أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع - محمد ابراهيم عرفة - السفسطائية: رحلة في فكر معلمي البيان الذين غيروا مسار الفلسفة اليونانية















المزيد.....

السفسطائية: رحلة في فكر معلمي البيان الذين غيروا مسار الفلسفة اليونانية


محمد ابراهيم عرفة

الحوار المتمدن-العدد: 8700 - 2026 / 5 / 7 - 01:10
المحور: الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع
    


في قلب القرن الخامس قبل الميلاد، وبينما كانت أثينا تعيش أوج تحولاتها الديمقراطية وانحلال قوالبها العقائدية القديمة، ظهر تيار فكري أحدث زلزالًا في البنية المعرفية لليونان؛ إنها «السفسطائية»، التي كانت انعطافًا تاريخيًا نقل الفلسفة من الانشغال بألغاز الطبيعة وما وراءها إلى رحاب الإنسان وقضاياه الواقعية.
لقد جاء السفسطائيون بصفة «المعلمين الأوائل»، مسلحين بقوة البيان وسحر البلاغة، ليعيدوا تعريف الحقيقة بوصفها نتاجًا لوعي الفرد وقدرته على الإقناع، لا معطىً ثابتًا ومطلقًا. في هذا المقال، نسبر أغوار هذا الفكر المثير للجدل، ونستعرض أهم رموزه وأطروحاته، محاولين استجلاء الجوانب الإيجابية التي جعلت من السفسطائية حركة تنويرية أيقظت العقل من سباته، ومنحت الفرد استقلاليته دورًا ومكانةً في صياغة واقعه فكريًا واجتماعيًا.
السفسطائية هي مذهب فكري يقوم على النسبية ويُعلي من قوة الإقناع والبلاغة، حيث يُنظر إلى الحقيقة بوصفها متغيرة تبعًا لوجهة نظر الفرد لا ثابتة مطلقة.
«السفسطائية» بين الدلالة اللغوية والتحول الفلسفي
كلمة سفسطائية مشتقة من اللفظ اليوناني «سوفيزم» (Sophisma)، وهي مأخوذة من «سوفوس» (Sophos) التي تعني «الحكيم» أو «المعلم الخبير»، وكان اللقب في البداية يطلق على الشخص الذي يتمتع بذكاء حاد أو مهارة عملية في فنون السياسة والبيان.
من هم السفسطائيون الذين غيروا وجه أثينا؟
السفسطائيون من أهم الحركات الفلسفية التي ظهرت في بلاد اليونان خلال القرن الخامس قبل الميلاد فترة ما قبل سقراط، وكانوا عبارة عن مجموعة من المعلمين الذين اشتركوا في الاهتمام باللغة والإقناع، وكانوا يتنقلون بين المدن ويقدمون دروسًا في الخطابة والمناظرة، ومن أشهرهم بروتاغوراس -وهو الأب المؤسس- وغورغياس. وقد تميزوا بأنهم أول من جعل التعليم مهنة مدفوعة الأجر في اليونان.
الشخص السفسطائي إذن هو معلم متجول يمتلك مهارات فائقة في البلاغة وفنون الإقناع، وقد اشتهر السفسطائيون بتقديم دروسهم للشباب وأبناء الطبقة الثرية مقابل أجر مالي، وكان هدفهم الأساسي هو إعداد الفرد للنجاح في الحياة السياسية والعامة عبر تعليمهم كيفية الفوز في المناظرات والجدال، بغض النظر عن كون الحجة تعبر عن الحقيقة المطلقة أم لا، مما جعلهم يُعرفون بقدرتهم على جعل «الحجة الضعيفة تبدو قوية».
ما هو الفكر السفسطائي؟ فلسفة النسبية
يقوم الفكر السفسطائي على مبدأ «النسبية»، حيث يُعتبر الإنسان مقياس كل شيء، كما قال بروتاجوراس. يرى هذا الفكر أن الحقيقة ليست مطلقة أو ثابتة، بل هي مسألة شخصية تختلف من فرد لآخر ومن مجتمع لغيره، مما أدى إلى نوع من التشكيك في القيم والأخلاق والقوانين السائدة.
وركز السفسطائيون على المنفعة العملية والقدرة على التأثير الاجتماعي والسياسي أكثر من البحث في أصل الوجود أو القوانين الكونية، معتبرين أن القدرة على الإقناع هي السلطة الحقيقية في المجتمع.
ما الفرق بين الفلاسفة والسفسطائيين؟
الهدف من البحث: الفلاسفة يسعون للوصول إلى الحقيقة المطلقة والمعرفة اليقينية، بينما يسعى السفسطائيون للنجاح العملي والقدرة على الإقناع لتحقيق مآرب شخصية وسياسية.
المقابل المادي: كان الفلاسفة (مثل سقراط) يرفضون تقاضي أجر مقابل تعليمهم، معتبرين الحقيقة ملكًا للجميع، في حين كان السفسطائيون يتقاضون أجورًا مرتفعة مقابل دروسهم.
طبيعة الحقيقة: يرى الفلاسفة أن الحقيقة موضوعية وثابتة ويجب البحث عنها، بينما يرى السفسطائيون أن الحقيقة نسبية وتتغير حسب الظروف والمصالح.
المنهج المستخدم: يعتمد الفلاسفة على المنهج الجدلي القائم على السؤال والبحث المنطقي للوصول إلى اليقين، أما السفسطائيون فيعتمدون على «الخطابة» والمغالطات اللغوية لإثبات وجهة نظرهم أيًا كانت.
الموقف من القيم: سعى الفلاسفة لترسيخ قيم أخلاقية كونية، بينما شكك السفسطائيون في ثبات القوانين والأخلاق، معتبرين أنها مجرد اصطلاحات بشرية متغيرة دورًا ومكانةً.
