أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - هاني الروسان - بأية أوراق يقاتل لبنان للذهاب إلى التفاوض مع إسرائيل؟















المزيد.....

بأية أوراق يقاتل لبنان للذهاب إلى التفاوض مع إسرائيل؟


هاني الروسان
استاذ جامعي مختص بالجيوبوليتيك والاعلم في جامعة منوبة ودبلوماسي

(Hani Alroussen)


الحوار المتمدن-العدد: 8723 - 2026 / 6 / 1 - 10:01
المحور: مواضيع وابحاث سياسية
    


المشكلة ليست في أن يذهب لبنان ليفاوض إسرائيل، فالتاريخ السياسي في المنطقة مليء بالمفاوضات المباشرة وغير المباشرة، السرية والمعلنة، القسرية والطوعية، بل المشكلة الحقيقية تكمن في السؤال الأعمق، وهو بأي ميزان قوة يذهب إلى التفاوض؟ وبأي أوراق يقاتل أصلًا كي يُسمح له بالجلوس إلى الطاولة؟
ففي السياسة، لا تُقاس قيمة الطاولات بعدد المقاعد المحيطة بها، بل بما يحمله كل طرف إليها من قدرة على التعطيل أو الضغط أو التهديد أو فرض الكلفة على خصمه. لذا فان دخول طرفٌ منهك مثل لبنان إلى المفاوضات بلا عناصر قوة حقيقية، فإنه سيحول التفاوض تدريجيًا من أداة لحماية السيادة إلى آلية لإدارة شروط الاستسلام تحت عناوين دبلوماسية أكثر نعومة.
من هنا، لا تبدو المفاوضات الجارية برعاية أمريكية بين لبنان وإسرائيل مجرد محاولة لخفض التصعيد أو تثبيت الحدود، بقدر ما تبدو انها جزء من إعادة تشكيل التوازنات الإقليمية بعد الحرب على غزة وما تلاها من حروب، وما رافقها من محاولات أمريكية وإسرائيلية لإعادة رسم خرائط النفوذ في الشرق الاوسط.
فلبنان اليوم لا يدخل المفاوضات من موقع المنتصر، ولا حتى من موقع الندّ السياسي القادر على فرض شروط متبادلة، بل من موقع الدولة المنهكة اقتصاديًا والمفككة سياسيًا والمحاصرة إقليميًا. ولذلك فإن السؤال عن “الأوراق اللبنانية” يصبح في جوهره سؤالًا عن حقيقة ما تبقّى من قدرة للدولة اللبنانية على إنتاج قرار سيادي مستقل.
صحيح ان الخطاب الرسمي اللبناني يحاول الترويج لفكرة أن القرار 1701 يمثل مرجعية قوة قانونية يمكن البناء عليها في أي مسار تفاوضي، ولكن التجربة الممتدة منذ عام 2006 تكشف أن هذا القرار لم يكن يومًا أكثر من إطار نظري عاجز عن فرض نفسه على الأرض، حيث انتهكت اسرائيل هذا القرار مئات المرات عبر اختراق الأجواء اللبنانية، وشن الغارات، وتنفيذ الاغتيالات، وإبقاء أجزاء من الأراضي اللبنانية تحت الاحتلال، دون أن يترتب على ذلك أي ردع دولي فعلي.
وهنا تظهر المفارقة القاسية حيث يستند لبنان إلى قرار دولي لم ينجح المجتمع الدولي نفسه في فرض احترامه، أي أن الورقة التي تُقدَّم للبنانيين باعتبارها مصدر قوة، تحولت منذ زمن بعيد إلى شهادة إضافية على عجز النظام الدولي على احترام قراراته حين يتعلق الأمر بإسرائيل.
والأمر ذاته ينطبق على ما يُسمّى “حصرية السلاح بيد الدولة”، والتي يجري تسويقها داخليًا وخارجيًا باعتبارها مدخلًا لاستعادة السيادة اللبنانية. غير أن قراءة أعمق للمشهد تكشف أن هذا الطرح لا يأتي في سياق بناء مشروع وطني متكامل لإعادة تشكيل الدولة، بل في سياق ضغوط دولية وإقليمية تهدف أساسًا إلى نزع عناصر القوة التي راكمها حزب الله خلال العقود الماضية.
