أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - عبدالرحمن مطر - سوريا: احتكار بناء الدولة















المزيد.....

سوريا: احتكار بناء الدولة


عبدالرحمن مطر
كاتب وروائي، شاعر من سوريا

(Abdulrahman Matar)


الحوار المتمدن-العدد: 8697 - 2026 / 5 / 4 - 06:47
المحور: مواضيع وابحاث سياسية
    


يحيلنا الحراك الواسع في سوريا، الى الإعتقاد بأن "الدولة"، في ظل الأزمات المعقدة، مقبلة على تحولات نوعية قريباً، لا تُعرف ملامحها على نحو يقين، لكن كثيراً من المؤشرات تدلّ عليها، متمثلة بسعي السلطة نحو ترسيخ مشروعها، عبر استراتيجية لا تضمن لها الاستمرار فحسب، وإنما في توليد آليات السيطرة التي تمكنها من إدارة الانتقال، عبر الأفكار والرؤى التي ترى فيها – من زوايتها هي - السبيل الأفضل، باستخدام المؤسسات الدستورية والشرعية، ومن ثم العمل لانتاج عقد اجتماعي ذي تماهٍ مع سلطة القوة القائمة، ومعبّرٍ عنها، دون أن يكون لقوى المجتمع المغايرة، أي دور فعّال وحقيقي في ذلك، حتى وإن استُغلّ "مجلس الشعب"، بوصفه منبر التشريع الوطني - وليس مصدر السلطة - لخدمة هذا الاتجاه، أي احتكار بناء الدولة السورية الجديدة. وهو ما يشكل دافعاً لإعمال التفكير حيال المستقبل، الذي تأخذ فيه السلطة دوراً متفرداً في صياغته.

أزمة، أم تحولات؟
قبيل إقرار القوانين، والتعديلات المقترحة بشأن إصلاح القضاء السوري، وهي الخطوة الموضوعية، في بلد خارج من "الاستبداد والحرب" مثل سوريا، شهدت البلاد مؤخراً، ما يشبه موجة اعتقالٍ، وبدء محاكمات لعدد من عناصر ورموز النظام الأسدي البائد. وفي الواقع فإن أول تساؤل يطرح نفسه هو عن "التوقيت الحرج" الذي أُطلقَ فيه هذا الإجراء دون أي مقدمات من قبل السلطات المعنية. لا يملك أحدٌ من خارج "نواة السلطة" أي جواب كافٍ، غير أن التكهنات، تبدو منطقية للغاية، بما فيها تلك التي تجنح للتبرير، أو التشكيك، بأنها تشكل استجابة للمطالب العامة بالعدالة الانتقالية.
لكن الذي لاجدال فيه، أن الخطوة جاءت في وقت بلغت فيه الاحتجاجات مرحلة تشير إلى أزمة حقيقية، تمثل اختباراً صعباً أمام الجمهور، وقد تتالت الأحداث منذ استعادة " البويضاني" بما يمثله من قاعدة شعبية وثقل عسكري، في ريف دمشق، في وقت تظهر فيه الحاجة الماسة، لتذويب الأجنحة والفصائل العسكرية في إطار وزارة الدفاع، وأن تحظى الأخيرة- بالفعل - بقوة " القرار، وإدارة القوى العسكرية" دون عوائق، كما هو الحال.
لا شئ في الواقع، محض صدفة، في ظل أي منظومة سياسية وأمنية حاكمة، ولاشك أيضاً في أن وزارتي الداخلية والعدل، تعملان بجهود استثنائية لجلب المتهمين بارتكاب الجرائم، الى المحاكم. لكن القبض على جزّارالتضامن "امجد يوسف" بالصورة التي جرت، يعزز فرضية استباق الاعتصامات التي دُعي إليها ذلك اليوم في حلب والرقة، ومدن أخرى، ليشكل "الاعتقال" تحشيداً وطنياً واسعاً لصالح السلطة، وإجهاضاً لحركات الإحتجاج المطلبي، في الوقت نفسه. الأمر ذاته، فيما يتصل بمحاكمة عاطف نجيب، برغم كل الملاحظات التنظيمية والقانونية، التي شابت تلك الجلسة. أي أن السلطة اتجهت نحو الاستحواذ على الفضاء العام، تعطيلاً لنهج "الشارع مقابل شارع"!

