أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - دراسات وابحاث في التاريخ والتراث واللغات - محمود عباس - عبث المستعربين بالتاريخ الكوردي وسرقة الجغرافيا - الحلقة الثانية














المزيد.....

عبث المستعربين بالتاريخ الكوردي وسرقة الجغرافيا - الحلقة الثانية


محمود عباس

الحوار المتمدن-العدد: 8729 - 2026 / 6 / 7 - 23:05
المحور: دراسات وابحاث في التاريخ والتراث واللغات
    


ورغم قناعتنا التامة بأن هذه الترهات لن تهزّ ركيزة الأمة الكوردية، لأنها والجغرافيا كتلة واحدة لا تنفصل، فإن الرد عليها يبقى ضرورة أخلاقية وثقافية. ليس لأننا نخشى على الحقيقة من السقوط، بل لأن تعرية الفاسدين أمام مجتمعاتهم واجب، ولأن تركهم يعبثون بالتاريخ بلا ردّ يمنحهم وهم الشرعية. غايتنا ليست النزول إلى مستنقعهم، بل كشفه، لعلّ الساحة الثقافية تتطهر يومًا من هذا العبث، وتقتلع من داخلها أولئك الذين لا يملكون ما يقدمونه سوى التشويه، والإنكار، وتسميم العلاقة بين الشعوب.
ومن هذا الباب تحديدًا، ظهر في السنوات الأخيرة بعض فضائح المستعربين من السوريين والعراقيين حصراً، وهم يلوكون ترهات تاريخية عن أصول الشعب الكوردي ووجوده في جغرافيته التاريخية. لم يكتفِ هؤلاء بنفي القضية الكوردية سياسيًا، ولا بترديد لغة السلطات التي أنكرت حقوق الكورد طوال قرن كامل، بل ذهبوا أبعد من ذلك، إلى محاولة نفي الوجود الكوردي نفسه من جذوره، بعدما بدأ الشعب الكوردي يخرج إلى الساحة العالمية من أبوابها السياسية والثقافية والأكاديمية، وبعدما بدأت مسيرة تصحيح تاريخ شعوب المنطقة، وفي مقدمتها تاريخ الشعب الكوردي الذي شُوّه على مدى قرون بأقلام السلطة والغزاة والمؤرخين المأجورين. وهو ما دفعنا إلى نشر كتاب بعنوان: «مصداقية المثقف العربي»، سعياً إلى تعرية تلك الشريحة الفاسدة التي تعبث بوعي الشارع العربي والإسلامي، وتحوّل الثقافة إلى أداة تضليل بدل أن تكون طريقًا إلى الحقيقة.
وهذا ما تفعله اليوم شريحة من المستعربين والعروبيين السوريين حين يروّجون أن الكورد في غربي كوردستان مهاجرون إلى سوريا، متناسين أن القبائل والعشائر الكوردية كانت تسكن جغرافيتها التاريخية قبل أن تُقتطع هذه الأرض من كوردستان الكبرى وتُدرج قسرًا ضمن كيان سوري تشكّل بقرار خارجي، لا بإرادة شعوب المنطقة. فالكورد لم يأتوا إلى سوريا، بل جاءت سوريا الحديثة إلى أرضهم بعد أن رسمت خرائطها مصالح الاستعمار وحدود الانتداب.
ومن هنا يصبح تشويه التاريخ الكوردي القديم مدخلًا لتشويه الحاضر؛ فإذا نجحوا في قطع صلة الكورد بالميديين والساسانيين والحوريين والميتانيين، انتقلوا إلى قطع صلتهم بعفرين، وكوباني، والجزيرة، وسري كانيه، وهولير، والسليمانية، ومهاباد، وديار بكر، وزاغروس. فالغاية ليست نقاشًا تاريخيًا بريئًا، بل مشروع إنكار متكامل: نزع الجذر من الماضي، ثم نزع الحق من الحاضر، ثم تقديم الشعب الكوردي كطارئ على جغرافيا كان أحد أقدم مكوّناتها.
