أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - علي دريوسي - انكسر الشر














المزيد.....

انكسر الشر


علي دريوسي

الحوار المتمدن-العدد: 8733 - 2026 / 6 / 11 - 15:06
المحور: الادب والفن
    


اليوم قرأتُ خبر وفاة عماد الدين. توقفتُ طويلاً أمام صورته، غير مصدّق أن الرجل الذي عرفته قبل سنوات طويلة، ولم أجتمع به سوى أسبوعين أو ثلاثة، قد رحل نهائياً.
في صيف ذلك العام كنتُ طالباً في البكالوريا، أبحث عن عمل مؤقت خلال العطلة الصيفية. عملتُ في مؤسسة «أفتوماشين» الحكومية ضمن فريق يركّب الخزائن والأرفف المعدنية لمستودعات تخزين قطع تبديل السيارات والآليات.
كنتُ أصغر أفراد الفريق سناً وخبرة. أما الآخرون فكانوا بمعظمهم طلاب جامعات، يملؤون المكان ضجيجاً ونكاتٍ ودخاناً. كانوا منسجمين على نحو لافت، وكأنّ المشرف جمال، الذي كانت تربطني به صلة قرابة وصداقة، قد اختارهم واحداً واحداً بعناية.
كانوا يتقنون عملهم. وفي الاستراحات يشربون الشاي ويدخنون السجائر، أو يذهبون إلى مطعم أرمني صغير وضيق ليشتروا سندويشات النقانق والسجق والبطاطا. هناك أكلتُ أول سندويشة نقانق في حياتي، وهناك دخّنت أول سيجارة وأنا أستمع إلى أحاديثهم الساخرة عن السياسة والجوع وتأمين زجاجات الحليب والبيض المسلوق للعمال المياومين.
حين قبضتُ أجرتي الأولى، اقترب مني عماد الدين، طالب الهندسة الكهربائية، وقال بحماس:
ـ يجب أن نحتفل اليوم. تعال معي إلى المدينة.
ذهبنا إلى أحد المطاعم الشعبية في سوق العُنّابة بمدينة اللاذقية. يومها أكلتُ الكباب وصفائح اللحم بالعجين للمرة الأولى، وشربتُ إبريقاً كاملاً من العيران. دفع كلٌّ منا ثمن طعامه، ثم مشينا نحو المقاهي الشعبية المنتشرة في شارع بغداد.
جلسنا في أحد المقاهي. طلب عماد شايين أسودين ونرجيلة، ثم غمز لي قائلاً:
ـ لقد صرتَ ناضجاً بما يكفي لتدخّن الأركيلة.
ضحكتُ بخجل، فأردف:
ـ من اليوم أصبحتَ رجلاً. أنت تكسب مالك بعرق جبينك، وصرت مستقلاً اقتصادياً. ومن حق الرجل أن يروّح عن نفسه بعد التعب.
كانت تلك أول مرة أدخّن فيها النرجيلة. وتحت ثقل الدخان والجمر والشاي شعرتُ بدوار خفيف. ارتجفت ساقي اليمنى فجأة فاصطدمت بالطاولة المعدنية الزرقاء، وسقط كأس الشاي على الأرض وتحطم.
نظرتُ إلى الشظايا مرتبكاً، لكن عماد قال فوراً بصوته المميز ولهجته الخاصة:
ـ انكسر الشر أبو العُلى.
ثم أطلق ضحكته العالية التي ملأت أرجاء المقهى.
بعد ذلك مضت السنوات سريعاً. افترقت طرقنا ولم أره مرة أخرى. بقيت تلك الأمسية ذكرى بعيدة، حتى صادفتُ على «فيسبوك» شخصاً يشبهه. أرسلتُ إليه رسالة أسأله إن كان هو عماد الدين الذي عملتُ معه في ذلك الصيف البعيد.
جاءني الرد بعد ساعات:
ـ نعم، أنا هو.
هكذا التقينا من جديد، ولكن في العالم الأزرق هذه المرة. تبادلنا التحيات والذكريات، وصار بيننا ذلك النوع من الصداقة الهادئة التي تحفظها المسافات ولا تحتاج إلى لقاءات كثيرة.
واليوم، وأنا أقرأ خبر رحيله المفاجئ، عادت إليّ تفاصيل ذلك الصيف كله: رائحة الحديد، وأكواب الشاي، وسندويشات النقانق، وأول راتب، وأول نرجيلة، والكأس الذي تحطم على أرض المقهى.
وأسمع صوته مرة أخرى يقول ضاحكاً:
ـ انكسر الشر أبو العُلى.
لكن بعض الشرور لا تنكسر، بل تترك في القلب فراغاً صغيراً يظل مفتوحاً كلما مرّت الذكريات.
رحمك الله يا عماد.



