|
|
ديفيد هارفي وملامح الرأسمالية دائمة التغيير: رؤية نقدية لمشروعه النظري بقلم: مايكل روبرتس
بندر نوري
كاتب وباحث من السودان
(Bandar Noory)
الحوار المتمدن-العدد: 8723 - 2026 / 6 / 1 - 00:07
المحور:
ابحاث يسارية واشتراكية وشيوعية
يُعدّ البروفيسور ديفيد هارفي أحد أبرز الجغرافيين والمنظّرين الاقتصاديين الماركسيين المعاصرين، وقد امتد تأثيره الفكري عبر عدة عقود من خلال أعماله التي تناولت تحليل الرأسمالية وبنيتها وآليات تطورها وملامحها المتغيرة باستمرار. وعلى الرغم من دخوله عقده التاسع في أكتوبر/تشرين الأول من العام الماضي، فإنه لا يزال يدرّس في مركز الدراسات العليا بجامعة مدينة نيويورك.
بحلول عام 2026 ألّف البروفيسور هارفي كتاباً جديداً بعنوان قصة رأس المال: ما الذي ينبغي للجميع معرفته عن كيفية عمل رأس المال؟ ويمكن الاستشهاد بما ورد في التعريف الخاص بالكتاب على موقع فيرسو .(Verso) في كتابه قصة رأس المال، يتبنى هارفي مقاربة شمولية للبنية النظرية للرأسمالية، فيتناول محطاتها الأساسية بدءاً من العمل والتكنولوجيا والدولة والجغرافيا السياسية، مروراً بمعدل الربح وإعادة الإنتاج الاجتماعي والعلاقة مع الطبيعة ورأس المال الوهمي، وصولاً إلى إيرادات أصحاب الدخول. وبهذا يقدم هارفي عملاً قد يصبح مرجعاً أساسياً لكل من يسعى إلى فهم طبيعة "الرأسمالية المعاصرة." ويتضمن موقع فيرسو كذلك مقطع فيديو يعرض فيه هارفي بعض الأفكار الرئيسة الواردة في كتابه الجديد. شكلت أعمال هارفي على امتداد عقود مرجعاً مهماً للعديد من المنظّرين الماركسيين، كما رسّخت مكانته بوصفه أحد أبرز الأسماء في النظرية الاقتصادية الماركسية المعاصرة. غير أن المشكلة في رأيي، تتمثل في أن تفسيره للرأسمالية خلال القرنين العشرين والحادي والعشرين يقود قراءه إلى استنتاجات مضللة. كما أن ابتكاراته النظرية التي سعى من خلالها إلى تفسير تطور الرأسمالية انطلاقاً من ماركس، تعاني من إشكالات جوهرية. ولن أعرض حججي بشأن هذا الاستنتاج من خلال نقد كتابه الأخير فحسب، بل أيضاً بالإشارة إلى عدد من المقالات المنشورة في مدونتي، وإلى أوراق علمية تناولت أعمال هارفي خلال العقد الماضي وما سبقه. ألّف هارفي عدداً من الكتب في مجال الجغرافيا الرأسمالية منذ ستينيات القرن الماضي، ثم توسع منذ ثمانينياته في دراسة الأسس الاقتصادية للرأسمالية، بدءاً من عمله الرائد (حدود رأس المال 1982)، مروراً بكتابه (الإمبريالية الجديدة 2003) وكتاب (تاريخ موجز لليبرالية الجديدة 2005). ومع ذلك، سأبدأ نقدي من كتابه (لغز رأس المال 2010). وكما أوضحتُ في مقال نشرته في مدونتي في ذلك الوقت، يرى هارفي أن ما يصفه بـ "قيود الاستثمار المربح" لا يعود أساساً إلى قانون ميل معدل الربح إلى الانخفاض (LRTPF)، بل إلى عوامل أخرى مرتبطة ببنية الرأسمالية المعاصرة. وقد استبعد هارفي بصورة واضحة أن يؤدي قانون ماركس لميل معدل الربح إلى الانخفاض دوراً حاسماً في تفسير الأزمات الرأسمالية، وبخاصة أزمة الركود الاقتصادي العظيم. وبدلاً من ذلك، رأى أن سياسات النيوليبرالية خلال العقود الخمسة والعشرين السابقة كانت السبب