أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني - محمد ابراهيم عرفة - عقوبة شرب الخمر بين الحدّ والتعزير: قراءة نقدية في ضوء الروايات التاريخية














المزيد.....

عقوبة شرب الخمر بين الحدّ والتعزير: قراءة نقدية في ضوء الروايات التاريخية


محمد ابراهيم عرفة

الحوار المتمدن-العدد: 8712 - 2026 / 5 / 21 - 13:47
المحور: العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني
    


المقدمة
تُعدّ مسألة عقوبة شرب الخمر من القضايا التي شاع في التراث الفقهي اعتبارها من “الحدود الشرعية” الثابتة، إلا أن النظر المتأمل في الروايات الحديثية والتطبيقات التاريخية يكشف صورة أكثر تعقيدًا؛ إذ نجد اختلافًا واضحًا في كيفية تنفيذ العقوبة وعدد الجلدات وأدوات الضرب، مما يثير تساؤلًا مهمًا: هل كانت عقوبة شرب الخمر حدًّا ثابتًا بوحي ملزم، أم كانت عقوبة تعزيرية مرتبطة باجتهاد السلطة السياسية وظروف المجتمع؟
اختلاف الروايات يدل على عدم وجود حد ثابت
إذا رجعنا إلى كتب الحديث نجد أن تطبيق عقوبة شرب الخمر لم يكن على صورة واحدة ثابتة، بل وردت بأشكال متعددة.
ففي صحيح مسلم عن أنس بن مالك رضي الله عنه:
«أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ أُتِيَ بِرَجُلٍ قَدْ شَرِبَ الْخَمْرَ، فَجَلَدَهُ بِجَرِيدَةٍ نَحْوَ أَرْبَعِينَ».
وفي رواية أخرى عن السائب بن يزيد قال:
«كُنَّا نُؤتَى بالشَّارِبِ على عهدِ رسولِ اللهِ ﷺ وإمرةِ أبي بكرٍ وصدرًا من خلافةِ عمرَ، فنقومُ إليه بأيدينا ونعالِنا وأرديتِنا، حتى كان آخرُ إمرةِ عمرَ، فجلد أربعين، حتى إذا عتوا وفسقوا جلد ثمانين». رواه البخاري.
وقد أخرج مسلم عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه أنه قال:
«جلد النبي ﷺ أربعين، وأبو بكر أربعين، وعمر ثمانين، وكلٌّ سنّة».
فهذه الروايات تكشف عدة أمور مهمة:
أن العقوبة لم تكن بطريقة واحدة محددة.
وأن أدوات العقوبة اختلفت؛ فمرة كانت بالجريد، ومرة بالأيدي والنعال والأردية.
وأن عدد الجلدات نفسه لم يكن ثابتًا؛ إذ بقي أربعين في عهد النبي ﷺ وأبي بكر، ثم غيّره عمر إلى ثمانين عندما رأى تفشي الظاهرة.
ولو كانت العقوبة حدًّا شرعيًا ثابتًا كحد الزنا أو السرقة لما جاز تغيير عددها أو طريقة تنفيذها؛ لأن الحدود في التصور الفقهي التقليدي تقوم على التوقيف والثبات، لا على الاجتهاد والتقدير السياسي.
اجتهاد عمر يؤكد الطبيعة التعزيرية للعقوبة
إن رفع عمر بن الخطاب للعقوبة من أربعين إلى ثمانين يُظهر بوضوح أن الأمر كان خاضعًا لاجتهاد الحاكم ومصلحة المجتمع، لا لنص تعبدي ثابت لا يقبل التغيير.
فالرواية نفسها تقول:
«حتى إذا عتوا وفسقوا جلد ثمانين».
أي أن عمر رأى أن العقوبة السابقة لم تعد رادعة، فقام بتغليظها باعتباره خليفةً ورئيسًا للدولة، وهو ما ينسجم مع مفهوم “التعزير” في الفقه الإسلامي؛ أي العقوبات التي يقدّرها الحاكم بحسب المصلحة العامة.
أما الحدود الشرعية الثابتة فلا يملك الحاكم زيادتها أو إنقاصها.
هل نصّ القرآن على عقوبة دنيوية للخمر؟
اللافت أيضًا أن القرآن الكريم — رغم تحريمه للخمر — لم يذكر عقوبة دنيوية محددة لشاربها، بخلاف السرقة مثلًا التي نصّ فيها على قطع اليد.
فكل ما ورد في القرآن هو التحريم وبيان الأضرار الأخلاقية والاجتماعية للخمر، مثل قوله تعالى:
{إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالأَنْصَابُ وَالأَزْلاَمُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ}.
أما تحديد العقوبة وكيفيتها فلم يرد فيه نص قرآني صريح.
وهذا يعزز فكرة أن العقوبة كانت إجراءً سياسيًا واجتماعيًا اتخذته الدولة الإسلامية الأولى لحماية النظام العام، لا حدًّا تعبديًا ثابتًا واجب التطبيق في كل زمان ومكان.
الدولة الحديثة وفكرة الضرر
إذا كانت عقوبة شرب الخمر قد ارتبطت باجتهاد السلطة وظروف المجتمع، فإن من حق الدول الحديثة أيضًا أن تنظّم هذه المسألة وفق معيار “الضرر”.
فقد يرى البعض أن وظيفة الدولة ليست معاقبة الأفراد على أفعال شخصية لا تتعدى ضررها إلى الآخرين، وإنما تتدخل فقط حين يتحول الفعل إلى اعتداء اجتماعي، مثل:
القيادة تحت تأثير الخمر،
أو التسبب في العنف،
أو الإضرار بالناس والممتلكات.
وعليه، يمكن القول إن تجريم شرب الخمر في ذاته ليس أمرًا حتميًا دينيًا بنص قطعي، بل هو اجتهاد سياسي قابل للتغيير بحسب الزمان والمجتمع والمصلحة العامة.
الخاتمة
إن دراسة الروايات المتعلقة بعقوبة شرب الخمر تكشف بوضوح أن التطبيق التاريخي لم يكن ثابتًا على صورة واحدة، بل شهد اختلافًا في العدد والكيفية وأدوات التنفيذ، كما شهد تدخلًا اجتهاديًا واضحًا من عمر بن الخطاب. وهذا كله يفتح الباب أمام قراءة ترى أن العقوبة كانت تعزيرية وسياسية أكثر من كونها حدًّا إلهيًا ثابتًا، وأن للدولة حق تنظيم هذه القضية وفق ما تراه محققًا للمصلحة ودافعًا للضرر.



