أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - ملف فكري وسياسي واجتماعي لمناهضة العنف ضد المرأة - محمود سلامة محمود الهايشة - عندما يصبح القرب هاوية: تحليل نقدي لقصة -غزل ورقيّة - حكاية من الزمن القبيح-














المزيد.....

عندما يصبح القرب هاوية: تحليل نقدي لقصة -غزل ورقيّة - حكاية من الزمن القبيح-


محمود سلامة محمود الهايشة
(Mahmoud Salama Mahmoud El-haysha)


الحوار المتمدن-العدد: 8733 - 2026 / 6 / 11 - 13:20
المحور: ملف فكري وسياسي واجتماعي لمناهضة العنف ضد المرأة
    


حين يتحوّل القرب إلى هاوية: قراءة نقدية في قصة "غزل ورقيّة - حكاية من الزمن القبيح"

تُصنّف قصة "غزل ورقيّة- حكاية من الزمن القبيح" للكاتب حيدر حسين سويري ضمن الأدب الذي يتناول واقع العنف بشكلٍ مباشر. لا يقتصر العمل على سرد حادثة عنف فحسب، بل يسعى إلى الغوص عميقًا في الأسباب الكامنة وراء وقوع مثل هذه الأعمال. إنها قصة قصيرة، لكنها في الوقت نفسه بالغة الدلالة، حيث تتحول حكاية الفتاتين الصغيرتين تدريجيًا إلى رثاءٍ لبلدٍ أنهكته الحروب والإخفاقات إلى درجةٍ بات فيها الخوف ضيفًا في البيوت، بينما يتربص الخطر من الأماكن الآمنة.

منذ بداية القصة، يُقدّم الكاتب مفارقةً قويةً من خلال المعنى الرمزي. فبينما ينشغل الحجاج برجم أعدائهم (الشياطين) في هذه الشعيرة، يقول الشيخ سلمان: "الناس تروح ترجم الشيطان هناك... بس الشياطين الحقيقية ظل هنا". هذه الجملة ليست مجرد عنصر سردي، بل هي مفتاحٌ لفهم العمل بأكمله. إن الشيطان المذكور في النص ليس مخلوقًا أسطوريًا ولا وحشًا خارقًا للطبيعة، بل يرمز إلى الجانب المظلم في الإنسان - الفساد والانحلال والخيانة التي تتجلى أمام أعين الناس. في الواقع، تنجح القصة في ربط المأساة الفردية بالصورة الأكبر من خلال ربط الجريمة بتاريخ العنف والتحولات في العراق، من الحرب إلى العقوبات، وصولًا إلى الانهيارات السياسية والاجتماعية اللاحقة. في هذه الحالة، يلعب الزمن نفسه دورًا كقوة خفية تحدد مصير الناس.

من الناحية الفنية، يستخدم الكاتب أسلوب التدرج الأدبي. تبدأ القصة بأحداث عادية، كفتاة صغيرة تتمنى لعبة صغيرة وعطلات خالية من الفقر والألم. إلا أن الجو يسوده الكآبة تدريجيًا من خلال تلميحات إلى نظرات عدم الثقة من الكبار وهشاشة المحيط، مما يمهد الطريق للأحداث المأساوية الحاسمة. ونتيجة لذلك، يُحدث استخدام هذا الأسلوب الأدبي أثرًا بالغًا على القارئ، إذ يصبح الأمر أكثر صدمة بعد البداية البريئة.

من أبرز سمات هذا النص استخدامه للتناقضات، كالتناقض بين البراءة والوحشية. فـ "غزَل" و "رقية" طفلتان بريئتان، أما من اختطفوهما واغتصبوهما فقد جسّدوا قمة الانحطاط البشري. وبدلًا من سرد الحادثة كجريمة فحسب، يتجاوز الكاتب ذلك بتسليط الضوء على انهيار القيم التي من المفترض أن تضمن سلامة الطفلة. فالخال، الذي يُفترض أن يكون مصدر حمايتها، يتحول إلى أداة خيانة، والعائلة، التي يُفترض أن تكون حامية لها، تصبح وسيلة لإيذائها.

لغة النص بسيطة وواضحة، لكنها لا تخلو من الرمزية. فالكاتب لا يُسهب في الزخرفة، ويستخدم لغةً واضحةً وموجزةً، تتناغم مع جوهر النص. علاوة على ذلك، فإن وجود الشيخ سلمان كشاهد عيان يضفي على النص طابعًا تأمليًا وفلسفيًا. إنه لا يتحدث فقط عن الجريمة، بل يتحدث أيضاً عن كيف أصبح المجتمع غير حساس تجاه هذه المآسي، بسبب التأثير المخدر الذي أحدثته هذه المآسي عليهم.

كما يتجلى الجانب الرمزي بوضوح في نهاية الحكاية. فرؤية رقية لأختها أو صديقتها غزل في الحلم لا يمكن وصفها بأنها مجرد مشهد عاطفي، بل هي بوضوح رسالة أخلاقية. فبقولها "لأن السكوت خلّى الوحوش تكبر"، تتحول الضحية إلى مُتَّهِمة للمجتمع بأسره. وهنا، يمكن ملاحظة كيف ينتقل النص من مجال الرثاء إلى مجال الاحتجاج والإدانة، وكأن الكاتب أراد أن يُظهر أن الجرائم لا تحدث بسبب المجرمين فحسب، بل بسبب الصمت المحيط بهم أيضًا.