الأساسي للأزمة، إذ أسهمت هذه السياسات في خفض الأجور وتشجيع التوسع المفرط في الديون، مما أدى إلى خلق نقص في "الطلب الفعال" وفقاً للنظرية الكينزية. ونتيجة لذلك، حدث انهيار في الربحية، وليس العكس كما تفترض القراءة المرتبطة بقانون ماركس. ويرى هارفي أن النيوليبرالية غيّرت بصورة جذرية مستويات "مخطط إعادة الإنتاج" الذي قدّمه ماركس في المجلد الثاني من كتاب رأس المال. ومن ثمّ أصبحت طبيعة الأزمات الرأسمالية المعاصرة مختلفة عن أزمات سبعينيات القرن الماضي. ففي رأيه، لم تعد آليات الرأسمالية قادرة وحدها على استيعاب الفائض المتولد من العوائد، الأمر الذي أدى إلى تعويض هذا القصور عبر التوسع في القروض والديون. وعندما انهارت منظومة الائتمان، ظهرت الأزمة في صورة أزمة فائض إنتاج أو قصور في الاستهلاك. لكن ماركس، في المجلد الثاني من رأس المال، رفض تفسير الأزمات باعتبارها ناتجة عن اختلال التوازن بين قطاعي الاستهلاك والاستثمار أو عن عجز في استيعاب الفائض. فزيادة الاستثمار في رأيه، تعني نمو أسرع في قطاع السلع الرأسمالية مقارنة بقطاع السلع الاستهلاكية. وكما يشير أندرو كليمان: "توضح مخططات إعادة الإنتاج إمكانية استمرار النمو إلى أجل غير محدد رغم تراجع الطلب الاستهلاكي، وذلك من خلال الزيادة في الطلب على وسائل الإنتاج والآلات التي تُستخدم بدورها في إنتاج مزيد من الآلات." (مخطوطة لم يتم نشرها). وعليه، لا يمكن اعتبار مخططات إعادة الإنتاج تفسيراً مباشراً للأزمات الرأسمالية. فقصور الطلب أو ضعف استيعاب فائض السلع الاستهلاكية لا يشكل في حد ذاته سبباً للأزمة داخل عملية الإنتاج الرأسمالي. وتعود المسألة إلى أن تمويل رأس المال الثابت مثل المصانع والمكاتب والتقنيات الجديدة لا يمكن أن يعتمد على القيمة المتولدة من دورة إنتاج واحدة فقط. لذلك يصبح الائتمان ضرورياً لتوفير الموارد التي تسمح للرأسماليين بشراء وسائل إنتاج تتجاوز تكلفتها الأرباح المتحققة خلال دورة واحدة. غير أن هذا الائتمان ينطوي على مخاطرة جوهرية تتمثل في إمكانية تحوّل المال إلى ما وصفه ماركس بـ"رأس المال الوهمي"، أي عندما لا يكون الاستثمار قادراً على توليد ما يكفي من القيمة الإضافية لسداد أصل الدين وفوائده. ويظهر هذا الأمر بصورة أكثر وضوحاً عندما تُوجَّه الأموال إلى المضاربات المالية بدلاً من استثمارها مباشرة في القطاعات الإنتاجية. وبالتالي، فإن السبب الجوهري للأزمات في النظام الرأسمالي يتمثل في عدم كفاية القيمة الإضافية اللازمة لتمويل الاستثمار والائتمان، وليس كما يشير هارفي في العجز عن استيعاب فائض القيمة. للتبحر في هذا الموضوع يمكنكم قراءة انتقاد باول ماتيك جنيور لأعمال هارفي. نشر هارفي عام 2014 كتاباً جديداً بعنوان "التناقضات السبعة عشر للرأسمالية"، وهو عمل يستحق القراءة لما يقدمه من محاولة واسعة لإعادة تفسير البنية الداخلية للرأسمالية وتناقضاتها. وفي هذا الكتاب، مضى هارفي خطوة أبعد في إعادة تفسيره لنظرية ماركس في الأزمات، إذ رأى أن "التناقض الكامن في قلب الرأسمالية" يتمثل في آلية تراكم رأس المال التي تؤدي إلى ظهور"مستهلكين لا يمتلكون وسائل الاستهلاك".
