أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - احمد صالح سلوم - ديون باكستان بين الحقيقة والدعاية: من يهدد اقتصاد الدولة اليوم وسورية غدا ؟















المزيد.....

ديون باكستان بين الحقيقة والدعاية: من يهدد اقتصاد الدولة اليوم وسورية غدا ؟


احمد صالح سلوم
شاعر و باحث في الشؤون الاقتصادية السياسية

(Ahmad Saloum)


الحوار المتمدن-العدد: 8733 - 2026 / 6 / 11 - 18:07
المحور: مواضيع وابحاث سياسية
    


مقدمة المشهد — حين تُقلب الحقائق على رؤوسها

تبرز باكستان ،اليوم ، كواحدة من أكثر المسارح تعقيداً وإثارة للجدل في النظام المالي العالمي ، حيث تتداخل المصالح وتتنازع السرديات، وتختلط الحقيقة بالدعاية في لوحة متشابكة يصعب فك رموزها.

على مدى السنوات الخمس الماضية، تحولت الجمهورية الإسلامية الباكستانية إلى ساحة صراع مالي وإعلامي مفتوح، تتقاطع فيها مصالح القوى الكبرى، وتتنازع فيها الروايات حول "الخطر الحقيقي" الذي يهدد اقتصاد البلاد ويتربص بمقدرات شعبها الذي يتجاوز عدده المائتين وخمسين مليون نسمة.

وفي خضم هذا الضجيج الإعلامي المتواصل، تتكرر سردية واحدة في الإعلام الغربي والخليجي، تتردد كالصدى في قاعات المؤتمرات الدولية وصفحات التحليلات الاقتصادية: الصين هي الخطر، الصين هي التي أغرقت باكستان بالديون، الصين هي التي تهدد مستقبل البلاد وتخطط للاستيلاء على أصولها الوطنية.

لكن الحقيقة، كما تكشفها الأرقام والوثائق والتقارير المستقلة، هي مختلفة تماماً، بل إنها تنقلب على هذه الرواية رأساً على عقب.

فالصين، رغم حجم حضورها الاستثنائي في مشاريع الطاقة والبنية التحتية ضمن مبادرة الحزام والطريق، ليست الدائن الأكثر إرهاقاً لباكستان، ولا هي مصدر الخطر المالي الذي يهدد البلاد بالإفلاس المتكرر. الأرقام الرسمية الصادرة عن وزارة المالية الباكستانية تقول غير ذلك: الديون الصينية لا تشكل سوى جزء صغير نسبياً من إجمالي الديون الخارجية، بل إن ديون باكستان لدى النوادي المالية الغربية وصندوق النقد الدولي تفوقها بأضعاف.

إن الخطر الحقيقي يأتي من مكان آخر تماماً... من دهاليز الأسواق المالية الدولية التي لا ترحم، ومن شبكات البنوك الاستثمارية وصناديق التقاعد العملاقة التي تمسك بخناق الدول النامية عبر أدوات الدين التجاري قصيرة الأجل والسندات الدولية ذات الفوائد المرتفعة. إنها نظام مالي عالمي صُمم ليكون حلقة مفرغة لا تنتهي، حيث تستعير الدول النامية لسداد ديونها القديمة، وتدخل في دوامة من الاقتراض المكلف الذي يستنزف مواردها ويقيد سيادتها.

هذه ليست رواية سياسية أو خطاباً دعائياً، بل حقيقة اقتصادية صلبة، يمكن لأي باحث أن يجدها منشورة بوضوح في تقارير وزارة المالية الباكستانية، وصندوق النقد الدولي، ووكالات التصنيف الائتماني العالمية. إنها الحقيقة التي يخفيها الضجيج الإعلامي المتعمد، ويتجاهلها التحليل السطحي الذي يكتفي بعناوين مثيرة بدلاً من الغوص في التفاصيل الدقيقة.



الديون التجارية — الوجه الخفي للأزمة المميت

عندما نتحدث بجدية وموضوعية عن "أثقل الديون" على كاهل الاقتصاد الباكستاني، وعن النوع الأخطر الذي يهدد استقراره المالي ويدفعه مراراً إلى حافة الهاوية، فإننا لا نتحدث عن الصين، ولا عن البنك الدولي، ولا حتى عن صندوق النقد الدولي في صيغته التقليدية.

