أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - السياسة والعلاقات الدولية - عامر عبد رسن - من هلسنكي إلى هرمز : هل تقترب المنطقة من لحظة تاريخية جديدة؟














المزيد.....

من هلسنكي إلى هرمز : هل تقترب المنطقة من لحظة تاريخية جديدة؟


عامر عبد رسن

الحوار المتمدن-العدد: 8746 - 2026 / 6 / 24 - 08:14
المحور: السياسة والعلاقات الدولية
    


في السياسة الدولية، لا تقاس أهمية المبادرات بحجم الكلمات التي تقال عنها، بل بحجم التحولات التي يمكن أن تنتجها إذا وجدت الإرادة والرؤية والقيادة القادرة على تحويل الأفكار إلى واقع.
ومن هذا المنظور، لا تبدو المبادرة السعودية الأخيرة الرامية إلى بناء إطار إقليمي جديد للعلاقات بين دول الخليج وإيران، والمستوحاة من “مسار هلسنكي” الذي أنهى عقودا من التوتر بين الشرق والغرب في أوروبا، مجرد مقترح دبلوماسي عابر، بل ربما تمثل واحدة من أهم الفرص التاريخية التي شهدتها منطقتنا منذ نهاية الحرب العراقية – الإيرانية قبل أكثر من أربعة عقود.

ومسار هلسنكي يقصد به غالبا النموذج الدبلوماسي الذي بدأ في سبعينيات القرن الماضي عبر مؤتمر الأمن والتعاون في أوروبا، وانتهى إلى وثيقة هلسنكي 1975 التي أسست لاحقا لمنظمة الأمن والتعاون في أوروبا OSCE.
فكرته الأساسية:
بدل أن تبدأ الدول المتصارعة بتسوية كل الخلافات الكبرى دفعة واحدة، يتم فتح مسار تفاوض طويل وهادئ يقوم على بناء الثقة تدريجيا حول ثلاث مرتكزات:
1. الأمن وعدم الاعتداء: احترام الحدود، السيادة، عدم استخدام القوة.
2. التعاون الاقتصادي والإنساني: التجارة، الطاقة، المواصلات، البيئة.
3. حقوق الإنسان والتواصل المجتمعي: حرية الحركة، تبادل الزيارات، الحوار الثقافي.
وأهم ما يميز مسار هلسنكي أنه لا يشترط الصداقة بين الخصوم، بل يخلق قواعد سلوك مشتركة بينهم. لذلك استخدم أثناء الحرب الباردة بين الغرب والاتحاد السوفيتي، ليس لإنهاء الصراع فورا، بل لمنع الانفجار وإدارة التنافس بقواعد واضحة.

في السياق الخليجي أو الشرق أوسطي، عندما يقال “مسار هلسنكي”، فالمقصود غالبا:
إطلاق إطار أمني إقليمي طويل الأمد بين دول الخليج وإيران والعراق وربما قوى دولية ضامنة، يقوم على عدم الاعتداء، احترام السيادة، أمن الملاحة، ضبط الوكلاء، والتعاون الاقتصادي.
بعبارة مختصرة:
مسار هلسنكي ليس اتفاق سلام سريعا، بل هندسة بطيئة للثقة بين خصوم لا يستطيعون إلغاء بعضهم ولا يحتملون حربا مفتوحة.
لقد دفعت الحروب المتلاحقة في الشرق الأوسط الجميع إلى اكتشاف حقيقة بسيطة ولكنها عميقة: لا أحد يستطيع إلغاء الآخر، ولا أحد يستطيع أن يحقق الأمن منفردا.
فإيران باقية بحكم الجغرافيا والتاريخ والديموغرافيا، ودول الخليج باقية بحكم المكانة الاقتصادية والثقل المالي والطاقة، والعراق باق بوصفه قلب المنطقة الجغرافي والجسر الطبيعي بين ضفتي الخليج والمشرق العربي.
ولهذا فإن السؤال الحقيقي لم يعد: كيف ينتصر طرف على آخر؟
بل أصبح: كيف تنتصر المنطقة على دوامة الصراع نفسها؟
إن أهمية “مسار هلسنكي الخليجي” لا تكمن في وقف التصعيد العسكري فحسب، بل في أنه يفتح الباب أمام انتقال تاريخي من منطق الصراع إلى منطق المصالح المشتركة.
لقد نجحت أوروبا بعد الحرب العالمية الثانية في تحويل ساحات المعارك إلى مناطق تجارة واستثمار وتكامل اقتصادي.
وما الذي يمنع الخليج والشرق الأوسط من أن يسلك الطريق نفسه؟
إن دول المنطقة تمتلك اليوم كل المقومات اللازمة لصناعة أكبر تكتل اقتصادي ناشئ في العالم:

* أكبر احتياطي نفطي وغازي عالمي.
* أكبر صناديق سيادية تتجاوز تريليونات الدولارات.
* ممرات التجارة العالمية الأكثر أهمية.
* أسواق استهلاكية تتجاوز 500 مليون نسمة.
* موقع جغرافي يربط آسيا بأوروبا وأفريقيا.
لكن هذه الإمكانات بقيت طوال عقود رهينة المخاوف الأمنية والحسابات الجيوسياسية.
إن نجاح مسار هلسنكي الخليجي يمكن أن يطلق مرحلة جديدة عنوانها “السلام المنتج”، حيث تصبح المصالح الاقتصادية ضمانة للاستقرار السياسي، لا مجرد نتيجة له.
وفي هذا السياق يمكن تخيل مشاريع استراتيجية عابرة للحدود كانت تبدو حتى الأمس القريب أقرب إلى الخيال منها إلى الواقع:
شبكات سكك حديد تربط الخليج بالعراق وتركيا وأوروبا.
ممرات طاقة إقليمية مشتركة.
صناديق استثمار سيادية عابرة للحدود.
مناطق صناعية مشتركة.
أسواق مالية مترابطة.
ومشاريع ضخمة في مجالات الذكاء الاصطناعي والتحول الرقمي والطاقة النظيفة.
أما العراق، فإنه قد يكون المستفيد الأكبر من هذا التحول إذا أحسن قراءة اللحظة التاريخية.
فالعراق ليس دولة حدود بين السعودية وإيران فحسب، بل هو دولة وصل بينهما.
وإذا نجحت المنطقة في بناء منظومة تعاون جديدة، فإن العراق يمتلك فرصة استثنائية للتحول إلى مركز لوجستي ومالي وتجاري يربط الخليج بالمشرق وأوروبا.
ولعل الوقت قد حان للتفكير بمشروعات إقليمية كبرى من نوع جديد:

* صندوق استثماري إقليمي للتنمية والبنية التحتية.
* شبكة نقل وسكك حديد تربط الخليج بأوروبا عبر العراق.
* سوق إقليمية للطاقة.
* مراكز بيانات وذكاء اصطناعي مشتركة.
* برامج للأمن الغذائي والمائي العابر للحدود.
إن التجربة الأوروبية تعلمنا أن الأمن الحقيقي لا يبنى بالجدران فقط، بل بالمصالح المشتركة.
فالاستثمارات المشتركة تخلق مصالح مشتركة.
والمصالح المشتركة تخلق ثقة.
والثقة تخلق استقرارا.
والاستقرار يخلق ازدهارا.
ومن هنا فإن نجاح مبادرة هلسنكي الخليجية لن يكون انتصارا للسعودية أو لإيران أو لأي دولة أخرى، بل سيكون انتصارا لفكرة جديدة طال انتظارها في الشرق الأوسط:
أن التنمية يمكن أن تكون بديلا للصراع.
وأن الجغرافيا التي فرقتنا لعقود تستطيع أن توحدنا عبر الاقتصاد.
وأن المستقبل لا يبنى على ذاكرة الحروب، بل على شجاعة صناعة السلام.
إن المنطقة تقف اليوم أمام مفترق طرق تاريخي.
إما أن تعود إلى دورات الصراع القديمة، أو أن تفتح صفحة جديدة عنوانها: “السلام من أجل التنمية”.
وإذا كانت هلسنكي قد غيرت وجه أوروبا قبل نصف قرن، فربما تكون المنطقة اليوم على موعد مع نموذجها الخاص.