#علي_دريوسي (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- السجن الذي عاد معنا
- الذين عادوا إلى القبيلة
- المدرسة قبل 100 عام
- بلا عنوان
- كيف يحتفل الألمان بيوم الأول من أيار؟
- حركة البديل لأجل سوريا 12 موقف حول السيناريوهات الممكنة
- حركة البديل لأجل سوريا 11 موقف
- حركة البديل لأجل سوريا 10 موقف
- بين الثقافة والسياسة
- حركة البديل لأجل سوريا 9 موقف
- مجتمع التفرد
- حركة البديل لأجل سوريا 8 موقف
- حركة البديل لأجل سوريا 7 موقف
- حركة البديل لأجل سوريا 6 موقف
- حركة البديل لأجل سوريا 5 موقف
- حركة البديل لأجل سوريا 4 موقف
- حركة البديل لأجل سوريا 4 ـ موقف
- حركة البديل لأجل سوريا 3 موقف
- حركة البديل لأجل سوريا 2 ـ موقف
- حركة البديل لأجل سوريا 1


المزيد.....




- مدفيديف: هجمات القوات الأوكرانية على المواقع الثقافية والتار ...
- جهود مكثفة في سيفاستوبول لإصلاح المتحف البانورامي التاريخي ب ...
- موسكو.. اليوم الأخير من معرض -أيام الثقافة السودانية-
- مهرجان -التقاليد والحداثة- يفتتح أبوابه في موسكو بمشاركة دول ...
- بوتين يمنح جائزة الدولة الروسية لصاحب -تاريخ السعودية- و-مصر ...
- -دوستويفسكي يمكن اعتباره كاتبا مصريا-.. مكانة راسخة للأدب ال ...
- موسكو تعود إلى الماضي.. رحلة عبر الزمن في مهرجان -الأزمنة وا ...
- المغرب.. استعراض فيلم وثائقي عن التراث الثقافي الروسي
- معجم الطيوب والعطور.. رحلة في ذاكرة الروائح والبخور عبر التا ...
- مهرجان -سافر!-.. منصة تجمع الفنون الشعبية والطهي وصناع المحت ...


المزيد.....

- نافذة ـ قصص قصيرة جدا / حسين جداونه
- جسد الكرنفال في رواية حدث أبو هريرة قال / كمال التاغوتي
- اعترافات السيد حافظ والأصدقاء ما وراء الكواليس الجزء الث ... / السيد حافظ
- سِنّمار / كمال التاغوتي
- مسرحة التراث بين التشكيل النصي والتجلي الركحي في مسرح السيد ... / عيسى بن ريمة
- يونان أو قهر النبوّة / كمال التاغوتي
- إلى أن يُزهر الصّبّار || دراسة للدكتور جبار البهادلي / ريتا عودة
- طوفان النفط . . رواية سياسية ساخرة / احمد صالح سلوم
- حارس الكنوز: الانسان والحيوان الالهي / نايف سلوم
- احلام الفراشة مجموعة قصصية / أمين أحمد ثابت


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - علي دريوسي - انكسر الشر