التحكم في الفضاء العام
يمثل التسريب المنتظم لتسجيلات "صيدنايا ومشفى تشرين" تطوراً آخر، بقدر الأهمية التي ينطوي عليها، في تعزيز سردية الإجرام الأسدي، فإنها تقود بالضرورة الى مزيد من تحريك الشارع لجهة التشدد، ليس في محاسبة المجرمين فحسب، وإنما أيضاً في تصليب سياسات السلطة، وشدّ إزرها، وتعويمها والدفاع عنها، وأيضاً فتح المجال واسعاً لتحميل مجتمعات سورية بعينها، وزر جرائم النظام البائد، وهو ما يتوجب ان نعمل على خفض التصعيد فيه، ما أمكن حفاظاً على الاستقرار الوليد، والهشّ بطبيعة الحال داخل البلاد، و الحيلولة دون استغلالها للنيل من أي فئة، او جماعة سورية.
إن ما يجري، هو - أيضاً - عملية أمنية وسياسية، تهدف للتحكم في المجال العام، تنتهجها السلطة. يبدو الإرباك واضحاً حيال التوترات الناجمة عن الاحتجاجات، وعن مواجهتها عبر العنف اللفظي، والكراهية السياسية. ومن الجليّ أن القدرة على كبح "الموالين" تبدو محدودة، لذلك فإن تلك التسريبات، والمحاكمات والاعتقالات، تشكل أداة مناسبة في الوقت الحالي، لتأطير قوى الشارع السوري، والتأثير به، وتوجيهه أيضاً. هي أدواتٌ، لا يتوجب استخدامها لأغراض سياسية.
إن الفضاء العام تشاركي، ويعدّ الاستيلاء عليه أو مصادرته، أو تحريمه على السوري " الآخر"، هو انتهاك لحقوق المجتمع، وحمايتها هي جزء من واجبات السلطة، وليس من مصلحتها أن تتحول الى طرف مغذٍّ لجمر الأزمات.

خارطة طريق
هل يبدو ما نقول تكراراً لما هو متداول؟ ربما هو كذلك. مناقشتنا لاتستهدف الإقلال من الجهود المبذولة، أو النيل من السردية الوطنية المتصلة بالجرائم المهولة التي حدثت في سوريا خلال نصف قرن مضى. لكنها محاولة للتفكيك وللفهم أكثر، بما يقود الى المساهمة في تمكين قوى المجتمع من الانخراط المعرفي بإدارة المرحلة الانتقالية، وأن تفرض حضورها ومساهمتها الطبيعية في حماية مشروع إعادة بناء الدولة، لما بعد الديكتاتورية الأسدية.
وإذا كانت مسألة السرديات، تبرز كواحدة من مشكلاتنا القائمة، حيث كل طرف يريد دحض سرديةٍ، بما يعزز روايته، في ظل القلق المعاش، فإنها تتبدى بمثابة امتحان كبير للسلطة، والتي يقع على عاتقها مسؤولية الشراكة، في حماية المجتمع من التفكك الذي يقود الى مزيد من الانقسام، طالما أن مشروع إعادة بناء الدولة يفتقد الى أهم أعمدته: الحوار والمشاركة الشاملة. وأجدني هنا أستعين بمقولة الباحث في علم الاجتماع الدكتور عبدالرحمن الحاج بأن " الفشل في بناء سردية مشتركة خطير، لأنه يؤدي إلى نشوء سرديات مضادة تهدد شرعية الكيان كله. بناء السردية الوطنية يتطلب استيعاب السرديات الفرعية، وبناء توافق تفاوضي على السردية العامة". وأضيف على ذلك، أهمية الاعتراف بها، كشرط لاستيعابها.
في السياق ذاته، يمكن للسلطة أن تساهم في امتصاص الاحتقان والغضب، عبر تشجيع المجتمع المدني على تنظيم نفسه، وتفعيل النقاش العام، وأن تكون السلطة جزءاً منه، لا مسؤولة عنه، او مشرفة عليه، وأن تستمع بجديّة الى الأصوات الناقدة، والمعارضة. هذا يفتح المجال واسعاً لإحداث تغيير نوعي في المزاج العام، ويمنح إحساساً بالمشاركة، وبالإعتراف بـ "المختلف" والقبول به. تجربة يمكن تطويرها والاستفادة منها في حل الإشكاليات الوطنية، وفي الاقتراب أكثر من نبض الشارع.
لعله من الواجب هو التوقف عن توظيف الإعلام ، كما هو الحال، والحفاظ على سرية التحقيقات، والامتناع عن تسريبات "الإعتراف" بما لا يثير "السرديات المتعددة" وبالتالي التأثير على مجرى العدالة. وأن تعمل السلطة جدياً لاعتماد الشفافية في إدارة المؤسسات، وفي طرح سياساتها العامة، والتي لا تزال تتسم بالغموض بما في ذلك التحكم بالفضاء العام، كما أشرنا، خاصة في ظل وجود معارضة منهكة ومتعبة ومشتتة، لا تملك أي مشروع بديل حتى الآن، ولاتوجد قوى سياسية ذات تيارات فاعلة. ما هو قائم هو جماعات، تلتقي حول افكار عامة تتمثل بمفاهيم "الديمقراطية، المواطنة، والدولة المدنية"، يتطلع اليها المجتمع السوري، بانتظار استعادة الحياة السياسية المأمولة، بعد مايزيد على نصف قرن من الديكتاتورية، والقمع، وخمسة عشر عاماً من التضحيات الجسام.
إن إعادة بناء سوريا الجديدة، يحتاج الى جهد جماعي ، بدءاً بإطلاق حوار وطني جديد، ومشاركة المجتمع الواسعة، بدون استثناء، وهذا يتطلب إرادة سياسية من السلطة، ومجتمع مدني نشيط.