ومن هذا المنطلق، اعتبر أن قصور الاستهلاك لا يؤدي إلى تراجع الأرباح بقدر ما يفضي إلى اندلاع الأزمات نفسها. لذلك، رأى أن قانون ماركس لميل معدل الربح إلى الانخفاض لا يمكن اعتباره تفسيراً مركزياً للأزمات الرأسمالية. وبحسب هارفي، لا توجد علاقة مباشرة بين هذا القانون وبين الركود المزدوج الذي شهدته الاقتصادات الرأسمالية في مطلع ثمانينيات القرن الماضي، على الرغم من أن ذلك الركود أدى إلى تدمير جزء من رأس المال واستعادة مستويات الربحية. وفي نظره، فإن العامل الحاسم في تلك المرحلة لم يكن قانوناً اقتصادياً بنيوياً، بل كان نتيجة "للسياسات، ولا شيء غير السياسات". ومع ذلك، لم يقتصر موقف هارفي على رفض اعتبار قانون ميل معدل الربح إلى الانخفاض سبباً رئيسياً للأزمات، بل ذهب إلى التشكيك في فكرة وجود تفسير سببي واحد للأزمات الرأسمالية من الأساس. ففي كتابه لغز رأس المال كتب: "لا توجد نظرية سببية واحدة للأزمات، كما يفترض بعض الاقتصاديين الماركسيين. وليس من المجدي محاولة حصر هذا التعقيد وهذه المرونة داخل إطار نظرية مركزية واحدة، مثل نظرية انخفاض معدل الربح". وفي هذا السياق، خصّ هارفي بالذكر عدداً من الباحثين الذين يعتبرون قانون ميل معدل الربح إلى الانخفاض أساساً لتفسير الأزمات الرأسمالية، ومن بينهم ميكائيل روبرتس. ففي ورقة علمية نشرها عام 2014، كتب: "خلال فترات الأزمات، يعود الماركسيون باستمرار إلى نظرية ميل معدل الربح إلى الانخفاض بوصفها التفسير الرئيسي للأزمة. فعلى سبيل المثال، يعزو ميكائيل روبرتس حالة الركود الطويل الراهنة إلى هذه النظرية". ثم تابع هارفي قائلاً إن روبرتس يدعم أطروحته بمجموعة من الرسوم البيانية والبيانات الإحصائية المتعلقة بانخفاض معدلات الربح، لكنه رأى أن قبول هذه النتائج يعتمد على عاملين أساسيين: أولاً، مدى موثوقية البيانات المستخدمة ومدى ملاءمتها للنظرية؛ وثانياً، احتمال وجود آليات أخرى قد تؤدي إلى انخفاض الربحية بخلاف تلك التي يقترحها روبرتس. كما أبدى هارفي تقارباً مع بعض التفسيرات التي قدمها باحثون مثل مايكل هاينريش، والتي تشير إلى احتمال أن يكون ماركس نفسه قد أصبح متشككاً في قانون ميل معدل الربح إلى الانخفاض خلال سنواته الأخيرة. وأشار هارفي إلى ذلك بقوله: "وجدت أن تفسير هاينريش ينسجم بدرجة كبيرة مع شكوكي القديمة بشأن الملاءمة العامة لهذا القانون". بل إنه ذهب إلى أبعد من ذلك عندما شكك في إمكانية اعتبار هذا القانون "قانوناً" بالمعنى الدقيق، مشيراً إلى أن ماركس نفسه استخدم تعبيرات متعددة عند الإشارة إليه، فتارة وصفه بالقانون، وتارة باعتباره قانوناً ذا ميل، وأحياناً مجرد اتجاه عام. وانطلاقاً من ذلك، رأى هارفي أن المدافعين عن قانون ميل معدل الربح إلى الانخفاض يتبنون منظوراً أحادياً ومتحيزاً، لأنهم بحسب رأيه يقللون من أهمية الاتجاهات والعوامل الموازية الأخرى التي قد تسهم في نشوء الأزمات الرأسمالية. يرى هارفي أن أنصار قانون ميل معدل الربح إلى الانخفاض يغفلون عدداً من السمات الأساسية للرأسمالية التي قد تكون، في نظره، أكثر قدرة