#محمد_ابراهيم_عرفة (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- نقد تاريخى للعقوبات في الإسلام
- لماذا ينتقص دعاة السلفية من المسيحية والمسيحيين
- محمد ناصر الدين الألباني بين الجدل الفقهي والنقد الفكري
- اضطراب أدلة الإجماع عند الأصوليين
- جهل علماء التفسير بعلم التاريخ (ذو القرنين نموذجًا)
- أبو إسحاق الحويني بين التشدد وصناعة العقل السلفي المغلق
- نظرات إلى اللاهوت الاسلامى : أدلة وجود الله قراءة نقدية
- السفسطائية: رحلة في فكر معلمي البيان الذين غيروا مسار الفلسف ...
- أهم المسائل التي انتقدها أبو حامد الغزالي على الفلاسفة
- عدم صلاحية الإسلام التقليدي لعصرنا
- إنكار النبوات فى الفلسفة الإسلامية
- حكم المثلية الجنسية في الاسلام قراءة معاصرة الجزء الثاني
- الميتافزيقا عند أرسطو الجزء الثاني
- عملية الانجاب عند المعلم الأول ارسطو
- هجوم على فيلم السلم والثعبان
- الميتافزيقا عند أرسطو الجزء الاول
- حكم المثلية الجنسية بين الرجال في الاسلام قراءة معاصرة.
- عؤرة الرجل في الاسلام قراءة في التراث
- الفن القصصى فى القرآن قراءة معاصرة
- لماذا يضطهد الخطاب السلفى المرأة


المزيد.....




- مئات المستوطنين يقتحمون المسجد الأقصى في -عيد الأسابيع- وسط ...
- هآرتس: ملاحقة الصحفيين لن تطمس جرائم الحرب في غزة أو الإرهاب ...
- العفو العام يفجر التوازنات الطائفية في لبنان.. ماذا يحدث؟
- محكمة إسرائيلية ترفض التماسا ضد مشروع تسقيف المسجد الإبراهيم ...
- الصهيونية المسيحية
- التلفزيون الإيراني: عبور 5 ناقلات نفط عملاقة من مضيق هرمز ب ...
- بحرية حرس الثورة الإسلامية: عبرت 26 سفينة مضيق هرمز بتنسيق و ...
- بحرية حرس الثورة الإسلامية: تتم حركة الملاحة عبر مضيق هرمز ب ...
- تحذيرات من اقتحامات واسعة وإدخال قرابين إلى المسجد الأقصى
- رئيس مجلس الشورى الاسلامي محمد باقر قاليباف سيوجه رسالة إلى ...


المزيد.....

- الفقيه لي نتسناو براكتو / عبد العزيز سعدي
- الوحي الجديد / يل دونالد والش
- كتاب : حَمَّالُ أَوْجُهٍ.. الصراع الطبقي والتأويل في الإسلام ... / احمد صالح سلوم
- التواصل الحضاري ومفهوم الحداثة في قراءة النص القراني / عمار التميمي
- إله الغد / نيل دونالد والش
- في البيت مع الله / نيل دونالد والش
- محادثات مع الله - ثلاثة أجزاء / نيل دونالد والش
- محادثات مع الله للمراهقين / يل دونالد والش
- شركة مع الله / نيل دونالد والش
- صداقة مع الله / نيل دونالد والش


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني - محمد ابراهيم عرفة - عقوبة شرب الخمر بين الحدّ والتعزير: قراءة نقدية في ضوء الروايات التاريخية