عامر عبد رسن
الحوار المتمدن-العدد: 8710 - 2026 / 5 / 19 - 02:37
المحور:
الادارة و الاقتصاد
لم تعد أسواق الطاقة العالمية تُدار بمنطق العرض والطلب وحده، ولا أصبحت خطوط تصدير النفط مجرد أنابيب اقتصادية تنقل الخام من الحقول إلى الموانئ. فالحرب الإيرانية الأخيرة، وما رافقها من تهديدات بإغلاق مضيق هرمز، والهجمات على البنى التحتية النفطية، وارتفاع تكاليف التأمين والشحن، كشفت أن العالم دخل مرحلة جديدة أصبحت فيها الجغرافيا السياسية هي العامل الأكثر تأثيراً في أمن الطاقة العالمي.
وفي هذا التحول البنيوي، لا يقف العراق خارج المشهد. بل على العكس، يجد نفسه اليوم في قلب معادلة إقليمية ودولية جديدة، حيث تتقاطع مصالح الطاقة، والممرات الاستراتيجية، والتحالفات الأمنية، وإعادة تشكيل خرائط التجارة العالمية.
لقد اعتاد العراق، خلال العقود الماضية، على النظر إلى النفط بوصفه مورداً مالياً أكثر من كونه أداة استراتيجية. ولذلك بقي التفكير الرسمي منصباً على حجم الإنتاج والأسعار، لا على “هندسة الممرات” و”سيادة التصدير” و”أمن التدفقات”. لكن التحولات الأخيرة أثبتت أن الدولة التي لا تمتلك تعددية في منافذ الطاقة، تبقى رهينة الجغرافيا، حتى وإن امتلكت احتياطيات نفطية هائلة.
واليوم، ومع تصاعد الحديث العالمي عن أمن الطاقة وسلاسل الإمداد، يواجه العراق فرصة تاريخية قد لا تتكرر: التحول من دولة تعتمد على منفذ تصدير واحد شبه محتكر عبر الخليج، إلى دولة تمتلك شبكة ممرات استراتيجية متعددة تربط الشرق بالغرب والشمال بالجنوب.
إن مستقبل العراق النفطي لم يعد مرتبطاً فقط بكمية ما ينتجه، بل بكيفية وصوله إلى الأسواق العالمية، وبمدى قدرته على النجاة من الصدمات الجيوسياسية القادمة.
الجغرافيا السياسية عادت لتحكم النفط
على مدى سنوات طويلة، ساد الاعتقاد بأن العولمة الاقتصادية قلّصت أثر الجغرافيا السياسية، وأن الأسواق قادرة على امتصاص الأزمات عبر أدوات التمويل والتكنولوجيا والتجارة الحرة. لكن ما جرى منذ حرب أوكرانيا، ثم التوترات المتصاعدة في الخليج والبحر الأحمر، وصولاً إلى الحرب الإيرانية الأخيرة، أثبت العكس تماماً.
فالنفط عاد ليكون رهينة الجغرافيا.
ولم يعد المستثمرون يسألون فقط عن حجم الاحتياطي أو كلفة الاستخراج، بل عن:
* أمن الممرات البحرية.
* احتمالات الحرب.
* قابلية الإمدادات للتعطل.
* مرونة خطوط الأنابيب.
* قدرة الدول على التنويع اللوجستي.
وفي هذا السياق، يصبح العراق واحداً من أكثر الدول حساسية في العالم، لأن الجزء الأكبر من صادراته النفطية يمر عبر الخليج العربي ومضيق هرمز، أي ضمن واحدة من أكثر المناطق عرضة للصراع العسكري العالمي.
إن أي إغلاق لهرمز، أو حتى مجرد تهديد مستمر للملاحة فيه، لا يعني فقط ارتفاع أسعار النفط، بل يعني عملياً تهديد قدرة العراق على تمويل دولته نفسها.
وهنا تكمن المفارقة الخطيرة:
فالعراق، رغم كونه من كبار منتجي النفط عالمياً، لا يمتلك حتى الآن منظومة تصدير متكاملة متعددة المسارات تضمن استمرارية تدفق صادراته في أوقات الأزمات.
من اقتصاد النفط إلى “سيادة الممرات”
في العقود السابقة، كانت قوة الدولة النفطية تُقاس بحجم الاحتياطي والإنتاج. أما اليوم، فإن القوة الحقيقية أصبحت تُقاس بقدرة الدولة على:
* تنويع طرق التصدير.
* تقليل الاعتماد على الممرات الخطرة.
* بناء مرونة استراتيجية.
* حماية التدفقات من الصدمات الإقليمية.
وهذا يعني أن العراق بحاجة إلى الانتقال من عقلية “إدارة النفط” إلى عقلية “إدارة الممرات”.
فالدول الكبرى لم تعد تنظر إلى خطوط الأنابيب كمشاريع اقتصادية فقط، بل كمشاريع سيادة ونفوذ وتحالفات طويلة الأمد.