بل نتحدث تحديداً عن الديون التجارية والسندات الدولية، تلك الفئة غير المرئية في الخطاب الإعلامي السائد، رغم أنها الأخطر والأكثر فتكاً بالاقتصادات الهشة، والأسرع تدميراً للسيادة الوطنية.

إن هذه الديون التجارية، التي تتناقلها البنوك الاستثمارية الكبرى كأوراق مضاربة، تتميز بمجموعة من الخصائص المدمرة التي تجعلها قنبلة موقوتة تحت أي اقتصاد نامٍ يغامر باقتنائها:

أولاً: قصر الأجل. فهي ديون لا تتجاوز آجال استحقاقها في الغالب السنوات الخمس إلى السبع، وكثير منها يستحق خلال سنة أو سنتين فقط، مما يجبر الدولة على توفير السيولة النقدية باستمرار وبشكل متسارع.

ثانياً: فداحة الفوائد. حيث تتراوح أسعار الفائدة على هذه القروض بين سبعة واثني عشر بالمائة سنوياً، أي أضعاف ما تدفعه الدول الغنية المقترضة من أسواقها المحلية. وهذا يعني أن باكستان تدفع أموالاً طائلة ليس لسداد أصل الدين، بل لمجرد خدمة فوائده المرتفعة.

ثالثاً: عدم قابلية التفاوض. على عكس الديون الثنائية بين الدول، فإن الديون التجارية محمية بعقود صارمة تقوم على القانون البريطاني في معظم الحالات، مما يجعل إعادة جدولتها أو التفاوض على شروطها أشبه بالمستحيل.

رابعاً: التصفية الفورية. فهذه الديون تتطلب السداد الفوري عند موعد الاستحقاق، دون أي مهلة أو تساهل، وإلا تعرضت الدولة لعقوبات مالية فادحة، وتدهور تصنيفها الائتماني، وارتفعت تكاليف اقتراضها المستقبلي.

خامساً: استنزاف احتياطيات الدولار. وهي النقطة الأكثر حسماً، حيث أن خدمة هذه الديون تتطلب احتياطيات ضخمة من العملات الصعبة، وخصوصاً الدولار الأميركي، مما يستنزف المخزون الوطني بسرعة ويهدد قدرة البنك المركزي على تدبير مستلزمات الاستيراد الأساسية.

إن هذه الديون بالذات هي التي تجعل باكستان تركض كل عامين أو ثلاثة أعوام إلى أحضان صندوق النقد الدولي، ليس بحثاً عن التمويل التنموي أو الاستثمار في البنية التحتية، بل بحثاً عن "الأكسجين المالي" الذي يسمح لها بسداد استحقاقات هذه السندات وتجنب الإفلاس.

والمفارقة العجيبة، بل المأساوية، أن هذه الحقيقة المرة تُخفى عمداً خلف ضجيج إعلامي هائل يحمل الصين مسؤولية كل شيء، بينما الحقائق الباردة تنطق بغير ذلك: الديون الصينية هي من أكثر الديون الخارجية مرونة وتفاهماً، فهي طويلة الأجل تمتد إلى خمسة عشر وعشرين عاماً، منخفضة الفائدة لا تتجاوز اثنين أو ثلاثة بالمائة، وقابلة لإعادة الجدولة والتفاوض في حالات الضائقة المالية. وهذا يعني، بكل بساطة، أن الصين ليست المشكلة، بل هي جزء من الحل إذا أحسن التعامل معها.



من يملك هذه السندات؟ خريطة القوة المالية الخفية

السؤال الجوهري الذي ينبغي أن نطرحه بجرأة وإلحاح، ونبحث عنه في دهاليز الأوراق المالية والكشوفات المصرفية: من يملك هذه السندات التي تخنق باكستان وتستنزف خزائنها وتقيد حريتها في اتخاذ القرار؟

الجواب، حين ينكشف ويتبدى، يرسم خريطة مالية عالمية معقدة ومخيفة في آن، خريطة تمتد من نيويورك ولندن إلى فرانكفورت وهونغ كونغ، خريطة تتحكم فيها كيانات لا تخضع لأي مساءلة ديمقراطية، وتمارس نفوذاً هائلاً على مصائر دول بأكملها وشعوب بمليارات البشر.