السياق السياسي والديني لظهور السفسطائية
ظهر السفسطائيون في وقت انحلال العقائد الدينية عند اليونان، حيث صار الفلاسفة والمفكرين يحاولون إرجاع ظواهر الطبيعة إلى أسباب علمية بعد أن كانوا يرجعونها إلى عقائد وأسباب دينية. ونقد عدد من الفلاسفة عقائد دينية مثل إكزينوفان الذي نقد آلهة أثينا، وهيراقليطس، وديمقرطيس الذي قال إن إيمان الناس يرجع إلى خوفهم من ظواهر الطبيعة، وأصبح موضوع الآلهة موضع شك.
وكان من معالم ظهورهم تطور الديمقراطية الأثينية، حيث أصبح المواطن بحاجة إلى مهارات الخطابة للدفاع عن نفسه أمام المحاكم والتأثير في المجالس الشعبية.
أهم أفكار السفسطائيين: من الشك المعرفي إلى قوة الخطاب الرمزي
ارتكز مشروع السفسطائيين على زعزعة اليقينيات الثابتة وإحلال «النسبية» محل «المطلق»، معتبرين الإدراك البشري المحرك الأول لكل حقيقة، مما جعل اللغة سلاحًا والشك
النسبية المعرفية
يُعد هذا المبدأ من أهم ما يميز السفسطائيين. فالحقيقة عندهم ليست مطلقة، بل تختلف باختلاف الأفراد وظروفهم. وقد عبَّر بروتاغوراس عن ذلك بقوله: «الإنسان مقياس كل شيء»، أي أن ما يبدو صحيحًا لشخص قد لا يكون كذلك لآخر. هذا الفكر فتح الباب أمام التساؤل حول إمكانية الوصول إلى حقيقة ثابتة.
الشك المعرفي
لم يكتفِ السفسطائيون بالنسبية، بل ذهب بعضهم إلى الشك في إمكانية المعرفة نفسها. فقد رأى غورغياس أن الحقيقة قد لا تكون موجودة أصلًا، وإن وُجدت فلا يمكن معرفتها، وإن عُرفت فلا يمكن نقلها للآخرين. هذا الموقف يُعد من أشكال الشك الفلسفي المتطرف.
قوة اللغة والخطاب
اعتبر السفسطائيون أن اللغة ليست مجرد وسيلة لنقل الحقيقة، بل أداة لصنعها. فالخطاب القوي يمكنه إقناع الناس بأي فكرة، بغض النظر عن صحتها. لذلك ركزوا على تعليم فنون البلاغة، مثل استخدام الأساليب المؤثرة، والتلاعب بالألفاظ، وبناء الحجج المقنعة.
النسبية الأخلاقية
رأى السفسطائيون أن القيم الأخلاقية ليست ثابتة، بل تختلف من مجتمع لآخر. فما يُعد خيرًا في مجتمع قد يُعد شرًا في مجتمع آخر. هذا التصور أدى إلى التشكيك في وجود قوانين أخلاقية مطلقة، وربط الأخلاق بالعادات والتقاليد.
التمييز بين الطبيعة والقانون
ناقش السفسطائيون الفرق بين ما هو طبيعي وما هو وضعي أو قانوني، ورأوا أن كثيرًا من القوانين ليست نابعة من الطبيعة، بل من اتفاقات بشرية، وبالتالي يمكن تغييرها. هذا الفكر كان له تأثير كبير في الفلسفة السياسية لاحقًا.
نقد السفسطائيين
تعرض السفسطائيون لنقد حاد من فلاسفة مثل سقراط وأفلاطون. فقد رأى سقراط أن الفلسفة تهدف إلى البحث عن الحقيقة، بينما يركز السفسطائيون على الإقناع فقط. وانتقد السفسطائيين أيضًا في مسألة أخذ الأجر من التعليم. أما أفلاطون فكان شديد الهجوم عليهم، ونقدهم كثيرًا وسخر منهم.
لماذا تعرض السفسطائيون لهجوم الفلاسفة؟
من تقييمنا الشخصي أرى أن حركة السفسطائية حركة إيجابية؛ فقد نقلت البحث الفلسفي من الميتافزيقا إلى الإنسان بعد أن كان جل البحث الفلسفى في ما وراء الطبيعة، وهي حركة أيقظت العقل من سباته العقائدي، وانتصروا لاستقلالية الفرد وحريته، ومن تداخل الحكومة والجماعة معًا. وأرى أن القدماء لم يقدِّروا هذه الحركة التقدير الذي تستحقه؛ لأنهم لم يفهمومها، ولم يدركوا المعنى العميق الذي ترمز إليه.
ما معنى حوار السفسطائي؟ فن المراء والجدل
يُعرف حوار السفسطائي بـ «الجدل» أو المراء، وهو أسلوب حواري يهدف إلى الغلبة والانتصار في المناقشة أكثر من الوصول إلى الحقيقة. ويعتمد هذا الحوار على استخدام المغالطات المنطقية، والتلاعب بالألفاظ، والقدرة على عرض نقيضين للمسألة الواحدة بنفس الكفاءة.
إعادة الاعتبار للحركة السفسطائية
في الختام، يرى كثيرون أن السفسطائية لم تكن مجرد تلاعب بالألفاظ، بل كانت صرخة استقلال للعقل البشري في مواجهة القيود العقائدية القديمة، ويمثل نقلهم البحث الفلسفي من الميتافيزيقا الغامضة إلى واقع الإنسان واحتياجاته العملية، قفزة نوعية ساهمت في تطوير الفكر السياسي والاجتماعي دورًا ومكانةً.
ورغم النقد الحاد الذي وجهه كبار الفلاسفة لهم، يبقى السفسطائيون هم من وضعوا حجر الأساس لمفهوم الفردية وحرية الفكر، مؤكدين أن الحقيقة، في كثير من الأحيان، هي ما نصنعه نحن بوعينا وقوة خطابنا