ولهذا السبب، فإن مشاريع:
* تركيا – جيهان،
* سوريا – بانياس،
* الأردن – العقبة،
ليست مجرد خطوط نقل، بل خرائط سياسية لمستقبل العراق الإقليمي.
جيهان: الممر الشمالي بين الفرصة والابتزاز
يبقى خط العراق – تركيا – جيهان واحداً من أهم الممرات الاستراتيجية الممكنة للعراق، لأنه يمنح بغداد منفذاً مباشراً إلى البحر المتوسط والأسواق الأوروبية دون المرور بالخليج.
لكن هذا الخط كشف أيضاً حجم هشاشة العراق السياسية.
فالتوقف المتكرر للصادرات عبر جيهان خلال السنوات الماضية، والخلافات القانونية والمالية بين بغداد وأربيل وأنقرة، أظهرت أن العراق لم يحوّل هذا الخط إلى مشروع سيادة وطنية مستقرة، بل تركه رهينة للتجاذبات السياسية والإقليمية.
ومع ذلك، فإن أهمية جيهان تتضاعف اليوم للأسباب التالية:
أولاً، لأن أوروبا بعد حرب أوكرانيا تبحث بصورة متزايدة عن مصادر طاقة بديلة وأكثر استقراراً.
ثانياً، لأن تركيا نفسها تسعى للتحول إلى مركز عالمي للطاقة، ما يمنح العراق فرصة تفاوضية مهمة إذا أحسن إدارتها.
ثالثاً، لأن أي اضطراب طويل في الخليج سيجعل من الممر التركي شرياناً حيوياً ليس للعراق فقط، بل للأسواق الأوروبية أيضاً.
غير أن هذا المسار يفرض على العراق إعادة تعريف علاقته مع تركيا من منظور استراتيجي بعيد عن الإدارة اليومية للأزمات.
فالعراق لا يحتاج فقط إلى إعادة تشغيل الخط، بل إلى:
* اتفاق طويل الأمد.
* حماية قانونية وسيادية.
* استثمارات في الطاقة والخزن.
* تكامل لوجستي وصناعي.
* وربط المشروع بمصالح متبادلة تمنع استخدامه كورقة ضغط سياسية.
إن أكبر خطأ يمكن أن يرتكبه العراق هو التعامل مع جيهان بوصفه “خياراً مؤقتاً”، بينما العالم يتعامل معه كجزء من إعادة تشكيل أمن الطاقة الأوروبي.
بانياس: الممر المستحيل الذي عاد ممكناً
لسنوات طويلة، بدا الحديث عن إعادة إحياء خط العراق – سوريا – بانياس أشبه بطرح نظري أو حنين إلى خرائط ما قبل الحروب.
لكن التحولات الإقليمية الأخيرة تعيد هذا الخيار إلى الواجهة.
فسوريا، رغم دمار الحرب، ما تزال تمتلك موقعاً جغرافياً بالغ الأهمية على المتوسط. كما أن التفاهمات الإقليمية الجديدة، وعودة بعض قنوات التواصل العربي مع دمشق، تفتح المجال تدريجياً أمام إعادة التفكير في البنى التحتية المشتركة.
إن أهمية بانياس لا تكمن فقط في كونه منفذاً إضافياً، بل في كونه:
* منفذاً أقل ارتباطاً بهرمز،
* وأقرب إلى المتوسط،
* وقادراً مستقبلاً على الارتباط بمشاريع إعادة إعمار سوريا،
* وربما التحول إلى عقدة طاقة إقليمية مشتركة.
لكن هذا الخيار يظل الأكثر تعقيداً من الناحية السياسية والأمنية.
فالعقوبات الدولية على سوريا، والوجودات العسكرية الأجنبية، والانقسام الداخلي السوري، تجعل أي مشروع من هذا النوع محفوفاً بالمخاطر.
ومع ذلك، فإن التفكير الاستراتيجي لا يُبنى على واقع اليوم فقط، بل على احتمالات العقد القادم.
فإذا كان العالم يتجه نحو إعادة تشكيل الممرات، فإن العراق لا يستطيع استبعاد أي منفذ استراتيجي محتمل، خصوصاً في ظل تزايد المخاطر في الخليج.
إن السؤال لم يعد:
“هل يمكن إعادة تفعيل بانياس؟”
بل أصبح: هل يستطيع العراق تحمّل البقاء بلا بدائل إذا انفجر الخليج؟”
العقبة: الممر الأكثر واقعية
إذا كان جيهان هو الممر الأوروبي، وبانياس هو الممر الجيوسياسي المؤجل، فإن العقبة يبدو اليوم الخيار الأكثر واقعية واستقراراً للعراق.