دعونا نستعرض اللاعبين الرئيسيين في هذه اللعبة الخطرة:

أولاً: صناديق الاستثمار العملاقة (المؤسساتية)

وهي مَن يهيمن على سوق السندات الباكستانية، وأبرزها:

· بلاك روك (BlackRock) – أكبر مدير أصول في العالم، بإجمالي أصول يتجاوز التسعة تريليونات دولار
· فانغارد (Vanguard) – عملاق صناديق المؤشرات، بأصول تزيد على السبعة تريليونات
· فيديلتي (Fidelity) – أحد أعرق بيوت الاستثمار الأميركية
· بيمكو (PIMCO) – المتخصص في سندات الأسواق الناشئة
· أشمور (Ashmore) – أكبر صندوق متخصص في الديون السيادية للدول النامية

هذه الصناديق لا تشتري السندات الباكستانية بدافع حب الخير أو الرغبة في التنمية، بل لأن هذه السندات تمنح عوائد مرتفعة بشكل استثنائي مقارنة بالسندات الآمنة للدول الغنية. إنها تتعامل مع الديون الباكستانية كأصول مضاربة، وكلاعبين في كازينو مالي عالمي، وليس كالتزام تنموي تجاه شعب يحتاج إلى الاستقرار.

ثانياً: البنوك التجارية الدولية الكبرى

مثل سيتي بنك (Citibank)، وستاندرد تشارترد (Standard Chartered)، ودويتشه بنك (Deutsche Bank)، وإتش إس بي سي (HSBC). هذه البنوك هي نفسها التي موّلت مشاريع استعمارية وسيطرت على اقتصادات العالم النامي لعقود، وهي اليوم تمنح باكستان قروضاً قصيرة الأجل بفوائد مرتفعة، وتفرض شروطاً قاسية جداً عند تجديد أي تسهيلات ائتمانية.

ثالثاً: صناديق التحوط (Hedge Funds)

وهي الأخطر بلا منازع، لأنها تعمل في ظلال النظام المالي، وتتبنى استراتيجيات عدوانية لا تعرف الرحمة. هذه الصناديق عادة:

· تشتري السندات بأسعار منخفضة جداً (حين تكون الدولة في ضائقة)
· ترفض بشكل قاطع أي محاولات لإعادة جدولة الديون أو تخفيف أعبائها
· تلاحق الدول المقترضة قضائياً في محاكم نيويورك ولندن للحصول على السداد الكامل والفوري
· تستخدم الدعاوى القضائية كسلاح لمنع دول أخرى من مساعدة الدولة المدينة

هذه الصناديق الشريرة، التي تحمل أسماء لا تعني شيئاً للجمهور الواسع، هي التي دمّرت الأرجنتين مراراً، وأسقطت لبنان في الهاوية، وتستطيع أن تفعل الشيء نفسه مع أي دولة تقع في شباكها المميتة. باكستان، للأسف، هي الضحية التالية.



لماذا تُستهدف الصين إعلامياً؟ كشف اللعبة المزدوجة

هنا بالضبط يدخل البعد السياسي الذي يحول المسألة الاقتصادية البحتة إلى ساحة حرب إعلامية لا هوادة فيها.

فبينما تُعتبر الديون التجارية الغربية الخطر الحقيقي المحدق، تُوجَّه أصابع الاتهام بغزارة وبإصرار نحو الصين، في حملة إعلامية منظمة ومتواصلة تخدم مصالح البترودولار الخليجي والتحالفات المالية الغربية معاً. إنها لعبة مزدوجة الأبعاد، هدفها التغطية على الجاني الحقيقي وتوجيه البوصلة نحو كبش فداء مناسب.

السبب في هذه الحملة بسيط بل شفاف: الصين تقدّم قروضاً طويلة الأجل بفوائد منخفضة جداً، وتستثمر في البنية التحتية ومشاريع الطاقة التي تخلق قيمة حقيقية للاقتصاد الباكستاني على المدى الطويل، ولا تفرض شروطاً سياسية مهينة على الدولة المقترضة، ولا تتدخل في سياساتها الداخلية، ولا تطالبها بتغيير قوانينها أو خصخصة قطاعاتها الحيوية.

وفي المقابل، فإن الديون الغربية هي التي تتمتع بكل السمات المعاكسة: قصيرة الأجل، مرتفعة الفائدة، محمية بقوانين استعمارية تعود إلى العصر الفيكتوري، وتُستخدم كأداة ضغط سياسي وابتزاز يومي على الدول المدينة.

إذاً، لماذا لا يتحدث أحد عن هذا في وسائل الإعلام الكبرى؟

لأن الإجابة ستكون مزعجة للقوى التي تتحكم في هذه الوسائل.