#محمد_ابراهيم_عرفة (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- أهم المسائل التي انتقدها أبو حامد الغزالي على الفلاسفة
- عدم صلاحية الإسلام التقليدي لعصرنا
- إنكار النبوات فى الفلسفة الإسلامية
- حكم المثلية الجنسية في الاسلام قراءة معاصرة الجزء الثاني
- الميتافزيقا عند أرسطو الجزء الثاني
- عملية الانجاب عند المعلم الأول ارسطو
- هجوم على فيلم السلم والثعبان
- الميتافزيقا عند أرسطو الجزء الاول
- حكم المثلية الجنسية بين الرجال في الاسلام قراءة معاصرة.
- عؤرة الرجل في الاسلام قراءة في التراث
- الفن القصصى فى القرآن قراءة معاصرة
- لماذا يضطهد الخطاب السلفى المرأة
- نقد التراث الإسلامي: مظاهر التعصب المذهبي وسدّ باب الاجتهاد
- الإسلام دين حرية ومسؤولية فردية: قراءة جديدة في النصوص
- حكم الموسيقى في الإسلام: قراءة جديدة
- من هو الفيلسوف اكسانوفان ؟
- جون ستيوارت مل ونظرته إلى الأبوية والحرية والنسوية
- هل تحترم مؤسسة. الأزهر حرية الرأي فعلًا؟ قراءة في سجلّ المصا ...
- كيف نتعامل مع السنة النبويةوالأحاديث
- فقه التكفير والجمود: قراءة نقدية في تراث ابن باز


