عبدالرحمن مطر
كاتب وروائي، شاعر من سوريا
(Abdulrahman Matar)
الحوار المتمدن-العدد: 8741 - 2026 / 6 / 19 - 09:04
المحور:
مواضيع وابحاث سياسية
إن مقاربة قضايا بالغة الحساسية، كالتمميز والكراهية، لا يمكن النظر إليها بوصفها ترفاً ثقافياً، او تناولاً أكاديمياً، يستهدف دراسة الظواهر الاجتماعية، في بلدان قطعت أشواطاً بعيدة في الاستقرار والتنمية. ولكن طرح هذه القضية اليوم يستند الى ما يحدث في سوريا، من وقائع تدل عليها دونما تهويل أو تضخيم، او اختلاق لأحداث ومجريات، قد يرى فيها البعض مجرد وهم مبنياً على أفكار ومواقف مسبقة من السلطة. ولقد دلّت التطورات الأخيرة في الساحة السورية، على النمو المتسارع للتمييز بوصفه سلوكاً عاماً تنتهجه السلطة، بما يساهم في انتشاره كمعيار لإطلاق أحكام إشكالية، سواء أكان ذلك تجاه قضايا محددة، أو اشخاص/ جماعات فاعلة في الحياة العامة، وهذا ما يفتح الباب أمام صعود لافت لخطاب الكراهية المؤسّس على التمييز ذاته، والذي يعدّ البيئة المنتجة والمولدة له. لكن التمييز، ليس ناجماً فقط عن سياسات السلطة-أي سلطة كانت- فهو منتج فردي وذاتي، يجد مجاله الحيوي في الإرادة الجمعية التي لا تلتزم بالخطاب الأخلاقي والقانوني الذي يُفترض أنه يحصّن المجتمع من التمييز وتبعاته.
التمييز: الجمر المتوهج
في الواقع، يشكل صراع السرديات، واحداً من ملامح التمييز، وإشكالياته التي نقلت هذا الصراع من طبيعته الخفيّة، الى الخطاب المعلن الذي لم يقف عند حدود الاختلاف الطبيعي، بين سرديات الجماعات/المجتمعات الوطنية، بل إنه تجاوزها الى درجة الإنقسام داخل السردية الواحدة: سردية الثورة السورية، التي يتأسس عليها إعادة بناء الدولة الوطنية لمرحلة ما بعد سقوط النظام الأسدي الديكتاتوري. لعله من الحيوي أن يبرز هذا الصراع، ضمن أطر وآليات الحوار والنقاش العام، حيال جميع القضايا، دون استثناء. لقد مهدت مرحلة الثورة السورية، بكلفتها العالية الطريق نحو الانفتاح على الافكار والتيارات السياسية والاجتماعية – كما يُفترض - والى القبول والاعتراف بالـ "مختلف"، دون اللجوء الى أي شكل من أشكال التمييز.
الجوهري في سردية الثورة السورية، هو مسألة الحريات العامة، الكرامة، والمشاركة الواسعة في صنع القرار. ولم تكن لاسقاط الاستبداد فحسب، وإنما منظومته وآلياته السياسية والاجتماعية والاقتصادية، بكل ما تحيل إليه تلك التعبيرات من معان نظرية مرتبطة بممارسات سلطوية.
بدأت ملامح التمييز، مع دخول عسكرة الثورة، وسيطرة الفصائل تدريجياً على الخطاب العام للثورة. كان من أبرز نتائجه هو اجهاض تجربة الجيش الحر، باعتباره حاملاً لقيم الثورة، ومن ثم إضعاف بنى العمل السياسي والمجتمع المدني، وتطويق تأثيرهما في المناطق المحررة والمجال السوري العام. وقد ادى ذلك في حقيقة الى التصادم بين مشروع الثورة السورية في الدولة المدنية، والمشروعات الجهادية التي ترفض أي خطاب سياسي أو ديني لا يكون نابعاً منها.
لقد أدى ذلك الى ظهور مخاوف من استفحال ظاهرة التمييز، بين خطابي "الديني والمدني"، وبالفعل، فقد تطور لاحقاً ليشمل تصنيفات ذات طابع عرقي، وطائفي، وديني، ترك أثره الفعّال، والملموس بشدة، في جميع مفاصل الحياة السورية، مستنداً في ذلك ذرائع غير موضوعية، والى تبريرات لاتقنع أحداً، ولا تأخذ في الاعتبار التنوع الذي يعدّ تميزاً سورياً فريداً.