لذلك يصبح من الضروري قلب الحقائق رأساً على عقب: اتهام الصين، وتبرئة الأسواق المالية الغربية تماماً من أي تبعات. وهكذا، يتحول الضحية إلى جلاد، ويُصوَّر الشريك المنقذ كخطر محدق، ويُختبأ الجاني الحقيقي خلف ستار من الدعاية المتقنة.

هذه اللعبة ليست جديدة. فقد لعبتها أجهزة الإعلام الغربية في السابق ضد الاتحاد السوفييتي، وضد اليابان حين بدأت تهدد الهيمنة الاقتصادية الأميركية، واليوم تلعبها ضد الصين بكل شراسة. أما ضحيتها المباشرة فهي باكستان وشعبها الذي يحتاج إلى فهم الحقيقة كاملة، لا إلى نصفها المشوه.



عبرة التاريخ — لبنان والأرجنتين نموذجان مريران

إن قراءة متأنية للمشهد المالي الباكستاني لا يمكن أن تكتمل دون النظر إلى المرآة التي تقدمها تجارب دول أخرى عانت من نفس الداء، ودُفعت ثمناً باهظاً لاستعارتها نفس الأدوات المالية القاتلة.

لبنان والأرجنتين هما الشاهدان الأكثر إيلاماً، وهما النموذجان اللذان ينبغي لكل باحث ومسؤول في باكستان أن يتأملهما بعمق وحذر.

لبنان: الذي أغرق نفسه في الديون التجارية والسندات الدولية بفائدة مرتفعة، واعتمد على تدفقات الودائع المصرفية من الخارج، حتى انفجرت الفقاعة. صندوق النقد الدولي يتحدث اليوم عن خسائر القطاع المصرفي اللبناني التي تجاوزت السبعين مليار دولار، وعن ديون عامة تجاوزت مائة وسبعين بالمائة من الناتج المحلي. لكن الأهم من الأرقام هو الدرس: أغلب هذه الديون كانت تجارية، لأطراف خاصة، محمية بالقانون البريطاني، غير قابلة لإعادة الجدولة. وكانت النتيجة كارثة إنسانية واقتصادية لا تزال مستمرة.

الأرجنتين: التي تكرر إفلاسها تسع مرات في تاريخها، ليس لأن اقتصادها سيء أو شعبها غير منتج، بل لأنها وقعت في شرك نفس الأدوات المالية. فصناديق التحوط اشترت سنداتها المتعثرة بأسعار زهيدة، ثم رفعت دعاوى قضائية ضدها في نيويورك، ونجحت في منعها من سداد ديونها لبقية الدائنين. إنها قصة انتصار القانون المالي الغربي على السيادة الوطنية، بحماية القضاء الأميركي نفسه.

النمط يتكرر بوضوح مخيف: ديون تجارية قصيرة الأجل، فوائد مرتفعة، سندات محمية بالقانون البريطاني أو الأميركي، صناديق تحوط لا تعرف الرحمة، بنوك دولية تمول الخراب ثم تطالب بالسداد الكامل مع الفوائد والغرامات. هذه الآلية المالية هي التي دمّرت لبنان، وكادت أن تقضي على الأرجنتين، وهي الآن تخنق باكستان ببطء.

أما الصين، فورغم كل ما يُقال عنها، ليست جزءاً من هذا النموذج الاستعماري الجديد. قروضها طويلة الأجل ومشاريعها إنتاجية وشروطها مرنة ونيّاتها تنموية. ليس لأن الصين ملاكاً بلا عيوب، بل لأن مصلحتها تقتضي أن تنجح مشاريعها، لا أن تفشل الدول التي تتعامل معها.



الاستنتاجات — لمصلحة من تُروى الرواية؟

إذا أردنا أن نكون منصفين وموضوعيين، علينا أن نعترف بأن السردية السائدة عن "خطر الديون الصينية" لا تخدم المصلحة الباكستانية بأي شكل من الأشكال. بل تخدم مصالح محددة جداً يمكننا تلخيصها على النحو التالي:

أولاً: خدمة المصارف والصناديق الغربية التي تريد إبعاد الصين عن الساحة المالية الباكستانية، لتبقى هي اللاعب الأوحد والمتحكم الوحيد في شريان الاقتصاد الباكستاني.

ثانياً: خدمة الدبلوماسية الأميركية التي تنظر بعين الريبة إلى أي تعاون صيني-باكستاني، وتسعى إلى تقويضه تحت أي ذريعة، ومنها ذريعة "فخ الديون".