لقد تحوّل بعض هؤلاء إلى صُنّاع سرديات موبوءة، لا علاقة لها بالبحث التاريخي ولا بالمنهج العلمي، بل تنتمي إلى مخيلة أيديولوجية مأزومة، تبحث في أي ركام لغوي أو جغرافي لتصنع منه تاريخًا عربيًا مفترضًا في كل أرض وصلتها لاحقًا الغزوات العربية–الإسلامية. ومن فرط ضحالة هذا المنطق، بلغ ببعضهم الادعاء أن جغرافية كوردستان كانت أرضًا عربية، حتى إذا سُئل أحدهم: أين العرب في ديار بكر؟ لجأ إلى حكاية أكثر سذاجة، كما فعل الدكتور محمد القبيسي، حين زعم أن سيف الدولة الحمداني أباد قبيلتي بني عقيل وبني بكر عن بكرة أبيهما، وأن من نجا منهما هرب إلى المناطق الرومانية واعتنق المسيحية، ثم جاء الشعب الكوردي مهاجرًا من خارج الجغرافيا وسكنها.
وكأن إبادة قبيلتين، لو صحت أصلًا، تكفي لتفسير غياب شعب كامل، أو حضور شعب آخر على امتداد جغرافيا عميقة وقرون متراكمة. والأغرب أنه لا يسأل نفسه: إذا كانت تلك القبائل عربية في العصر الإسلامي، وكانت الخلافة العباسية حاضرة، والإمبراطورية ذات طابع إسلامي واسع، وكانت هناك، كما يزعم، أراضٍ عربية خارج الجزيرة العربية، فلماذا لم تهاجر تلك القبائل إلى هذه الأراضي العربية المفترضة؟ ولماذا كان الهروب، في روايته، إلى مناطق الروم لا إلى فضاء عربي مزعوم؟
هنا لا نكون أمام قراءة تاريخية، بل أمام حكاية مرتجلة، تكشف هشاشة صاحبها أكثر مما تكشف شيئًا عن تاريخ ديار بكر أو كوردستان. فهل توجد سذاجة تاريخية أضحل من رواية تريد أن تفسّر غياب العرب وحضور الكورد بأسطورة إبادة، وهروب، وتنصّر، وهجرة، بلا سند متين ولا منطق تاريخي؟
هذه ليست قراءة للتاريخ، بل عبث بالتاريخ. إنها لا تختلف كثيرًا عن سرديات الحكواتية وكتب السيرة الشعبية، حيث تختلط الأسطورة بالغرور، ويتحوّل الخيال إلى وثيقة، والحقد القومي إلى “مصدر”. ومن هذا الباب ذاته تأتي محاولة ربط الأراميين والكلدانيين والبابليين والعرب في سلسلة واحدة، وكأن كل شعوب الشرق القديم لم تكن سوى مقدمات للعروبة، وكأن التاريخ وُلد فقط ليخدم سردية قومية متأخرة. وهي محاولة واهية لا تقل تهافتًا عن ربط شعوب العرق الآري كلها ببعضها لإنتاج مجدٍ مصطنع على حساب الحقائق.
ومن غرائب هذا العبث أن بعضهم، أمثال خزعل الماجدي، يتباهى بالخوض في التاريخ والحضارات القديمة، مع أن أدواته المنهجية كثيرًا ما تكشف اضطرابًا واضحًا حين يتناول التاريخ الكوردي. فهو ينفي وجود حضارة كوردية بحجة أن الكورد، بحسب زعمه، لم يُعرفوا إلا بهذا الاسم المتأخر، وكأن أسماء الشعوب في التاريخ القديم كانت ثابتة لا تتبدل، أو كأن الأمة لا تملك امتدادًا حضاريًا إلا إذا حملت الاسم ذاته في كل العصور. وقد ردّ عليه في حينه الكاتب والمؤرخ محمد المندلاوي، وفنّد مقولاته، وكشف هشاشة مفاهيمه، في عشرات المقالات المسنودة بالمصادر الرصينة، وبأسلوب أكاديمي متين، لذلك لا يحتاج الأمر هنا إلى إعادة الرد المطوّل، بقدر ما يحتاج إلى الإشارة إلى فساد المنهج ذاته.
يتبع ...
د. محمود عباس
الولايات المتحدة الأمريكية
1/6/2026 م



