فراس الوائلي
الحوار المتمدن-العدد: 8738 - 2026 / 6 / 16 - 00:51
المحور:
الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع
منذ أقدم ارتعاشة في الوعي والإنسان يصغي إلى نداء يتقدم خطاه.
كلما اقترب من غاية انفتح أمامه أفق.
وكلما اتسعت الرؤية أحس أن شيئًا ما يزال يلوح وراءها.
كأن في أعماقه معرفة تتعرف إلى شيء يسبقه.
هناك تبدأ الحكاية.
كان الوجود كاملًا.
والكمال وفرة.
البحر لا يحتفظ بموجه.
والسماء لا تكتفي بنجومها.
والضوء يمضي أبعد من الموضع الذي أشرق فيه.
وفي عمق هذا الاكتمال تحرك سر هادئ.
سر يمر في الأشياء دون أن يُرى.
يوقظ في الصورة شوقها إلى صورة أخرى.
ويترك في الضوء ميلًا إلى أفق أبعد.
الإمكان.
وفي حضرته قامت المرآة الأولى.
مرآة لم تحفظ ما كان.
مرآة اتسعت لما يمكن أن يكون.
فيها لمعت النجوم قبل اشتعالها.
وجرت البحار قبل أن تجد شواطئها.
وأقام الوعي فيها كاحتمال بعيد ينتظر لحظته.
ثم انفتحت الجهات.
انبثق الضوء.
وتآلفت العناصر.
ونهضت الحياة من صمت طويل.
وكان الكون يكشف غناه طبقة بعد أخرى.
حتى ظهر الإنسان.
وعند ظهوره انعطفت الحكاية كلها.
فالمرآة التي أمضت دهورها في استقبال الصور وجدت صورة ترى.
صورة تنظر إلى النجوم وتسأل عنها.
وتنصت إلى البحر فيعود إليها صوته محملًا بما يتجاوز الماء.
وتلتفت إلى داخلها فتجد السؤال ينتظرها هناك.
عند تلك العتبة وجد الإمكان مرآته الأوسع.
وانتقل من الظهور إلى التأمل.
فصارت المدن تقيم في المخيلة قبل الحجر.
وصارت القصائد تعيش في الصمت قبل الكلمات.
وصارت الرحلة تبدأ في الوعي قبل أن تبدأ على الطريق.
ومنذ ذلك الحين اكتسب الكون جرحه الأجمل.
جرح الكائن الذي يرى أكثر مما يستطيع أن يحتضن.
ويشعر بأكثر مما يستطيع أن يقول.
لهذا يظل التطلع يقظًا.
ولهذا يبتعد الأفق كلما اقتربت منه العين.
وأحيانًا يقف الإنسان عند الماء طويلًا.
لا ينتظر شيئًا.
ولا يبحث عن شيء.
يقف فقط لأن شيئًا فيه ينصت.
تمضي الأمواج.
ويعبر الضوء.
وترتفع النجوم في صمتها البعيد.
وفي تلك السكينة يشعر أن قلبه أصغر من العالم الذي يمر فيه، وأوسع من العمر الذي يحمله.
هناك يلامس سره القديم.
سر الكائن الذي وُهب عينين تتسعان للمجرة، وقلبًا يضيق عن حمل دهشتها كاملة.
وفي عمق الحركة كلها يقيم السر الأول.
السر الذي منح الضوء قدرته على الإشراق.
ومنح الحياة قدرتها على الابتكار.
ومنح السؤال قدرته على البقاء.
السر الذي يجعل الوجود أوسع من كل صورة يبلغها.
الإمكان.
#فراس_الوائلي (هاشتاغ)
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