على تفسير الأزمات، مثل الانهيارات المالية والاضطرابات المرتبطة بالنظام الائتماني. ويذهب إلى أن التركيز المفرط على الربحية قد يقود إلى التقليل من أهمية التطورات التي سبقت أزمة 2007–2008. ويشير هارفي إلى أن بعض التفسيرات المرتبطة بقانون ميل معدل الربح إلى الانخفاض توحي، بصورة ضمنية، بعدم وجود علاقة جوهرية بين التوسع الائتماني والانهيار المالي الذي وقع في عامي 2007 و2008، وهو ما يراه استنتاجاً غير مقنع عند مقارنته بالتسلسل الفعلي للأحداث. كما يرى أن هذا التفسير قد يخفف من مسؤولية المؤسسات المالية والمصرفيين عن دورهم في إنتاج الأزمة. غير أن هذا الاتهام يبدو غريباً إلى حد ما، خاصة بالنظر إلى أنني وغيري من الباحثين الذين تبنوا تفسيراً قائماً على الربحية لم نتجاهل الدور المركزي للقطاع المالي في الأزمة. وقد تناولت هذه المسألة بصورة تفصيلية في كتابي "الركود العظيم: وجهة نظر ماركسية (2009)"، وكذلك في فصل "مسائل الديون" الوارد ضمن كتاب "العالم في أزمة (2018)". كما شكك هارفي في النتائج التجريبية التي تدعم قانون ماركس لميل معدل الربح إلى الانخفاض، معتبراً أن الأدلة المتاحة لا تقدم دعماً حاسماً لهذا القانون. وذكر في هذا السياق أن كثيراً من البيانات المنشورة في الصحافة الاقتصادية والتجارية تشير إلى أن معدلات الربح أو على الأقل إجمالي الأرباح ظلت في حالة ارتفاع داخل الاقتصاد الأمريكي. وأضاف أنه حتى إذا افترضنا حدوث انخفاض في معدل الربح خلال فترة ما بعد الحرب، فإن ذلك لا يعني بالضرورة أن هذا الانخفاض يعود إلى الآلية التي يطرحها قانون ماركس، إذ يمكن أن ينشأ لأسباب متعددة. وفي هذا الإطار، أشار إلى عدد من التفسيرات الاقتصادية المختلفة: فالتفسير ما بعد الكينزي يعزو انخفاض الربحية إلى ضعف الطلب، بينما ترى نظريات ضغط الأرباح ذات الطابع النيو-ريكاردي أن ارتفاع الأجور يؤدي إلى تقليص هوامش الربح. أما المدرسة الكلاسيكية الجديدة فترجع المسألة إلى ندرة الموارد، في حين تركز المقاربات المرتبطة بتيار مونثلي ريفيو على تأثيرات الاحتكار واستخراج الريع من رأس المال الصناعي. ومع ذلك، فقد أظهر عدد من الباحثين أن قانون ماركس لميل معدل الربح إلى الانخفاض ليس مفهوماً غير محدد أو متناقضاً منطقياً، كما أنه لا توجد أدلة قاطعة تثبت أن ماركس تراجع عنه في سنواته الأخيرة، كما ذهب إلى ذلك هاينريش. أما فيما يتعلق باتهام المدافعين عن القانون بالنزعة الأحادية، فقد قدم كارشيدي ملاحظة مهمة حين قال: "إذا كانت الأزمات تتكرر بينما تختلف أسباب كل أزمة عن الأخرى، فإن هذه الأسباب المختلفة قد تفسر خصوصية كل أزمة على حدة، لكنها لا تفسر سبب تكرار الأزمات نفسها. وإذا كانت الأزمات تتكرر، فلا بد من وجود عامل مشترك يظهر بأشكال مختلفة عبر أزمات متعددة." "وعلى هذا الأساس، لا يمكن تجنب البحث عن سبب أساسي مشترك للأزمات. في عام 2015، سعى هارفي إلى تقديم قراءة مختلفة لفهم ماركس للأزمات الرأسمالية، تقوم على فكرة أن الأزمات ليست نتاج سبب واحد مباشر، بل هي نتيجة للتفاعل المتبادل بين عناصر متعددة