أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادارة و الاقتصاد - عامر عبد رسن - انحراف الوظيفة الاقتصادية للموازنة نحو وظيفة سياسية احتوائية : قراءة في الاقتصاد العراقي بين منطق التوزيع واستحقاقات الإنتاج















المزيد.....

انحراف الوظيفة الاقتصادية للموازنة نحو وظيفة سياسية احتوائية : قراءة في الاقتصاد العراقي بين منطق التوزيع واستحقاقات الإنتاج


عامر عبد رسن

الحوار المتمدن-العدد: 8664 - 2026 / 4 / 1 - 09:10
المحور: الادارة و الاقتصاد
    


لم يعد النقاش حول الاقتصاد العراقي محصورا في مفردات مألوفة من قبيل العجز المالي، أو الفساد الإداري، أو تقلبات أسعار النفط، بل بات يتطلب النفاذ إلى مستوى أعمق من التحليل، مستوى يكشف عن طبيعة الوظيفة التي تؤديها المالية العامة داخل بنية الدولة. فالمشكلة في العراق لا تكمن فقط في محدودية الإيرادات غير النفطية، ولا حتى في سوء إدارة الموارد، بل في التحول البنيوي الذي طرأ على الموازنة العامة، حيث لم تعد أداة لتوجيه التنمية الاقتصادية، بل تحولت تدريجيا إلى وسيلة لإدارة التوازنات السياسية والاجتماعية.
هذا التحول لا يمكن فهمه خارج سياق الاقتصاد الريعي الذي يشكل الإطار الحاكم للاقتصاد العراقي. ففي الدول التي تعتمد على الموارد الطبيعية، وبالأخص النفط ، تتدفق الإيرادات إلى الدولة بشكل مباشر دون المرور عبر دورة إنتاجية داخلية ، الأمر الذي يؤدي إلى تمركز الموارد في يد السلطة التنفيذية. وبدلا من أن تكون الدولة منظما للنشاط الاقتصادي، تصبح هي الفاعل الاقتصادي الأهم، والموزع الرئيسي للدخل داخل المجتمع. وهنا يبدأ التحول الصامت في وظيفة المالية العامة.
في هذا السياق، تنتقل الموازنة العامة من كونها أداة لتخصيص الموارد بكفاءة وتحفيز النمو، إلى أداة لإعادة توزيع الريع بما يحقق استقرارا سياسيا واجتماعيا. ويظهر هذا التحول بوضوح في بنية الإنفاق العام، حيث تتجه الحصة الأكبر نحو الإنفاق التشغيلي، وخاصة الرواتب والأجور والدعم والتحويلات، مقابل تراجع واضح في الإنفاق الاستثماري المنتج. ولا يعود معيار القرار المالي قائما على العائد الاقتصادي، بل على القدرة على امتصاص الضغوط واحتواء المطالب.
إن ما يحدث في العراق يمكن توصيفه بما يمكن أن نسميه "التوازن السياسي الريعي"، وهو نمط من التفاعل بين الدولة والمجتمع يقوم على تبادل ضمني: الدولة توزع الموارد، والمجتمع يوفر درجة من الاستقرار. وفي ظل هذا التوازن، لا يكون الهدف هو تحقيق التنمية الاقتصادية بقدر ما يكون الحفاظ على الاستقرار قصير الأمد، حتى لو كان ذلك على حساب الاستدامة طويلة الأمد.
يتجسد هذا التوازن في عدد من الممارسات التي أصبحت مألوفة في السياسة المالية العراقية. فالتوسع في التوظيف الحكومي، على سبيل المثال، لم يعد مرتبطا بالحاجة الفعلية للمؤسسات، بل أصبح أداة لمعالجة البطالة وامتصاص الاحتقان الاجتماعي. وكذلك الحال بالنسبة لزيادة الرواتب والمخصصات، التي غالبا ما تأتي استجابة لضغوط سياسية أو احتجاجات شعبية، أكثر مما تأتي ضمن رؤية اقتصادية متكاملة. أما الدعم، بمختلف أشكاله، فيستخدم كوسيلة لضمان حد أدنى من الرضا الاجتماعي، حتى وإن كان ذلك يؤدي إلى تشوهات في الأسعار وإهدار الموارد.
لكن الأخطر من ذلك هو أن هذا النمط من الإدارة المالية لا يقتصر أثره على الحاضر، بل يعيد تشكيل سلوك المجتمع نفسه. فمع مرور الزمن، يتعزز الاعتماد على الدولة كمصدر رئيسي للدخل ، وتتراجع الحوافز المرتبطة بالإنتاج والعمل في القطاع الخاص. ويصبح الحصول على وظيفة حكومية هدفا بحد ذاته، ليس بسبب طبيعة العمل، بل بسبب ما توفره من أمان واستقرار.