ثالثاً: خدمة الأجندات الإعلامية التي تبحث عن عناوين مثيرة، حتى لو كانت مضللة أو غير دقيقة تماماً.

رابعاً: خدمة التيارات السياسية داخل باكستان التي تبحث عن كبش فداء لتفشلها وإدارتها السيئة للاقتصاد الوطني.

والنتيجة النهائية أن الشعب الباكستاني هو الخاسر الأكبر من هذه اللعبة، فهو الذي يدفع الثمن مرتين: مرة عبر الضرائب الباهظة لخدمة الديون التجارية، ومرة عبر التضخم وتدهور قيمة العملة الذي تسببه هذه الديون. وفي الوقت نفسه، تُحرم البلاد من فرصة حقيقية للتعاون التنموي مع الصين في مشاريع استراتيجية كان يمكن أن تغير واقعها الاقتصادي.

إن أي دولة عربية أو آسيوية تفكر في الاقتراض التجاري من الأسواق المالية الغربية، أو في إصدار سندات دولية لجذب المستثمرين الأجانب، عليها أن تنظر جيداً وبتأنٍ إلى ما حدث في باكستان ولبنان والأرجنتين. فالخطر الحقيقي الذي يهدد سيادتها واستقرارها ليس في الشرق كما يُصوَّر، بل في الأسواق المالية الغربية التي لا ترى في الدول سوى فرصة ربح سريع، وفي الشعوب سوى أرقام باردة على شاشات التداول.



نداء لوضع الحقائق في نصابها

هذه المادة الصحفية ، تسعى إلى الدقة والجمال معاً، لم تكن دفاعاً عن طرف ضد آخر، ولا انحيازاً لفئة على حساب فئة. بل كانت محاولة جادة ومخلصة لإعادة ترتيب الحقائق ووضعها في نصابها الطبيعي، بعيداً عن ضجيج الدعاية وألاعيب العلاقات العامة.

الخلاصة التي تفرضها الأرقام والتجارب والمنطق البسيط هي: الخطر الأكبر والأكثر إلحاحاً على الاقتصاد الباكستاني ليس الصين، بل الديون التجارية والسندات الدولية التي يملكها مستثمرون مجهولون أو شبه مجهولين، وتتحكم بها قوانين استعمارية الصنع، وتفرض سداداً فورياً عند الاستحقاق يهدد استقرار الدولة بأكملها.

إن إصلاح الوضع الباكستاني يبدأ أولاً من الاعتراف بهذه الحقيقة، والتوقف عن تضييع الوقت والجهد في مهاجمة الصين أو توجيه الاتهامات إليها. ثم ينتقل إلى معالجة جذرية لهيكل الديون العامة، والتفكير بجدية في بدائل عن الاقتراض التجاري المكلف، وتنويع مصادر التمويل، وتعزيز الإنتاج المحلي لتقليل الحاجة إلى الاقتراض الخارجي أصلاً.

أما الإعلام، بكل أطيافه وتوجهاته، فعليه واجب أخلاقي ومهني في نقل هذه الحقائق كما هي، وليس كما يريدها أصحاب المصالح. فعليه أن يتوقف عن تكرار السرديات الجاهزة، وأن يغوص في التفاصيل، وأن يطرح الأسئلة الصعبة على من يملكون القرار المالي الحقيقي، لا على كباش الفداء السهلة.

كل من يريد أن يفهم مستقبل باكستان، ومستقبل المنطقة العربية والعالم النامي ككل، عليه أن يبدأ من هنا: من فهم آليات الديون التجارية الخطرة، ومن كشف اللاعبين الحقيقيين في هذه اللعبة المميتة، ومن إعادة توجيه البوصلة نحو الخطر الفعلي، لا نحو الخطر المصنّع إعلامياً.

لأن الحقيقة، مهما حاولوا إخفاءها، تبقى أقوى من الدعاية. والأرقام، مهما حاولوا تجميلها، تبقى أصدق من الكلمات. وباكستان، مهما عانت، تستحق مستقبلاً يليق بشعبها العريق، لا أن تبقى رهينة للديون التي تستعبد لا التي تنمّي.

تمت هذه المادة الصحفية بناءً على تقارير وزارة المالية الباكستانية، وبيانات صندوق النقد الدولي، وتقارير وكالات التصنيف الائتماني، ومصادر مفتوحة متاحة للجمهور.



