عبدالرحمن مطر
كاتب وروائي، شاعر من سوريا
(Abdulrahman Matar)
الحوار المتمدن-العدد: 8641 - 2026 / 3 / 9 - 20:59
المحور:
مواضيع وابحاث سياسية
على الرغم من الضربات الجوية الإسرائيلية – الأمريكية، الشديدة ضد إيران، فإنه من المبكر- حتى الآن – الحديث عن تغيير جوهري في بنية النظام الإيراني، الذي مرت الذكرى الـ47 على تأسيسه، في فبراير الماضي، دون احتفال يُذكر. لكنه شهد أول عملية تصفية كبرى وحاسمه، لكبار القادة، وفي مقدمهم آية الله علي خامنئي، المرشد الأعلى للجمهورية الإسلامية الإيرانية. لذلك مؤشرات هامة، تنطوي على مقدار الترهل والفوضى الداخلية التي وصلت إليها منظومة الحكم الديكتاتوري والاستبدادي، في دولة تسعى لدخول النادي النووي، ولعبت خلال العقود الأربعة الأخيرة دوراً متصاعداً في منطقة الشرق الأوسط.
يضاف الى ذلك تعقيدات التحدي الداخلي التي تواجهه " قم "، أمام الشعب الإيراني، ونحن هنا لا نتحدث عن معارضة سياسية منظمة، إذ أن معظمها في الخارج. بل نشير الى الانتفاضة الشعبية الأخيرة ( ديسمبر 2025)، والتي شملت جميع مدن إيران، وتضم من جميع المكونات العرقية ( القومية ) والدينية والمذهبية. يضاف إلى تحديات السياسة الامنية، والدفاعية، والسياسة الخارجية.
معطيات وملامح
هذه التطورات، تمثل حدثاً مهماً، سوف يقود نحو تغيير كبير، يتمثل بنهاية الدور الإيراني في المنطقة، والذي بدأ بالتراجع مع الضربات المدمرة التي تلقاها حزب الله وتصفية قادته في جنوب لبنان، وصولا الى تحجيم مكانته، ومواجهة تيار الدولة القاضي بمنع التسلح خارج الدولة، بضغوطات اسرائيلية- امريكية قاسية. وبذلك تكون ايران قد خسرت واحدة من أهم أدواتها في المنطقة باسرها، وجعلها عاجزة عن القيام بأي تأثير في الصراع مع "اسرائيل".
أما الضربة الثانية فقد تمثلت بالسقوط الكبير لنظام الأسد، وما نجم عن ذلك من خروج مُذّل من سوريا، ولبنان بالطبع، وهذه خسارة استراتيجية كبرى، لا يمكن تجاوز تأثيراتها التي بدأت بالظهور بشكل متتابع، وصولاً الى انكفاء وتحجيم الدور الإيراني في المنطقة العربية، باستثناء العراق، لأسباب شتى.
لكن الحرب الإسرائيلية – الإيرانية في صيف 2025، وضعت إيران أمام تحدٍّ مختلف، لاختبار قوتها العسكرية، وإن استطاعت فرض معادلة التوازن في الردع، فإنها لم تتمكن من الوصول الى عتبة التوازن الاستراتيجي، بما كانت تتحدث عنه باستمرار كقوة إقليمية تمتلك قدرات المواجهة النوعية.
في الواقع، فإن عملية " الغضب الملحمي" قد كشفت - منذ ساعاتها المبكرة - أن التفوق الأمريكي – الاسرائيلي، أمر لا نقاش فيه. نقول ذلك، لأن طهران، كانت وما تزال تتحدث عن قدرات استراتيجية، تمكنها من مواجهة أي عدوان ضدها. الأمر مختلف تماماً عما فعلته في سوريا، عبر التواجد العسكري المباشر، او في العراق ولبنان واليمن عبر وكلائها من الميليشيات التي ألزمت نفسها بتقديم المصالح الإيرانية على حساب المصالح الوطنية. كانت ضرباتها تكاد تكون بدائية تماماً – بالرغم من بشاعتها - لمقاتلين غير مؤهلين على نحو ملائم، في مواجهة مدنيين، او مجموعات عسكرية في المعارضة السورية، لا تملك قدرات نوعية، هذا كمثال.
حتى اليوم، النتائج كارثية في إيران، الضربات الجوية الامريكية - الاسرائيلية، لم تقم بتحييد القادة من الصف الأول فحسب، وإنما تمكنت من تدمير جزء هام من المرافق والبنى التحتية العسكرية، ومن مخزونها الصاروخي، وهو السلاح الوحيد الذي يمكن لطهران استخدامه، في ظل انتفاء معادل المعارك على الارض، مع شلل واضح للقوة الجوية والبحرية.
الحرب والفوضى
بنك الأهداف بالنسبة لإسرائيل واضح ومعلن، أعلن نتنياهو مراراً أنه يسعى لتدميرالبرنامج النووي الإيراني، والصاروخي، ومنعها من امتلاك اي اسلحة تهدد اسرائيل باي شكل. أما الولايات المتحدة، فإنها تضيف الى هدف تحجيم المشروع النووي والصاروخي، وإخضاعه للرقابة والإشراف الدوليين، هدفاً آخر، هو إحداث تغيير نوعي في بنية النظام الإيراني.