#محمود_عباس (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- عبث المستعربين بالتاريخ الكوردي وسرقة الجغرافيا - الحلقة الأ ...
- توماس باراك وإعادة تركيب المشرق
- إعادة تعريف النضال الكوردي في عصر التحولات الكبرى - الحلقة ا ...
- لماذا يدفن ترامب دور الخارجية بتوماس باراك؟
- هل أنهت إسرائيل دور توماس باراك بعد فشله في سوريا ولبنان؟
- إعادة تعريف النضال الكوردي في عصر التحولات الكبرى - الحلقة ا ...
- الانتحار الكوردي البطيء - 3
- الانتحار الكوردي البطيء - 2
- الانتحار الكوردي البطيء - 1
- بين سنةٍ تغادرني وقريةٍ لا تعود
- نظام الملالي بين صبر الإمبراطوريات ولحظة الاجتثاث
- الدولة التي تسرق قمح الفلاح تكسر اقتصاد الوطن - 3/3
- الدولة التي تسرق قمح الفلاح تكسر اقتصاد الوطن - 2/3
- الدولة التي تسرق قمح الفلاح تكسر اقتصاد الوطن - 1/3
- إعادة تعريف النضال الكوردي في عصر التحولات الكبرى - الحلقة ا ...
- إعادة تعريف النضال الكوردي في عصر التحولات الكبرى - الحلقة ا ...
- اللغة الكوردية ذاكرة أمة لا تُمحى
- إعادة تعريف النضال الكوردي في عصر التحولات الكبرى - الحلقة ا ...
- إعادة تعريف النضال الكوردي في عصر التحولات الكبرى - الحلقة ا ...
- الصراع المذهبي في الإسلام، إسرائيل الغطاء وكوردستان الضحية


المزيد.....




- استقبال حافل من كيم وزوجته لرئيس الصين في كوريا الشمالية.. د ...
- إعادة بناء كوخ ستونهنج التاريخي باستخدام أدوات بدائية من عصو ...
- أسوأ هجمات بين إسرائيل وإيران منذ أشهر.. إليكم أهم المحطات م ...
- إيران: أمريكا تتحمل مسؤولية تصرفات إسرائيل.. والتفاوض مستمر ...
- الجيش الإسرائيلي يكشف تفاصيل ضربته على أنظمة الدفاع الإيراني ...
- من قرد وحيد إلى الجانب المظلم للقمر، أبرز الصور المدهشة لعام ...
- -غارة الضاحية- تشعل الشرق الأوسط.. إيران وإسرائيل تتبادلان ا ...
- -الصداقة التي لا تُقهر-.. الرئيس الصيني يزور كوريا الشمالية ...
- إسرائيل تتجسس على الولايات المتحدة، لماذا القلق الأمريكي الآ ...
- وضع المغني الفرنسي باتريك برويل قد الحجز الاحتياطي في إطار ت ...


المزيد.....

- السيرة النبويّة والتشريع في الإسلام / نور الدين البوثوري
- قراءات فى كتاب (عناصر علم العلامات) رولان بارت (1964). / عبدالرؤوف بطيخ
- معجم الأحاديث والآثار في الكتب والنقدية – ثلاثة أجزاء - .( د ... / صباح علي السليمان
- ترجمة كتاب Interpretation and social criticism/ Michael W ... / صباح علي السليمان
- السياق الافرادي في القران الكريم ( دار نور للنشر 2020) / صباح علي السليمان
- أريج القداح من أدب أبي وضاح ،تقديم وتنقيح ديوان أبي وضاح / ... / صباح علي السليمان
- الادباء واللغويون النقاد ( مطبوع في دار النور للنشر 2017) / صباح علي السليمان
- الإعراب التفصيلي في سورتي الإسراء والكهف (مطبوع في دار الغ ... / صباح علي السليمان
- جهود الامام ابن رجب الحنبلي اللغوية في شرح صحيح البخاري ( مط ... / صباح علي السليمان
- اللهجات العربية في كتب غريب الحديث حتى نهاية القرن الرابع ال ... / صباح علي السليمان


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - دراسات وابحاث في التاريخ والتراث واللغات - محمود عباس - عبث المستعربين بالتاريخ الكوردي وسرقة الجغرافيا - الحلقة الثانية