المزيد.....




- ترامب يتوجه إلى الصين في زيارة تطغى عليها خلافات بشأن حرب إي ...
- ألمانيا ـ تقدم جديد لحزب البديل وتراجع حاد في تأييد المستشار ...
- حوار مع الرئيس إيمانويل ماكرون في ختام قمة -أفريكا فوروارد- ...
- أبرز الملفات التي تناولها ماكرون في لقاء خاص مع فرانس24
- حرب الشرق الأوسط: ما هي الخيارات المطروحة أمام ترامب بعد الر ...
- حصري: الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون يُعلّق على السياسة الفر ...
- صراع من أجل شهيق.. منع -الأكسجين- يهدد حياة الآلاف بغزة
- ويلات سدي تيمان تلاحق طفلة مسنة وحفيدتيها بغزة
- عمار العقاد للجزيرة: نخشى تعرض والدتي وشقيقتي لانتهاكات الاح ...
- زيارة ترمب للصين.. هل تُعقّد المشهد الإيراني أم تفتح باب الح ...


المزيد.....

- -الدولة الأخلاقية- تفكيك ظاهرة المدنية والتمدن / احسان طالب
- جدوى الفلسفة، لماذا نمارس الفلسفة؟ / إحسان طالب
- ناموس المعالي ومعيار تهافت الغزالي / علاء سامي
- كتاب العرائس / المولى ابي سعيد حبيب الله
- تراجيديا العقل / عمار التميمي
- وحدة الوجود بين الفلسفة والتصوف / عائد ماجد
- أسباب ودوافع السلوك الإجرامي لدى النزلاء في دائرة الإصلاح ال ... / محمد اسماعيل السراي و باسم جبار
- العقل العربي بين النهضة والردة قراءة ابستمولوجية في مأزق الو ... / حسام الدين فياض
- قصة الإنسان العراقي.. محاولة لفهم الشخصية العراقية في ضوء مف ... / محمد اسماعيل السراي
- تقديم وتلخيص كتاب " نقد العقل الجدلي" تأليف المفكر الماركسي ... / غازي الصوراني


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع - محمد ابراهيم عرفة - السفسطائية: رحلة في فكر معلمي البيان الذين غيروا مسار الفلسفة اليونانية