من الواضح، ثمة اختلاف بشأن الإطاحة بالنظام أو تغييره. تفضّل الإدارة الامريكية، عملية تغيير من الداخل، بما يقود الى تولي قيادة تدرك المطالب الامريكية، وتلتزم بها، عبر التفاوض والسبل السلمية، فيما تسعى "اسرائيل" الى تقويض النظام برمته، وخلق الفوضى التي تمكنها من جعل إيران بلداً غير ذي قوة له.
إيران: الردّ الأعمى
حتى الآن، في هذه الحرب التي قد تطول لأسابيع كما يصرح الرئيس ترامب، لم تستطع طهران إحداث اي اختراق عسكري، او أمني، في الطرفين الاسرائيلي والأمريكي. ولم تتمكن الصواريخ الإيرانية من إصابة أهداف محددة، أو إحداث ضرر مؤثر، على الرغم من مئات الصواريخ التي أمطرت بها المدن "الاسرائيلية" والقواعد والسفن الأمريكية، لكنها لم تؤد الى نتائج فعّالة، بالقياس الى النتائج التي حققتها واشنطن وتل ابيب.
ظهرت الردود الإيرانية، بوصفها عمليات انتقامية، ولكن ضد بلدان الخليج العربية: الكويت، قطر، البحرين، الإمارات، السعودية، وعُمان. بدأت باستهداف القواعد الامريكية، لكنها سرعان ما أضحت هجمات صاروخية عمياء، ضد أهداف مدنية. وهذا مادفع تلك الدول لشجب العدوان الإيراني، خاصة وأنها كانت حريصة على إبقاء علاقات ودية وحسن جوار رغم كل التهديدات والاستفزازات الإيرانية، كما انها لعبت دوراً مهماً، في الحيلولة دون استهداف إيران عسكرياً، لاسابيع عديدة، ودفعت باتجاه التفاوض، وكانت طرفاً مستضيفاً وفاعلاً فيه، مثل مسقط.
هذا الاستهداف العدواني الأرعن، يدفع بدول الخليج، للخروج عن حيادها في الصراع القائم بين الولايات المتحدة و"إسرائيل"، وأن تسعى لحماية نفسها، بالطرق التي تتناسب مع التحديات التي تفرضها الحرب في المنطقة. وهو ما قد يفتح الباب أمام تطور مختلف في العلاقات مع إيران، في ظل تطورات الحرب، وربما انكسار إيران، وتغير نظامها السياسي، قد يدفع باتجاه تصويب الوضع الاستراتيجي في منطقة الخليج العرب، والمطالبة باستعادة الجزر الاماراتية، او الحكم الذاتي لإقليم الأحواز.
غير بعيد عن ذلك، وكما في كل مرة، تعمل طهران على تحريك ادواتها في المنطقة العربية، بهدف توسيع رقعة الحرب، بما تعتقد انه قد يخفف ضغط الضربات الجوية التي تتلقاها، دون أن تفكر جدياً في اختلاف المعطيات، وفي قراءة موازين القوى، وبالتالي النتائج التي تترتب على ذلك.
إن قيام حزب الله اللبناني، بإطلاق رشقات صاروخية، ليس لها أي قيمة عسكرية، باتجاه الشمال الفلسطيني المحتل، قدم ذريعة لقيام إسرائيل بتنفيذ ضربات جوية موجعة، ضد أهداف في جنوب لبنان، وفي تعريض حياة عشرات الآلاف من المدنيين لمخاطر الموت والتهجير، ودمار البيوت والقرى، والبنى التحتية. وبالتالي فإن ذلك يؤدي الى نتائج معكوسة، ومن هنا نفهم موقف الدولة اللبنانية، في بسط سيطرتها على كامل الأراضي، وفي منع حيازة السلاح، خارج الدولة، بما يؤدي الى حماية المواطنين اللبنانيين.
ما التالي ؟
على الرغم من وضوح الأهداف، فإن الغموض يسيطر على المواقف المعلنة من قبل جميع الاطراف. حتى اليوم، لاتوجد هناك أية أدلة على النتائج المترتبة عن الضربات الجوية ضد طهران. باستثناء مانشرته القيادة المركزية الأمريكية لاستهداف مقر خامنئي، بعد ساعات من إعلان ايران مقتله. ثمة تكتم واضح على نتائج الضربات المتبادلة من قبل تل ابيب وواشنطن، وكذلك طهران، في ظل انقطاع الانترنت، وفي حجب أي معلومات تخص سير العمليات العسكرية.
إلا ان الثابت حتى اليوم، أن خيار التفاوض ليس مطروحاً قبل أن يحدث تغيير في موقف القيادة الإيرانية التي تولت إدارة الدولة بعد اغتيال الخامنئي. وذلك على الرغم من الرسائل المتبادلة، ومن ثم نفي ذلك، بانتظار ما سوف تسفر عنه الضربات الجوية، أو في حال الوصول الى لحظة فاصلة تجبر الجميع، على منح التفاوض فرصة من اجل السلام.
غير أنه في كل الأحوال، لقد أدت سياسات إيران الى تراجع التهديد الأمني لـ " إسرائيل "، كما لم يعد لديها تلك الأذرع السياسية والامنية والعسكرية، في منطقة الشرق الأوسط، باستثناء العراق. لقد بددتها طهران، بسبب سياساتها العدوانية تجاه شعوب المنطقة، ونتيجة لسياسة القمع والترهيب التي مارستها- ولاتزال - ضد الشعب الإيراني الذي يتطلع اليوم نحو تغيير بنيوي شامل، يقود الى الحرية والديمقراطية والسلام.
#عبدالرحمن_مطر (هاشتاغ)
Abdulrahman_Matar#
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