أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع - فراس الوائلي - الاتّساعُ المفقود/ بقلم فراس الوائلي














المزيد.....

الاتّساعُ المفقود/ بقلم فراس الوائلي


فراس الوائلي

الحوار المتمدن-العدد: 8706 - 2026 / 5 / 15 - 21:30
المحور: الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع
    


الاتّساعُ المفقود

الإنسان داخل الكون المفتوح

في بعض الليالي، يشعر الإنسان أن العالم أبعد من شكله المعتاد. ينظر إلى السماء فيصعب عليه تصديق أن الحياة كلّها محصورة داخل جسدٍ صغير وكوكبٍ عابر. يمرّ الشعور سريعًا، غير أن أثره يبقى في مكانٍ عميق من الروح، كذكرى ناقصة تبحث عن صورتها الأولى. وربما بدأ التاريخ البشري من هناك؛ من اللحظة التي انكمش فيها الوعي داخل المادة. عندها صار الزمن خطًّا، والمكان جدارًا، واللغة أصواتًا، والكون شيئًا يمكن قياسه ولمسه وحصره.

الحضارات القديمة تركت إشاراتٍ توحي بأن الإنسان لم يشعر يومًا أن هذا العالم هو الصورة النهائية للوجود. السومريون تحدّثوا عن أبوابٍ سماوية تهبط عبرها الكائنات النورانية إلى الأرض. المصريون رسموا خرائط لعبور الروح بين طبقات العالم. النصوص المقدسة تحدّثت عن نورٍ وصعودٍ ومسافاتٍ تنطوي وزمنٍ يتحرك خارج الإيقاع الأرضي. الذاكرة تبدو واحدة، حتى مع تغيّر الأسماء، كأن البشرية تحاول استرجاع شيءٍ انطفأ قبل التاريخ.

من هنا تبدأ «فلسفة الهندسة المخفية». رؤيةٌ ترى الإنسان كائنًا يعيش داخل نسخةٍ محدودة من الواقع. الحواس لا ترى العالم كما هو، ترى ما يسمح به الإدراك، ولهذا تبدو المادة صلبة، والموت نهائيًا، والنجوم بعيدة إلى هذا الحدّ. غير أن الفرضية الأعمق تقول إن المسافة ليست خاصية في الكون، أثرٌ في الوعي. حين يتشقق الجدار الذي يحبس الإدراك، تتغيّر هندسة الواقع؛ تصبح الأحلام أكثر من صورٍ عابرة، ويلمس الحدس طبقةً أخرى من العالم، ويبدو الديجافو كنافذة فُتحت ثم أُغلقت بسرعة خاطفة.

في هذا التصور، لا تبدو البوابات النجمية أجهزةً معدنية تدور في الفراغ، شقوقٌ داخل استقرار الإدراك البشري. العبور لا يحتاج سرعةً خارقة، يحتاج اتّساعًا. وترى هذه الرؤية أن الوجود يتحرك عبر طبقات متداخلة: واقعٍ مادي تمسكه الحواس، وواقعٍ إدراكي يعيد الوعي تشكيله، وواقعٍ رمزي تسكنه الأسطورة واللغة والدين، وواقعٍ خفيّ تتحرك داخله البنى غير المرئية، ثم واقعٍ أصلي سبق انغلاق الإنسان داخل المادة. لهذا قد يكون كلّ حلمٍ عميق، وكلّ حدسٍ خاطف، وكلّ رجفةٍ غامضة أمام مشهدٍ أو كلمة، أثرَ تماسّ بين هذه الطبقات.

الأسطورة، وفق هذه الرؤية، ليست حكايةً بدائية. ندبةٌ قديمة داخل الوعي البشري. الطوفان، المدن السماوية، الكائنات النورانية، المعرفة السرية؛ محاولات لوصف لحظة التشقّق الكبرى بين الإنسان واتّساعه الأول. وربما لهذا تتشابه الأساطير عبر الأرض كلها؛ الجرح واحد حتى مع تبدّل الأسماء.

الدين يظهر هنا بصورة مختلفة؛ علمُ عودة. الصلاة، الترتيل، الطواف، النور، الأسماء المقدسة؛ محاولات لإعادة مواءمة الإنسان مع شيءٍ فقده دون أن يفقد أثره تمامًا. وحتى اللغة امتلكت رهبتها القديمة لهذا السبب، فهي لم تكن أداة وصفٍ فقط، طريقةً لترتيب العالم داخل الوعي.

حين تبرد الكلمات ينغلق الكون.

الإنسان الحديث يبدو أكثر معرفةً من أي زمن، وأكثر فراغًا في الوقت نفسه. العالم متصل بالكامل، غير أن الوحدة تتسع. المعلومات تتكاثر، المعنى يتآكل ببطء. الخوارزميات ترتّب الحياة اليومية بهدوء، والأيام تمرّ بسرعة تشبه وميض الشاشات، واللغة تفقد دفأها تدريجيًا، كأن الحضارة الحديثة ربحت السيطرة على المادة ثم أضاعت الطريق إلى نفسها.