#احمد_صالح_سلوم (هاشتاغ)       Ahmad_Saloum#          


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- في انتظار وطن لا يُباع... السيادة بين المطرقة والسندان
- غرب آسيا : رقعة شطرنج تتبدّل عليها قواعد اللعبة
- بين الدواء الممنوع والدم المباح: كيف تُعاد صياغة الحقيقة في ...
- محاكمة الضمير الأوروبي: عندما تقف المفوضية على قفص الاتهام ب ...
- الاستيلاء الناعم على السلطة في بلجيكا… حين تتحوّل الديمقراطي ...
- نحو شرقٍ جديد… لماذا تحتاج الثقافة العربية إلى الصين وروسيا ...
- مسرحية -جنازة في فندق الكاردينال-.. كوميديا سوداء بأربعة فصو ...
- دراسة مقارنة -إتيان دافينيون، من اغتيال لومومبا إلى عراب الأ ...
- -إتيان دافينيون: من اغتيال لومومبا إلى عراب الأوليغارشية الع ...
- غرب آسيا بين أفول الهيمنة وصعود البدائل: ملحمة التحوّل الجيو ...
- -ما تبقى مني بعد أن فرغوني-..مشهد روائي في ثلاثة أصوات: صوته ...
- كتاب لإقصاء: ثلاث محاولات لطرد شعب من جسده .. رواية وثائقية ...
- -أشباح لا تستظل-..سلسلة قصصية قصيرة من 7 قصص
- دراسة مقارنة لرواية ( البارون وبرميل كاتانغا) أو (ظل الحامض ...
- زيارة بوتين إلى بكين بعد ترامب: عالم يكتب دستوره الجديد على ...
- بيروت: -تشريح الجمال المقاوم- – قراءة في قصيدة أحمد صالح سلو ...
- قراءة في خريطة الانهيار: كيف حوّلت الهزائم الإقليمية -المقاو ...
- الإرهاب الفكري: صناعة إمبريالية في ثياب الديمقراطية
- حوار الأبدية: من أبواق الثالوث النووي إلى خنادق دونباس
- قصص : جثى على ركام الحقيقة.. مستلهمة من شهادات الألم الفلسطي ...


المزيد.....




- لافروف: ملتزمون بأمن الملاحة في العالم
- اتفاقية سعودية تركية في مجال النقل
- -إنذار كاذب- يتسبب بإخلاء وإغلاق جزئي داخل البنتاغون
- بعد إعلان السيطرة على وادي السلوقي.. قائد في لواء غولاني: -م ...
- ترامب يهدد بضرب إيران -بقوة شديدة- والسيطرة على جزيرة خرج
- ملفات إبستين تعيد فتح لغز اختفاء شابة ألمانية منذ عام 2015
- الجزائر وفرنسا.. حوار ندّي وتقارب حذر
- قاليباف يحذر أمريكا من نقطة الصفر ومستنقع لا نهائي بعد تهديد ...
- ترامب يعلن إلغاء الضربات وعمليات القصف التي كانت مقررة ضد إي ...
- السفير الأميركي في إسرائيل: منطلقات دعمنا لتل أبيب عقائدية و ...


المزيد.....

- الطائفية المتغلغلة في لبنان / حسين محمود صالح
- صدى دولي لكتاباتي: من إحدى أبرز مفكرات اليسار الإيطالي إلى أ ... / رزكار عقراوي
- كتاب : جينات التراب وأساطير السماء: قراءة في علم الآثار، وال ... / احمد صالح سلوم
- الإضرابات العمالية في العراق: محاولة للتذكير! / شاكر الناصري
- كتاب : ميناب لا تبكي وحدها.. الهمجية المكشوفة: تفكيك العقلية ... / احمد صالح سلوم
- k/vdm hgjydv hg-;-gdm / أمين أحمد ثابت
- كتاب : حَمَّالُ أَوْجُه..الصراع الطبقي والتأويل في الإسلام / احمد صالح سلوم
- كتابات غير.. ساخرة / حسين جداونه
- يخطف أبصارهم ـ ومضات قصصية / حسين جداونه
- جزيرة الغاز القطري : مملكة الأفيون العقلي " إمبراطورية ا ... / احمد صالح سلوم


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - احمد صالح سلوم - ديون باكستان بين الحقيقة والدعاية: من يهدد اقتصاد الدولة اليوم وسورية غدا ؟