داخل الدورة الكلية لرأس المال. وبحسب هذا التصور، لا يمكن فهم الإنتاج باعتباره العامل الوحيد المحدد لبقية العناصر الاقتصادية، بل يجب النظر إليه بوصفه جزءاً من شبكة من العلاقات المتبادلة التي تؤثر فيها كل مرحلة في المراحل الأخرى. لذلك، لا يمكن اختزال التسلسل السببي في مسار أحادي يبدأ من ربحية رأس المال، ثم ينتقل إلى الاستثمار والإنتاج، وصولاً إلى الاستهلاك، بل إن هذه العناصر جميعاً تتفاعل فيما بينها بصورة مستمرة. وفي إحدى الأوراق التي نشرها خلال تلك الفترة، قدم هارفي تفسيراً مختلفاً لما طرحه ماركس. فماركس يشير إلى أن: "الإنتاج المحدد يحدد استهلاكاً محدداً، كما يحدد التوزيع والتبادل والعلاقات المتبادلة بين مختلف اللحظات". لكن ماركس أشار أيضاً إلى أن هذا التحديد لا يعمل في اتجاه واحد فقط، بل في إطار علاقة ديالكتيكية تتضمن تأثيرات متبادلة بين مختلف المكونات. غير أن هارفي يوسع هذا التصور ليخلص إلى أن الأزمات الرأسمالية بطبيعتها متعددة الأسباب. وفي هذا السياق كتب: "مثلما توجد أسباب عديدة لا حصر لها لمرض جسم الإنسان وموته إلى جانب الشيخوخة، توجد أيضاً نقاط ضعف متعددة واحتمالات متنوعة للفشل داخل رأس المال. كما أن أي فشل في موضع معين ينتقل غالباً ليؤدي إلى فشل في مواضع أخرى". ومن هذا المنطلق يرى أن كل أزمة تمتلك خصائصها الخاصة وأسبابها المميزة، وبالتالي فإن مهمة الباحث الماركسي ليست البحث عن قانون عام ثابت يفسر جميع الأزمات، وإنما تشخيص العوامل المحددة التي أدت إلى كل أزمة على حدة. وبحسب هذا الفهم، فإننا لا نستطيع الذهاب إلى ما هو أبعد من هذا التشخيص، لأن أسباب الأزمات شأنها شأن أسباب الأمراض البشرية تتغير بمرور الزمن نتيجة لتحولات البيئة الاجتماعية والاقتصادية والتكنولوجية، فضلاً عن تغير الظروف التاريخية نفسها. في المقابل، اقترحتُ في ذلك الوقت تصوراً مختلفاً لطبيعة الأزمات الرأسمالية، مستخدماً مجاز آلة البينبول لتوضيح الفكرة. في هذا التشبيه تمثل الكرة عملية تراكم رأس المال، بينما تمثل العقبات المختلفة المراحل والعوامل المتعددة داخل الدورة الاقتصادية. تتحرك الكرة مصطدمة بهذه العقبات بصورة مستمرة، فتؤدي كل صدمة إلى ظهور أزمة أو اضطراب محدد يختلف جزئياً عن غيره. وتتفاعل هذه الأزمات فيما بينها بصورة متبادلة، فقد تنتقل الأزمة من قطاع الإسكان إلى أسواق الأسهم، ثم إلى القطاع المصرفي، وهكذا. غير أن وجود هذه التفاعلات المتعددة لا يفسر وحده سبب استمرار حدوث الأزمات بصورة دورية. فالسبب الأعمق في هذا المجاز يتمثل في وجود ميل بنيوي يشبه الانحدار الذي تتحرك عليه الكرة بفعل الجاذبية. فمهما تدخلت العوامل الخارجية أو السياسات الحكومية لإبطاء الحركة، يظل الاتجاه الأساسي قائماً، وتستمر الكرة في الانحدار حتى تصل في النهاية إلى نقطة التوقف والانهيار. وبالمثل، فإن تراكم رأس المال يحمل داخله ميلاً بنيوياً يقود بصورة دورية إلى تعطّل عملية التراكم وحدوث الأزمة. في كتابه اللاحق "ماركس، رأس المال، وجنون العقل الاقتصادي"، حاول هارفي إعادة تقييم مشروع ماركس