ورغم وضوح الرسالة الإنسانية القوية في النص، إلا أن بعض أجزائه تبدو وعظية بعض الشيء نظرًا للصراحة الشديدة في إيصال الرسالة الأخلاقية. ومع ذلك، قد يكون هذا النهج مُبرَّرًا بطبيعة الموضوع والمأساة الموصوفة في النص، إذ يبدو أن الكاتب مهتمٌّ بإيصال رسالته الأخلاقية بقدر اهتمامه بإبداع هذا العمل الفني.

أخيرًا، يمكن تعريف "غزل ورقيّة- حكاية من الزمن القبيح" بأنها نصٌ إنساني مأساوي يطرح سؤالًا جوهريًا أمام قرائه، ألا وهو: ما مصير المجتمعات حين تنهار منظومة قيمها إلى درجة أن الأطفال يفقدون شعورهم بالأمان بين أهلهم؟ إنها قصة عن جريمة، ولكنها في جوهرها قصة تفكك العلاقات وسحق البراءة تحت وطأة عصرٍ فقد كل معاني القيم. وهنا تكمن قوتها الحقيقية، فهي لا تجعلنا نحزن على ضحايا هذه المأساة الأبرياء فحسب، بل تدفعنا أيضًا إلى التأمل في كيفية وقوع مثل هذه المأساة، وإلى استعادة الإنسان لإنسانيته.



#محمود_سلامة_محمود_الهايشة (هاشتاغ)       Mahmoud_Salama_Mahmoud_El-haysha#          


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)

الكاتب-ة لايسمح بالتعليق على هذا الموضوع


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- الوحش ساكن جوّه الدار || أغنية
- توأم الروح وفرص الأقدار: تفسير قصة سميرة جدي -أشباهِي التسع ...
- وشّ واحد || أغنية
- الحاج الخازوق || أغنية
- -العراة...- عندما يصبح الحياء جريمة|| قراءة نقدية لقصة منذر ...
- غيبوبة الكلمات والدم: عندما تصبح الكتابة فعل مقاومة
- السكينة ما تقتلش الكلام || أغنية
- -أنا وظِلّي- || أغنية
- عندما يجلس المرء مع ظله: قراءة نقدية لقصة -بيني وبين ظلي-
- -احتراق السكر-... عندما تتحول الحلاوة إلى رماد في الداخل
- الوقت ما بيتسعش أبدًا || أغنية بالعامية المصرية
- الحاج الخازوق... سيرة الكرامة في زمن الخذلان
- احتراق السُّكَّر || أغنية
- سفرٌ أخير إلى العدم: قراءة نقدية في مأساة الإنسان المهمل
- على حافة الغياب: جدلية الجسد والروح في قصة “قبل إغلاق الباب”
- -الارتطام بجدار الجليد-… حين يتحول الحلم بالعدالة إلى كابوس ...
- الجرافة قالت
- حين تتحوّل القبلة إلى اعتراف: قراءة نقدية في قصة «قُبلةٌ طائ ...
- الأرنب الذي أكل الريح والشمس The Rabbit That Ate the Wind an ...
- الزيوت في العلف... والصحة على المائدة|| كيف يؤثر زيت دوار ال ...


المزيد.....




- حزب ديمقراطيي السويد يريد حظر ارتداء الحجاب في السويد
- القضاء الفرنسي يوجه رسميا تهما بالاغتصاب والاعتداء الجنسي إل ...
- العراق.. إعادة فتح قبر امرأة بعد اكتشاف مقتلها على يد زوجها ...
- دراسة تكشف أدلة على إزالة دماغ امرأة من العصر الحديدي قبل دف ...
- تونس: 4 سنوات سجنًا للصحافية خولة بو كريم وسط انتقادات حقوقي ...
- احتجاز 22 شخصا في إسطنبول بينهم ملكة جمال تركيا ونجمة مسلسل ...
- الخارجية الروسية تعتزم مطالبة الأمم المتحدة برفع اتهامات الع ...
- حين يضيق العالم بثوب امرأة: قراءة في استباحة الاحتلال لخصوصي ...
- فاطمة نايف.. اسم جديد في سجل ضحايا جرائم الرفض في لبنان
- استغاثة طفل وصراخ امرأة.. كيف تستدرج المسيرات الإسرائيلية مق ...


المزيد.....

- جدلية الحياة والشهادة في شعر سعيدة المنبهي / الصديق كبوري
- إشكاليّة -الضّرب- بين العقل والنّقل / إيمان كاسي موسى
- العبودية الجديدة للنساء الايزيديات / خالد الخالدي
- العبودية الجديدة للنساء الايزيديات / خالد الخالدي
- الناجيات باجنحة منكسرة / خالد تعلو القائدي
- بارين أيقونة الزيتونBarîn gerdena zeytûnê / ريبر هبون، ومجموعة شاعرات وشعراء
- كلام الناس، وكلام الواقع... أية علاقة؟.. بقلم محمد الحنفي / محمد الحنفي
- ظاهرة التحرش..انتكاك لجسد مصر / فتحى سيد فرج
- المرأة والمتغيرات العصرية الجديدة في منطقتنا العربية ؟ / مريم نجمه
- مناظرة أبي سعد السيرافي النحوي ومتّى بن يونس المنطقي ببغداد ... / محمد الإحسايني


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - ملف فكري وسياسي واجتماعي لمناهضة العنف ضد المرأة - محمود سلامة محمود الهايشة - عندما يصبح القرب هاوية: تحليل نقدي لقصة -غزل ورقيّة - حكاية من الزمن القبيح-