار التميمي
- وحدة الوجود بين الفلسفة والتصوف / عائد ماجد


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع - محمد ابراهيم عرفة - معضلة الشر: نشأتها وتطورها والردود الفلسفية عليها