فالأردن يتمتع بعلاقات متوازنة إقليمياً ودولياً، كما أن ميناء العقبة يمنح العراق منفذاً آمناً نسبياً على البحر الأحمر بعيداً عن تعقيدات الخليج.
كما أن مشروع أنبوب البصرة – العقبة لا يتعلق بالنفط فقط، بل يمكن أن يتحول إلى:
* مشروع تكامل اقتصادي،
* وممر صناعي،
* ومنطقة استثمار مشتركة،
* وربط لوجستي يمتد إلى مصر والبحر المتوسط.
وتزداد أهمية هذا المشروع مع التحولات العالمية في التجارة والطاقة، حيث تسعى الدول إلى بناء “ممرات مرنة” تقلل الاعتماد على نقاط الاختناق التقليدية.
لكن العراق أخطأ سابقاً حين تعامل مع مشروع العقبة بوصفه مشروعاً سياسياً مثيراً للجدل، لا مشروع أمن اقتصادي وطني.
فالممرات الاستراتيجية لا تُبنى وفق المزاج السياسي اللحظي، بل وفق حسابات الدولة طويلة الأمد.
إن العقبة قد يكون خلال العقد القادم أحد أهم مفاتيح العراق للتحرر النسبي من الاختناق الجغرافي.
العراق كدولة عبور لا دولة استخراج فقط
المشكلة الجوهرية في التفكير النفطي العراقي أن العراق ما يزال ينظر إلى نفسه كدولة استخراج، لا كدولة عبور وطاقة متكاملة.
بينما العالم يتحول اليوم نحو مفهوم:
“الدولة العقدة”
أي الدولة التي تتحكم بالممرات، والخزن، والتكرير، والربط اللوجستي، والطاقة العابرة للحدود.
ويمتلك العراق كل المقومات لذلك:
* موقع جغرافي استثنائي،
* احتياطيات هائلة،
* ارتباط بالخليج وتركيا وسوريا والأردن،
* وإمكانية الربط مع أوروبا وآسيا.
لكن هذه الإمكانات ما تزال مبعثرة بسبب غياب الرؤية الاستراتيجية طويلة الأمد.
فالعراق لا يحتاج فقط إلى زيادة إنتاج النفط، بل إلى:
* بناء شبكة أنابيب متعددة،
* تطوير الخزن الاستراتيجي،
* إنشاء موانئ طاقة متكاملة،
* توسيع الصناعات البتروكيمياوية،
* والتحول إلى مركز إقليمي للطاقة والنقل.
ما بعد النفط: الفرصة الكبرى
المفارقة أن أخطر ما يواجه العراق ليس انخفاض أسعار النفط فقط، بل الاعتماد المفرط على مسار تصدير واحد في عالم يتجه نحو الفوضى الجيوسياسية.
فحتى لو بقي النفط مهيمناً خلال العقدين المقبلين، فإن الدول التي ستربح هي:
* الأكثر مرونة،
* والأقدر على التكيف،
* والأسرع في إعادة هندسة سلاسلها الاستراتيجية.
وهنا تكمن الفرصة العراقية.
فإذا نجح العراق في بناء منظومة تصدير متعددة الاتجاهات، فإنه لن يحمي نفسه فقط من الصدمات، بل سيعيد تعريف موقعه الإقليمي بالكامل.
وسيتحول من:
دولة قلقة على مرور صادراتها،
إلى دولة تمتلك أوراق تأثير إقليمية ودولية.
خاتمة: العراق أمام لحظة تاريخية
إن التحولات الجارية في الشرق الأوسط ليست أزمة عابرة، بل إعادة تشكيل كاملة لخريطة الطاقة العالمية.
ولم يعد السؤال:
كم سينتج العراق من النفط؟
بل:
كيف سيصل نفطه إلى العالم عندما تتغير الخرائط وتغلق الممرات وتشتعل البحار؟
لقد أثبتت الحرب الإيرانية الأخيرة أن الاستقرار في الخليج لم يعد أمراً مضموناً، وأن العالم دخل زمن “اللايقين الجيوسياسي”.
وفي هذا العالم الجديد، لا يكفي أن يمتلك العراق النفط، بل يجب أن يمتلك:
* بدائل،
* وممرات،
* وتحالفات،
* ورؤية استراتيجية طويلة الأمد.
إن جيهان، وبانياس، والعقبة ليست مجرد خطوط أنابيب.
إنها خرائط لمستقبل العراق الاقتصادي والسيادي.
وإذا أحسن العراق استثمار هذه اللحظة، فقد يتحول خلال العقد القادم من دولة ريعية تخشى الأزمات، إلى دولة محورية تصنع التوازنات الإقليمية في الطاقة والتجارة والاقتصاد.
أما إذا بقي أسيراً للتجاذبات السياسية والرؤى قصيرة المدى، فقد يجد نفسه يوماً يمتلك النفط… لكنه عاجز عن تصديره بأمان.
#عامر_عبد_رسن (هاشتاغ)
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