#عامر_عبد_رسن (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- بعد اثني عشر عاما على سقوط الموصل وبدء عمليات التحرير: داعش ...
- العراق في قلب التحول الجيوسياسي للطاقة من رهينة هرمز إلى دول ...
- من هرمز إلى واشنطن: هل تراهن طهران على الوقت… أم على إنهاك ت ...
- بين إنهاء الأعمال العدائية ودوام التهديد: قراءة قانونية–سياس ...
- تسوية ديون شركة كورك بين منطق العدالة التصالحية ومتطلبات الس ...
- من سوق هش إلى منصة فرص: لماذا قد يصبح سوق بغداد للأوراق الما ...
- انحراف الوظيفة الاقتصادية للموازنة نحو وظيفة سياسية احتوائية ...
- حرب بلا يقين: حين تتحول حسابات التاجر إلى مأزق استراتيجي
- إيران وكلفة الصمود… وهاجس ترامب الأكبر حين يصطدم العقل الثور ...
- تمويل المشاريع الصغيرة في العراق: فرصة لتعزيز القطاع الخاص و ...
- العراق في زمن اللايقين المالي العالمي: لماذا يجب أن تسبق سيا ...
- العراق والفرصة المؤجلة: قراءة عراقية في خريطة النفط الإقليمي ...
- من الريع إلى القيمة: كيف يمكن للعراق أن يبني إستراتيجية واقع ...
- المدد الدستورية بين النص والتعطيل السياسي: مسؤولية القضاء وح ...
- العراق والسعر العادل لبرميل النفط ؛ حلول سريعة اليوم… أو قرا ...
- العراق في زمن إعادة ترتيب الإقليم كيف تحول الديمقراطية المنز ...
- العراق على حافة القرار : خطورة القرارات الفردية في زمن التحو ...
- العراق في زمن التحولات العالمية الكبرى : مسؤولية القرار في م ...
- المعادن العراقية: ثروات منسية
- الذكاء الاصطناعي والطاقة في العراق: علاقة مصيرية للجيل القاد ...


المزيد.....




- ترامب يرد على -التوبيخ الكبير- بإقرار الشيوخ لتقييد صلاحياته ...
- سلطنة عُمان تصدر بيانا يوضح المسار المؤقت بمضيق هرمز
- حدث نادر: توأمان يتزوجان توأمتين في حفل زفاف مفعم بالفرح في ...
- التضخم في أمريكا يرهق ميزانيات الأسر والانفراج لا يبدو قريبا ...
- حب البصل وعلاقته المثيرة بخفض السكري وضغط الدم
- تاياني يرشح أنطونيو كوستا ممثلا موحدا لأوروبا للحوار مع روسي ...
- خمسة فحوصات أساسية للأشخاص فوق 35 عاما
- اكتشاف جديد على تيتان وبلوتو يعزز فهم الكيمياء العضوية خارج ...
- كيم جونغ يجهز سفينة حربية ويحذر من -حافة حرب نووية-
- قناة إسرائيلية: واشنطن تقلص طائراتها العسكرية بمطار بن غوريو ...


المزيد.....

- النظام الإقليمي العربي المعاصر أمام تحديات الانكشاف والسقوط / محمد مراد
- افتتاحية مؤتمر المشترك الثقافي بين مصر والعراق: الذات الحضار ... / حاتم الجوهرى
- الجغرافيا السياسية لإدارة بايدن / مرزوق الحلالي
- أزمة الطاقة العالمية والحرب الأوكرانية.. دراسة في سياق الصرا ... / مجدى عبد الهادى
- الاداة الاقتصادية للولايات الامتحدة تجاه افريقيا في القرن ال ... / ياسر سعد السلوم
- التّعاون وضبط النفس  من أجلِ سياسةٍ أمنيّة ألمانيّة أوروبيّة ... / حامد فضل الله
- إثيوبيا انطلاقة جديدة: سيناريوات التنمية والمصالح الأجنبية / حامد فضل الله
- دور الاتحاد الأوروبي في تحقيق التعاون الدولي والإقليمي في ظل ... / بشار سلوت
- أثر العولمة على الاقتصاد في دول العالم الثالث / الاء ناصر باكير
- اطروحة جدلية التدخل والسيادة في عصر الامن المعولم / علاء هادي الحطاب


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - السياسة والعلاقات الدولية - عامر عبد رسن - من هلسنكي إلى هرمز : هل تقترب المنطقة من لحظة تاريخية جديدة؟