وهكذا، يتحول الاقتصاد من اقتصاد إنتاج إلى اقتصاد انتظار.
في المقابل، تجد الدولة نفسها محاصرة بالتزامات متزايدة يصعب التراجع عنها. فكل توسع في التوظيف أو زيادة في الرواتب يتحول إلى التزام دائم، وكل دعم يمنح يصبح من الصعب سحبه دون كلفة سياسية. ومع مرور الوقت، تتضخم هذه الالتزامات إلى درجة تقيد قدرة الدولة على المناورة، وتجعل أي محاولة للإصلاح محفوفة بالمخاطر.
وهنا تتجلى المفارقة الكبرى: الموازنة التي تستخدم لتحقيق الاستقرار تصبح هي نفسها مصدرا لعدم الاستقرار على المدى الطويل. ذلك أن هذا النموذج يقوم على مورد متقلب بطبيعته، هو النفط، في حين أن النفقات التي يمولها تتسم بالثبات والتصاعد. وعندما تنخفض أسعار النفط، كما حدث في أكثر من مناسبة، تجد الدولة نفسها أمام معادلة صعبة: إما تقليص الإنفاق وما يترتب عليه من آثار اجتماعية وسياسية، أو اللجوء إلى الاقتراض واستنزاف الاحتياطيات.
إن هذا الوضع يعكس ما يمكن تسميته بـ"التوازن الريعي المغلق"، حيث تتفاعل عناصر النظام – الدولة، والمجتمع، والنخبة السياسية – في حلقة مستمرة تعيد إنتاج ذاتها. فالدولة توزع الريع، والمجتمع يطالب بالمزيد، والنخبة السياسية تدير هذا التفاعل بما يضمن بقاءها. وفي ظل هذا التوازن، يصبح من الصعب إحداث تغيير حقيقي، لأن أي إصلاح يمس مصالح أحد الأطراف يهدد استقرار المنظومة ككل.
لكن استمرار هذا التوازن ليس مضمونا إلى ما لا نهاية. فمع تزايد الضغوط السكانية، وتضخم الالتزامات المالية، وتذبذب أسعار النفط، تتزايد احتمالات الوصول إلى نقطة يصبح فيها هذا النموذج غير قابل للاستمرار. وعند هذه النقطة، لا يكون الخطر في حدوث أزمة مالية فقط، بل في ما قد يرافقها من اضطرابات اجتماعية وسياسية.
من هنا، فإن الإصلاح المطلوب لا يمكن أن يقتصر على إجراءات مالية تقنية، مثل تقليل العجز أو تحسين الجباية، رغم أهميتها. بل يتطلب إعادة نظر شاملة في وظيفة الموازنة العامة، وفي طبيعة العلاقة بين الدولة والمجتمع. فالمسألة ليست في حجم الإنفاق، بل في اتجاهه، وليست في كمية الموارد، بل في كيفية استخدامها.
إن الانتقال من موازنة احتوائية إلى موازنة إنتاجية يقتضي إعادة توجيه الإنفاق نحو الاستثمار المنتج، وتعزيز دور القطاع الخاص، وبناء قاعدة إيرادات غير نفطية. لكنه في الوقت ذاته يتطلب شجاعة سياسية لمواجهة الكلف قصيرة الأمد لهذا التحول، وإدارة ذكية للمخاطر الاجتماعية المصاحبة له.
ولعل أهم ما يجب إدراكه في هذا السياق هو أن الاقتصاد الريعي لا يصلح نفسه تلقائيا، وأن الاستمرار في إدارة الوفرة بنفس منطق إدارة الأزمة لا يؤدي إلا إلى تعميق الاختلالات. فالعراق لا يعاني من نقص في الموارد، بل من نمط في استخدامها يعيد إنتاج المشكلة بدلا من حلها.
في النهاية، يمكن القول إن التحدي الذي يواجه العراق اليوم ليس ماليا بحتا، بل هو تحد بنيوي يتعلق بكيفية إعادة توظيف المالية العامة لتكون أداة للتنمية لا مجرد وسيلة لإدارة التوازنات. وإذا لم يتم التعامل مع هذا التحدي بجدية، فإن ما يبدو اليوم توازنا مستقرا قد يتحول غدا إلى نقطة انكسار يصعب احتواؤها.
إن اللحظة الحالية، بكل ما تحمله من تحديات وفرص، تفرض ضرورة الانتقال من التفكير في إدارة الموارد إلى التفكير في إنتاجها، ومن البحث عن الاستقرار المؤقت إلى بناء استدامة حقيقية. وهذا لن يتحقق إلا عندما تستعيد الموازنة العامة وظيفتها الاقتصادية الأصلية، وتتحرر من دورها كأداة سياسية احتوائية.