والمفارقة هنا ايضا أن لبنان يُقدّم هذا التنازل قبل بدء التفاوض، لا بعده، أي أنه يدخل الطاولة بعدما أعلن عمليًا استعداده لتنفيذ أحد أبرز الشروط الإسرائيلية التاريخية، وهذا ما يُفقده إحدى أهم قواعد التفاوض، اي الاحتفاظ بأوراق القوة إلى لحظة المقايضة، لا التخلي عنها مسبقًا تحت ضغط الانهيار والخوف من العزلة.
اما في ميزان القوى العسكري، تبدو الصورة أكثر اختلالًا. إسرائيل لا تزال تحتل أراضي لبنانية، وتتحكم عمليًا بإيقاع التصعيد والتهدئة، وتمتلك تفوقًا جويًا واستخباراتيًا هائلًا، بينما يكتفي لبنان بالمطالبة بوقف الاعتداءات أو الانسحاب التدريجي أو تثبيت الهدنة. وهذه ليست لغة تفاوض بين طرفين متكافئين، بل لغة دولة تحاول تقليل الخسائر في مواجهة خصم يمتلك القدرة على فرض الوقائع بالقوة.
وحتى ملف الأسرى، الذي يُطرح أحيانًا كورقة تفاوضية لبنانية، يكشف عن عمق الاختلال القائم بين الجانبين. فإسرائيل هي من تمتلك الأسرى، وهي من تتحكم بتوقيت الإفراج عنهم، بينما لا يملك لبنان أدوات ضغط مقابلة يمكن استخدامها ضمن معادلة تبادل متوازن. وفي غياب القدرة على فرض الكلفة، يتحول الملف الإنساني إلى مساحة إضافية للابتزاز السياسي.
أما الجيش اللبناني، الذي يُراد تقديمه كضامن للسيادة والاستقرار، فإنه يتحرك ضمن حدود إمكانات شديدة التواضع مقارنة بالآلة العسكرية الإسرائيلية. وانتشاره في الجنوب لا يعكس قدرة على فرض الإرادة السيادية بقدر ما يعكس محاولة لضبط التوازنات ومنع الانفجار. ولذلك فإن الحديث عن “بسط سلطة الدولة” يبدو أقرب إلى توصيف إداري منه إلى معادلة سيادية فعلية.
كذلك فان المأزق اللبناني لا يُفهم فقط من زاوية الداخل، بل من خلال السياق الإقليمي الأشمل. فالمفاوضات الحالية لا تجري في فراغ، بل في لحظة تحاول فيها الولايات المتحدة وإسرائيل إعادة رسم موازين القوة في المنطقة بعد الحرب على غزة. وتدرك تل أبيب أن صورة “النصر الكامل” تبقى ناقصة ما دام حزب الله يحتفظ بقدرته العسكرية والسياسية، وما دام آخر أذرع النفوذ الإيراني في المشرق لم يُكسر بعد. لذلك لا تبدو الضغوط المفروضة على لبنان، ولا الحديث المتصاعد عن “حصرية السلاح”، مجرد ترتيبات أمنية داخلية، بل جزءًا من محاولة استكمال ما عجزت الحرب عن فرضه بالكامل، عبر الضغط الاقتصادي والتفكيك السياسي ونقل الصراع إلى الداخل اللبناني.
ولأن لبنان يعيش أصلًا حالة انهيار اقتصادي وانقسام سياسي عميق، فإن هامش المناورة لديه يكاد يكون محدودًا إلى الحد الأدنى. وهكذا لا تبدو المفاوضات تعبيرًا عن فائض قوة لبناني، بقدر ما تبدو نتيجة مباشرة لاختلال ميزان القوى الإقليمي والدولي، ومحاولة لفرض ما عجزت الحرب وحدها عن تكريسه بصورة نهائية. لهذا يبدو ان لبنان اليوم، وكأنه يذهب إلى الطاولة لأنه عاجز عن رفض الذهاب، لا لأنه يملك مشروعًا تفاوضيًا متكاملًا. وهذا ما يجعل المفاوضات أقرب إلى إدارة للهزيمة منها إلى صناعة لتوازن جديد.
وفي النهاية، يبقى السؤال الأكثر قسوة: هل يفاوض لبنان دفاعًا عن سيادته، أم يفاوض لترتيب شروط المرحلة التي ستلي تراجعها؟
ذلك هو السؤال الذي سيحدد ليس فقط مصير المفاوضات، بل شكل لبنان نفسه في السنوات المقبلة.