#عبدالرحمن_مطر (هاشتاغ)       Abdulrahman_Matar#          


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- سوريا: العزل السياسي وتحدياته
- حريات مقيدة، وثقة مفتقدة!
- احتجاجات في ذكرى الثورة السورية تحديات وإشكاليات في بناء الد ...
- إيران بعد خامنئي: بداية الإنكسار الكبير، أم إعادة تموضع للنظ ...
- تنظيم قسد: من السطوة الى المصير المرّ
- عام على سقوط الأسدية: صراع الشرعية بين الولاءات وتحدي بناء س ...
- قسد وداعش: أدوار متبادلة في سوريا الجديدة
- غزّة: التطبيع العربي والتضامن العالمي!
- انتفاضة ضد الأسد وقسد
- زلزال تركيا – سوريا: تجاهل وعجز دولي في الشمال السوري
- سجينة طهران.. شجاعة الإنعتاق من الخوف
- قماش أسود: حكاية الروح المتعبة
- الناتو في الشمال السوري
- طاغية الشرّ المطلق: بوتين من سوريا الى أوكرانيا
- الثورة السورية: الخوف والحرية
- سعيد مطر، صحافي في ذاكرة الأصدقاء
- صفيرُ الحلم
- أدب السجون والنقد المفتقد
- عام على رحيل المناضل منصور أتاسي: القيمة والمكانة المفتقدة
- أدب السجون


المزيد.....




- ترامب يتوجه إلى الصين في زيارة تطغى عليها خلافات بشأن حرب إي ...
- ألمانيا ـ تقدم جديد لحزب البديل وتراجع حاد في تأييد المستشار ...
- حوار مع الرئيس إيمانويل ماكرون في ختام قمة -أفريكا فوروارد- ...
- أبرز الملفات التي تناولها ماكرون في لقاء خاص مع فرانس24
- حرب الشرق الأوسط: ما هي الخيارات المطروحة أمام ترامب بعد الر ...
- حصري: الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون يُعلّق على السياسة الفر ...
- صراع من أجل شهيق.. منع -الأكسجين- يهدد حياة الآلاف بغزة
- ويلات سدي تيمان تلاحق طفلة مسنة وحفيدتيها بغزة
- عمار العقاد للجزيرة: نخشى تعرض والدتي وشقيقتي لانتهاكات الاح ...
- زيارة ترمب للصين.. هل تُعقّد المشهد الإيراني أم تفتح باب الح ...


المزيد.....

- صدى دولي لكتاباتي: من إحدى أبرز مفكرات اليسار الإيطالي إلى أ ... / رزكار عقراوي
- كتاب : جينات التراب وأساطير السماء: قراءة في علم الآثار، وال ... / احمد صالح سلوم
- الإضرابات العمالية في العراق: محاولة للتذكير! / شاكر الناصري
- كتاب : ميناب لا تبكي وحدها.. الهمجية المكشوفة: تفكيك العقلية ... / احمد صالح سلوم
- k/vdm hgjydv hg-;-gdm / أمين أحمد ثابت
- كتاب : حَمَّالُ أَوْجُه..الصراع الطبقي والتأويل في الإسلام / احمد صالح سلوم
- كتابات غير.. ساخرة / حسين جداونه
- يخطف أبصارهم ـ ومضات قصصية / حسين جداونه
- جزيرة الغاز القطري : مملكة الأفيون العقلي " إمبراطورية ا ... / احمد صالح سلوم
- مقالات في الثورة السورية / عمر سعد الشيباني


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - عبدالرحمن مطر - سوريا: احتكار بناء الدولة