أهم ما يمكن وصفه به، بأنه تمييز إنقلابيّ، يهدف الى تقويض المجال العام، وإحداث تأثير جذري في معتقداته واتجاهاته، والعمل على إعادة بناء أحادي للدولة!
وإذا كان السؤال مشروعاً، عمّا إذا كانت القوى الإسلامية، قادرة على استيعاب التطورات والتحولات في سوريا، خلال "شراكة الثورة"، فإن التمييز اليوم، وصل الى درجة طالت معظم قوى الثورة، بما فيها "الاسلامية" التي كنّا ولا نزال نؤمن بحقها في إدارة الدولة وفقاً لمعطيات العمل الديمقراطي. وانتقل المعيار الجوهري في التمييز الى "مع، وضد" دون النظر الى التاريخ القريب في التجارب الوطنية التي بُنيت خلال واحدة من أشد الفترات السورية خطورة: 2011-2025. لم يكن ذلك تمييزاً سطحياً ومجحفاً فحسب، بل يمكننا النظر إليه كمعول تهديم متعمد، يهدف الى الاستفراد بالسردية الوطنية، والاستحواذ عليها، ومصادرتها، ومنع الآخرين من العمل في سياقها، بمن فيه أولئك الذين شكلت تضحياتهم جزءاً من السردية وبنيتها الأساسية.
التفتيت والانقسام الاجتماعي
لقد أدى التمييز واسع النطاق، الى اختلاق مواجهة بين التيارات السياسية والاجتماعية، بين من يدين بالولاء التام لسلطة العهد الجديد، ويرى بأنها على صواب بكل سياساتها، وبين من يأخذ مسافة من السلطة، يراقب أداءها، ويجهر بآرائه التي ينتقد فيه تلك السياسات، ويشير الى مواطن الخلل فيها، بهدف التقويم، وليس التقويض.
وإذا كان القول بأنه من حق كل طرف، وكل فرد في أن يعتقد بما يشاء، وأن يفسر لذاته، ولمجموعة انتمائه، بالصورة التي يراها معبّرة عنه، فإنه ليس من حق أحد حجب هذا " الحق " أو مصادرته، ومنعه عن الآخرين، مهما تكن الأسباب.
ما أضحى اليوم ظاهرة اجتماعية وسياسية تنذر بالخطر، هو حدّة المواجهات، التي أشرنا إليها في السابق " الخروج الى الشارع"، والاحتكام إليه، وتفويضه التصرف بما يمكن أن يعبر عن "حماية السلطة" إذا صحّ التعبير، فكان خطاب الكراهية، هو الأداة الرئيسة التي أخذت بالصعود، في مواجهة أي شكل من اشكال التعبير، ذات الطابع السلمي.
من شأن خطاب الكراهية الذي ينتشر، كما النار في الهشيم، أن يؤثر في النسيج الاجتماعي، وفي البيئة السياسية، وأن يقود الى انقسام متعدد الأوجه، أي الى التشظي، الذي يهدد الاستقرار والأمن، ويحول دون السماح بإعادة بناء الحياة السياسية، ويمنع المجتمع المدني، من بناء تجربته الوطنية، وفي القيام بواجباته في نشر الوعي خاصة فيما يتعلق بالتغيير، والتنمية، وهو يهدد بصورة مباشر أسس الهوية الوطنية، ومبادئ المواطنة، والمساواة والعدالة، وهو مسّ بالكرامة أيضاً.
لا يمكن تصوّر مبلغ التخريب الذي يمكن أن ينتج عن نمو خطاب الكراهية، وتحولاته، التي قد تصل الى توليد العنف بمظاهره المختلفة.
تهديد حرية التعبير
ولعل أبرز ضحايا التمييز وانتشار خطاب الكراهية، هي "حرية التعبير"، إذ ان تسويق المبررات والحجج التي يقوم عليها التميز، والكراهية، تستند الى الحق في حرية التعبير. لكنه حق يراد به الباطل، لأنه يقوم على مبدأ منع الآخر من ممارسة حقه في التعبير عن آرائه وأفكاره، وفي جوهرها " الموقف " من سياسات السلطة وأداء مسؤوليها، بما في ذلك الحقوق التي تمنحها لنفسها، ولمؤيديها، ومناصريها، بالتصرف في الشأن العام، دون وجه قانوني.