هاني الروسان/ استاذ الاعلام في جامعة منوبة



#هاني_الروسان (هاشتاغ)       Hani_Alroussen#          


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- مؤتمر فتح والمشروع الوطني: معركة الأسماء بين تأكيد الثوابت و ...
- المؤتمر الثامن لحركة فتح: بين سؤال القيادة وتحديات المرحلة
- الحصار البحري على إيران: مقامرة -الصفر الافتراضي- والقفزة في ...
- من الردع إلى إدارة الألم: هل تنفّذ واشنطن تهديدها، وكيف تعيد ...
- من الحرب إلى المعنى: لماذا يجب على ترامب وقف الانزلاق نحو صر ...
- من كسر الخطوط الحمراء إلى اختبار سقف الحرب: ديمونة كنقطة تحو ...
- اغتيال لاريجاني: ضربة وظيفية في قلب النظام لا كسرًا لبنيته
- غياب استراتيجية للخروج: هي مأزق واشنطن في حربها على إيران
- خلافة المرشد: العدوان الإسرائيلي الأمريكي والمفاوضات كيف ترج ...
- صدام -الصفقة- بالعقيدة: لماذا يفشل المنطق التجاري في فهم معا ...
- العواصم العربية تحت النار: السيادة في مواجهة مبررات الدفاع ا ...
- محور مودي-نتنياهو وإعادة رسم خرائط الاقليم: كيف تُحجم مشاريع ...
- من الحصار المالي إلى التفكيك الإداري: هل يجري إفراغ السلطة ا ...
- من الاحتواء النشط إلى الضم -القانوني-: كيف تكشف -تسوية الأرا ...
- حدود النفوذ الإسرائيلي في القرار الأميركي: مصير ايران بين من ...
- بين تغيير النظام وضبط سلوكه: التداعيات الجيوسياسية المحتملة ...
- زيارة بلا ضجيج: هل حاول ابو مازن إفشال مشروع التجاوز الأمريك ...
- الامن القومي السعودي: إعادة ترتيب مصادر التهديد وبناء تحالفا ...
- ترامب الذي يفكك هياكل النظام الدولي: هل يصنع شروط حرب لا يري ...
- بعد اختطاف مادورو: التآكل الصامت للدور النفطي السعودي


المزيد.....




- العطش يضرب مناطق في الهند وسط موجة حر شديدة
- إعلام إيراني: طهران علّقت المحادثات مع أمريكا رفضًا لضربات إ ...
- النمسا تحاكم مسؤولين سابقين بالأجهزة الأمنية السورية على خلف ...
- تكاليف الدفن تقفز وبيانات قتلى الاحتجاجات تختفي.. ماذا يحدث ...
- وزير الداخلية الفرنسي يستقبل نظيره الجزائري.. نحو تطبيع كامل ...
- انتخابات إثيوبيا.. من يقود السنوات الخمس المقبلة؟
- رانيا العباسي.. زوج ظهر في صور قيصر وأطفال كشفتهم تسجيلات ال ...
- -النمر- يربك المؤسسة السياسية.. كيف قرأت الصحافة الأمريكية ا ...
- مهمة الكناري.. من يقف وراء الموقع الذي يطارد داعمي فلسطين حو ...
- مدير المخابرات التونسية يكشف كواليس -فبركة الملفات- ضد خصوم ...


المزيد.....

- الطائفية المتغلغلة في لبنان / حسين محمود صالح
- صدى دولي لكتاباتي: من إحدى أبرز مفكرات اليسار الإيطالي إلى أ ... / رزكار عقراوي
- كتاب : جينات التراب وأساطير السماء: قراءة في علم الآثار، وال ... / احمد صالح سلوم
- الإضرابات العمالية في العراق: محاولة للتذكير! / شاكر الناصري
- كتاب : ميناب لا تبكي وحدها.. الهمجية المكشوفة: تفكيك العقلية ... / احمد صالح سلوم
- k/vdm hgjydv hg-;-gdm / أمين أحمد ثابت
- كتاب : حَمَّالُ أَوْجُه..الصراع الطبقي والتأويل في الإسلام / احمد صالح سلوم
- كتابات غير.. ساخرة / حسين جداونه
- يخطف أبصارهم ـ ومضات قصصية / حسين جداونه
- جزيرة الغاز القطري : مملكة الأفيون العقلي " إمبراطورية ا ... / احمد صالح سلوم


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - هاني الروسان - بأية أوراق يقاتل لبنان للذهاب إلى التفاوض مع إسرائيل؟