#عامر_عبد_رسن (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- حرب بلا يقين: حين تتحول حسابات التاجر إلى مأزق استراتيجي
- إيران وكلفة الصمود… وهاجس ترامب الأكبر حين يصطدم العقل الثور ...
- تمويل المشاريع الصغيرة في العراق: فرصة لتعزيز القطاع الخاص و ...
- العراق في زمن اللايقين المالي العالمي: لماذا يجب أن تسبق سيا ...
- العراق والفرصة المؤجلة: قراءة عراقية في خريطة النفط الإقليمي ...
- من الريع إلى القيمة: كيف يمكن للعراق أن يبني إستراتيجية واقع ...
- المدد الدستورية بين النص والتعطيل السياسي: مسؤولية القضاء وح ...
- العراق والسعر العادل لبرميل النفط ؛ حلول سريعة اليوم… أو قرا ...
- العراق في زمن إعادة ترتيب الإقليم كيف تحول الديمقراطية المنز ...
- العراق على حافة القرار : خطورة القرارات الفردية في زمن التحو ...
- العراق في زمن التحولات العالمية الكبرى : مسؤولية القرار في م ...
- المعادن العراقية: ثروات منسية
- الذكاء الاصطناعي والطاقة في العراق: علاقة مصيرية للجيل القاد ...
- عصر اللا – نصر
- الثورة الهادئة في مفهوم الشرعية: قراءة دستورية معمّقة في قرا ...
- هيمنة البنوك الحكومية على الائتمان المالي في العراق: حقيقة ا ...
- الكاش يبتلع السياسة: كيف غذّى اكتنازُ 90 تريليون دينار فوضى ...
- خطر التصعيد الموجَّه: محاولات جرّ العراق إلى مواجهة مع إسرائ ...
- هل من الممكن رفع الكفاءة التشغيلية في وزارة النفط ؟
- العراق بين التفاؤل الدولي والواقع الهيكلي: قراءة نقدية في أر ...


المزيد.....




- هواوي الصينية تسجل نموا في الإيرادات رغم العقوبات الغربية
- أزمة الغاز.. من هم أبرز الرابحين والخاسرين؟
- مجموعة -2 بوينت زيرو- تستثمر في شركة -WHOOP-
- 3 عوامل تعزز صمود -وول ستريت- في وجه حرب إيران
- 11.3 مليار دولار إيرادات -نايكي- الفصلية
- -الإمارات دبي الوطني- يستكمل تمويلا بقيمة 2.25 مليار دولار
- برنت يحقق أفضل أداء شهري في تاريخه
- أرباح روسنفت الروسية تهبط بـ 73% في 2025
- قفزة في أسعار النفط العالمي مع استمرار التصعيد العسكري ضد إي ...
- محافظ المركزي التركي: بيع الذهب لدعم السيولة أمر طبيعي


المزيد.....

- الاقتصاد السوري: من احتكار الدولة إلى احتكار النخب تحولات هي ... / سالان مصطفى
- دولة المستثمرين ورجال الأعمال في مصر / إلهامي الميرغني
- الاقتصاد الاسلامي في ضوء القران والعقل / دجاسم الفارس
- الاقتصاد الاسلامي في ضوء القران والعقل / د. جاسم الفارس
- الاقتصاد الاسلامي في ضوء القران والعقل / دجاسم الفارس
- الاقتصاد المصري في نصف قرن.. منذ ثورة يوليو حتى نهاية الألفي ... / مجدى عبد الهادى
- الاقتصاد الإفريقي في سياق التنافس الدولي.. الواقع والآفاق / مجدى عبد الهادى
- الإشكالات التكوينية في برامج صندوق النقد المصرية.. قراءة اقت ... / مجدى عبد الهادى
- ثمن الاستبداد.. في الاقتصاد السياسي لانهيار الجنيه المصري / مجدى عبد الهادى
- تنمية الوعى الاقتصادى لطلاب مدارس التعليم الثانوى الفنى بمصر ... / محمد امين حسن عثمان


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادارة و الاقتصاد - عامر عبد رسن - انحراف الوظيفة الاقتصادية للموازنة نحو وظيفة سياسية احتوائية : قراءة في الاقتصاد العراقي بين منطق التوزيع واستحقاقات الإنتاج