وتأخذ ذريعة " حرية التعبير" مسلكاً مغايراً للأسسس التي بنيت عليه تلك الحقوق في جوهرها، بما يسمح لها بالتعبير الواضح، والمعلن عن الكراهية حيال حرية التعبير التي تمثلها الاتجاهات والتيارات الأخرى في المجتمع السوري، كبيرة كانت، أم صغيرة، فردية أم جماعية، منظّمة أم غير ذلك! ولقد تطور تسويق الحجج الى ممارسة سلوكية، تستند الى الإقلال من شأن الأفكار والآراء التي تصدر عن الآخر: الغير موالي للسلطة. وفي عدم الاعتراف به، وفي حقه بالاختلاف، وتخوينه، واعتباره خارجٌ عن الإجماع الوطني، وبأنهم "أسديون فلول" كلما كان فيها التعبير يأخذ منحى "مطالب سياسية او معيشية".
لايجب استخدام القانون، لحجب حرية التعبير، ولكن استخدام القانون لمنع تلك الممارسات، هو أمرٌ واجب. تلك الاتهامات التي تصدر، عن جماعات كارهة، بدون أدلة، يمكن أن تشكّل أرضية للاحتكام الى القضاء، وليس العكس كما هو حاصل اليوم. وفي اعتقادنا أن السلطة، تسمح بازدواجية المعايير، في ممارسة الحقوق والحريات في سوريا.
نزع فتيل العنف
في ظل استمرار التغاضي عنه، وغياب المنظومة القانونية، التي تجعل من "الكراهية" جرماً جنائياً يستوجب المحاكمة. فإن استمرار "موجة الكراهية" بالتمدد، دون رادع، يهدد المصلحة العامة، وينال من هيبة الدولة وقدرتها.
ومن دون شك، لا يمكن محاسبة الأشخاص على مشاعرهم ونواياهم، خاصة فيما يتعلق بالكراهية. لكن ترك الحبل على غاربه، أمر لا يجب أن تغفل عنه السلطة أو أن تتغافل عنه، فتكون في موقع المنحاز الى الطرف الذي تستفيد فيه من موقفه ودفاعه الغير مشروط عنها، بما يخدم مشروعها في تجذير حضورها، وتدعيمه.
تتحمل السلطة، مسؤولية مباشرة فيما وصلت الحال اليه من انقسام، ومن كراهية متعددة الأوجه، ومن واجبها العمل دون إبطاء لكبح جموح مناصريها لوقف التمييز والكراهية المنظَميّن، والحيلولة دون تطورها من التنمر، والعنف اللفظي القائم حالياً، الى عنف أشدّ في حال اشتداد التجاذب السياسي والاجتماعي، وهو أمر يمكن أن تصل إليه الأمور في سوريا، في ظل الظروف الراهنة، خاصة مع السيطرة والرقابة على الإعلام، وانتشار السلاح.
يضاف الى ذلك استمرار توافر أسباب الغضب الشعبي، إزاء سياسات الحكومة برفع أسعار جبايات الدولة لخدماتها على المواطنين، ومشكلة القمح، والمحروقات في الشمال، وكذلك قضايا التسويات المريرة التي تتضاعف نتائجها العكسية، بسبب التأخر في تطبيق العدالة، وعدم محاسبة المجرمين، ومنح مجرمي الحرب، مواقع قيادية وإدارية خاصة في الجزيرة السورية.
إن نجاح السلطة في بناء الدولة الجديدة اليوم، رهن باقترابها من فهم التحولات السياسية والاجتماعية في سوريا، وفي إشراك القوى الوطنية في صنع القرار، وإدارة مواردها وفي الاستفادة منها. وهو رهنٌ أيضاً بالمساواة في الحقوق والواجبات، دون تمييز وإقصاء، أو القبول بأي تحريض على الكراهية!
#عبدالرحمن_مطر (هاشتاغ)
Abdulrahman_Matar#
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