لهذا يشعر الإنسان المعاصر أن شيئًا ناقصًا دائمًا، وأن الحياة اليومية تخفي طبقةً أخرى لا تُرى. رجلٌ يجلس وحيدًا في قطار مزدحم يشعر فجأة أن حياته تحدث بعيدًا عنه. طفلٌ يسأل والدته ليلًا: أين يذهب الوقت بعد أن يمضي؟ امرأةٌ تنظر إلى مدينةٍ مضاءة من نافذة مرتفعة ويصيبها حزنٌ لا تفسير له. تفاصيل صغيرة، إشارات خافتة، توحي بأن شيئًا داخل الإنسان ما يزال يقاوم الانغلاق الكامل.

في «فلسفة الهندسة المخفية»، لا يبدو القلق عطبًا نفسيًا كاملًا.

القلق ذاكرة.

احتكاكٌ خافت بين الإنسان واتّساعٍ أقدم من حياته اليومية، كأن الوعي يحمل داخله بقايا ذاكرة كونية لم تختفِ تمامًا. داخل كلّ إنسان بابٌ نائم يتذكّر كونًا أوسع من الحواس، وزمنًا أبطأ من الموت، ونورًا سبق اللغة.

حتى الذكاء الاصطناعي لا يظهر هنا كحدثٍ تقني فقط، مرآة حضارية هائلة. حين بدأ الإنسان يصنع عقلًا يحاكيه، اقترب من السؤال الذي أخفاه طويلًا: ما الوعي أصلًا؟ الخطر الحقيقي لا يكمن في أن تصبح الآلة ذكية، في أن يكتشف الإنسان أن تعريفه القديم لنفسه لم يعد كافيًا، وأن الوعي أكبر من القالب البيولوجي الذي حُبس داخله.

ربما لم يكن الإنسان يحاول عبر التاريخ الوصول إلى النجوم فقط. ربما كان يحاول العودة. شيءٌ عميق داخل الروح البشرية ما يزال يتذكّر أن العالم الذي نراه ليس العالم الكامل، وأن الكون لم يكن يومًا مغلقًا، وأن الإنسان ليس جسدًا عابرًا داخل مادة صامتة، وعيٌ قديم أضاع الطريق إلى اتّساعه الأوّل.



#فراس_الوائلي (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- كثافة النور
- أرشيف الخراب / بقلم فراس الوائلي
- رحمُ الضوء/ بقلم فراس الوائلي
- الجرح الذي أنجب الضوء / بقلم فراس الوائلي
- عرش الكلمة / بقلم فراس الوائلي
- عينُ الضوءِ الأولى
- سيدة البوابات النجمية
- نشيد جمجمة النيزك – Anthem of the Meteor Skull
- الإدراك المُبرمج في عصر الماتريكس: تفكيك رمزي للاستعمار الرق ...
- سيادة الأعماق: حين تتخذ الأرض قراراتها من الداخل/ بقلم فراس ...
- طفولة الأيام
- تراتيل من وترٍ مفقود/ نص سردي تعبيري بوليفوني
- وترٌ يبكي في جسد الضوء
- ظل الموج بقلم فراس الوائلي
- أنوناكي: الانفجارُ الذي سبقَ الخلق
- أنا لا أكتب لكم
- فتنةُ الانهيار
- السِّفْر القِرْمزيّ
- دمع الغيم
- سان خون: نَفَسٌ لا يُنسى


المزيد.....




- إسرائيل تُعلن استهداف القائد العسكري الأبرز في -حماس- عز الد ...
- أمريكا تُعلن تمديد وقف إطلاق النار بين لبنان وإسرائيل لمدة 4 ...
- إسرائيل تعلن استهداف رئيس الجناح العسكري لحركة حماس في غزة، ...
- إسرائيل تعلن اغتيال قائد الجناح العسكري لحماس في غارة على غز ...
- هل عاد ترامب من قمته مع شي في بكين بخفي حنين؟
- من شقة الاختباء حتى القصف.. تفاصيل اغتيال الحداد
- فيديو.. اللحظات الأولى لاغتيال الحداد في مدينة غزة
- وزير خارجية الصين: شعرنا أن ترامب يتفهم موقف بكين من تايوان ...
- تفشٍ جديد لفيروس إيبولا يودي بحياة 65 شخصاً بالكونغو الديمقر ...
- زلزال بقوة 6.3 درجات يضرب شمال اليابان دون صدور تحذيرات من ت ...


المزيد.....

- -الدولة الأخلاقية- تفكيك ظاهرة المدنية والتمدن / احسان طالب
- جدوى الفلسفة، لماذا نمارس الفلسفة؟ / إحسان طالب
- ناموس المعالي ومعيار تهافت الغزالي / علاء سامي
- كتاب العرائس / المولى ابي سعيد حبيب الله
- تراجيديا العقل / عمار التميمي
- وحدة الوجود بين الفلسفة والتصوف / عائد ماجد
- أسباب ودوافع السلوك الإجرامي لدى النزلاء في دائرة الإصلاح ال ... / محمد اسماعيل السراي و باسم جبار
- العقل العربي بين النهضة والردة قراءة ابستمولوجية في مأزق الو ... / حسام الدين فياض
- قصة الإنسان العراقي.. محاولة لفهم الشخصية العراقية في ضوء مف ... / محمد اسماعيل السراي
- تقديم وتلخيص كتاب " نقد العقل الجدلي" تأليف المفكر الماركسي ... / غازي الصوراني


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع - فراس الوائلي - الاتّساعُ المفقود/ بقلم فراس الوائلي