النظري وحدوده في تفسير الرأسمالية المعاصرة. ويرى هارفي أنه على الرغم من أن ماركس قدم تحليلاً بالغ الأهمية لعملية الإنتاج الرأسمالي في المجلد الأول من رأس المال، فإن الأجزاء اللاحقة من المشروع بقيت غير مكتملة، ثم جرى تحريرها ونشرها لاحقاً بواسطة إنجلز. وانطلاقاً من هذا التقدير، يرى هارفي أن تحليل ماركس لم يكتمل بالصورة التي تمكنه من تقديم تفسير شامل للتطورات اللاحقة في الرأسمالية الحديثة. ويعزو ذلك إلى أن الإنتاج، في رأيه، لا يمثل سوى جزء من الحركة الكلية للقيمة داخل النظام الرأسمالي. وبحسب هارفي، فإن الأزمات الرأسمالية يمكن أن تنشأ نتيجة اضطرابات تحدث في عملية التداول أو في عمليات التحول الاقتصادي، بالقدر نفسه وربما بدرجة أكبر مما تنشأ من مشكلات مرتبطة بإنتاج فائض القيمة نفسه، وهو ما يرتبط أساساً بتحليلات المجلد الثاني من رأس المال. أما في السياق المعاصر، فيرى أن الأزمات قد تظهر بصورة متزايدة داخل المجال المالي نتيجة التوسع المفرط في المديونية وتضخم النشاط المالي، وهو ما يرتبط بالمناقشات الواردة في المجلد الثالث. وانطلاقاً من هذا التصور، يرى هارفي أنه لا ينبغي البحث عن أكثر مواقع الصراع الاجتماعي أهمية داخل العلاقة التقليدية بين العمال والرأسماليين في مواقع الإنتاج وحدها، بل ينبغي أيضاً النظر إلى المجتمعات المحلية والفضاءات الحضرية والشوارع باعتبارها مواقع أساسية للصراع. غير أنني أتبنى موقفاً مختلفاً. ففي تقديري، يمكن النظر إلى المجلدات الثلاثة من رأس المال بوصفها أجزاء مترابطة تشكل إطاراً نظرياً متكاملاً لفهم الأزمات الرأسمالية. ويقوم هذا الإطار على السعي المستمر لتحقيق الربح وتراكم فائض القيمة، وهو مسار يقود بصورة دورية إلى أزمات متكررة نتيجة عمل قانون ميل معدل الربح إلى الانخفاض. وفي هذا السياق، أشار بول ماتيك الأب خلال سبعينيات القرن الماضي إلى أن: "تظهر الأزمة في عملية التداول، لكن الأزمة الحقيقية لا يمكن فهمها باعتبارها مجرد مشكلة في التداول أو التنفيذ، بل يجب فهمها باعتبارها اضطراباً في عملية إعادة الإنتاج ككل". وأضاف: "تشمل عملية إعادة الإنتاج والتداول معاً، وهي تعتمد على تراكم رأس المال وعلى كتلة فائض القيمة التي تجعل هذا التراكم ممكناً. لذلك فإن العوامل الحاسمة التي تنقل الأزمة من مجرد احتمال إلى واقع فعلي تكمن داخل دائرة الإنتاج". ثم يخلص إلى نتيجة مفادها أن: "السمة المميزة للأزمة الرأسمالية لا تنشأ من الإنتاج أو التداول كلٌّ على حدة، بل من الصعوبات المتزايدة الناتجة عن ميل معدل الربح إلى الانخفاض، وهو ميل متجذر في عملية التراكم ذاتها ومحكوم بقانون القيمة". يرى هارفي أن الأزمات الرأسمالية تنشأ بصورة أساسية نتيجة السعي المستمر إلى خفض الأجور إلى أدنى مستوى ممكن، كما حدث خلال المرحلة النيوليبرالية التي أعقبت سبعينيات القرن الماضي. ووفقاً لهذا التفسير، فإن المشكلة الجوهرية تكمن في جانب التنفيذ أو تحقيق القيمة داخل السوق، أكثر مما تكمن في عملية الإنتاج ذاتها. لكن يبرز هنا سؤال مهم: هل كانت الأجور المنخفضة هي السبب في أول انهيار اقتصادي كبير خلال مرحلة الرأسمالية في فترة ما بعد الحرب، أي أزمة 1974–1975؟ تشير كثير من التحليلات، بما في ذلك بعض التحليلات الماركسية، إلى عكس ذلك. فقد كان الاعتقاد السائد آنذاك أن ارتفاع الأجور أدى إلى الضغط على معدلات الربح، وهو ما أسهم في حدوث الأزمة والانهيار الاقتصادي. ويذهب عدد كبير من الماركسيين اليوم إلى أن أزمة الربحية تلك مهدت أيضاً للانهيار اللاحق الذي حدث بين عامي 1980 و1982. أما هارفي، فيرى أن الرأسمالية حققت أداءً جيداً خلال خمسينيات القرن الماضي بسبب ارتفاع الأجور وقوة النقابات العمالية، وهو ما ساعد وفقاً لمنطق الطلب الفعال على دعم النشاط الاقتصادي. لكن ثمة تفسيراً بديلاً لهذه المرحلة يتمثل في أن ما يعرف بالعصر الذهبي للرأسمالية في فترة ما بعد الحرب كان مرتبطاً أساساً بارتفاع مستويات الربحية. فقد سمحت معدلات الربح المرتفعة لرأس المال بالحفاظ على مستويات مرتفعة من الإنتاج والتراكم. وعندما بدأت معدلات الربح في الانخفاض داخل الاقتصادات الرأسمالية الكبرى منذ منتصف ستينيات القرن الماضي، تصاعدت حدة الصراع الطبقي داخل مواقع العمل، ثم جاءت الهزيمة التي تعرضت لها الحركة العمالية لاحقاً لتفتح الطريق أمام صعود المرحلة النيوليبرالية. وفي عام 2018، اتجه هارفي إلى مراجعة نظرية ماركس في القيمة في سياق الرأسمالية المعاصرة. ففي مقاله المعنون "رفض ماركس نظرية قيمة العمل"، ذهب إلى أن ماركس لم يطرح في الواقع ما يمكن تسميته "نظرية قيمة العمل" بالشكل التقليدي المتداول. بل رأى أن القيمة عند ماركس ليست سوى انعكاس للعمل المتجسد في السلع التي تُنتج وتُطرح للتبادل داخل السوق. وقد عبّر عن ذلك بقوله: "إذا لم توجد سوق، فلا توجد قيمة". إذا صح هذا الطرح، فإن القيمة لا تظهر داخل عملية الإنتاج نفسها، وإنما تظهر فقط عبر المال وعلاقات التبادل السوقي. وفي هذا السياق، تبنى هارفي أيضاً ما يعرف بـ"نظرية شكل القيمة"، وهي مقاربة يتبناها عدد من الباحثين الذين يرفضون اعتبار قانون ميل معدل الربح إلى الانخفاض أساساً لنظرية الأزمات. إلا أن القيمة، وفق الفهم الذي أدافع عنه، لا تُخلق في السوق أو في المال، وإنما ترتبط بالعمل المتجسد داخل السلع أثناء عملية الإنتاج قبل دخولها إلى السوق. فالقيمة تمثل، في جوهرها، التعبير الاجتماعي عن العمل البشري المبذول في عملية الإنتاج، بينما يمثل المال الشكل الذي تُعبَّر من خلاله هذه القيمة في عملية التبادل، وليس العكس. وكما يوضح ماركس في المجلد الأول من رأس المال: "يُعبَّر عن قيمة السلع في أسعارها قبل دخولها إلى التداول، ولذلك فهي شرط سابق للتداول وليست نتيجة له". في عام 2019، ومع اتساع نطاق النتائج التجريبية التي تدعم فرضية ميل معدل الربح إلى الانخفاض داخل الأوساط الماركسية وحتى خارجها، قدم هارفي اعتراضاً جديداً على أهمية هذا القانون. فقد رأى أن الماركسيين أولوا اهتماماً مفرطاً لمعدل الربح بوصفه المؤشر الأساسي لفهم الرأسمالية، في حين أنهم لم يمنحوا الاهتمام الكافي لما يحدث على مستوى كتلة الأرباح. ووفقاً لرأيه، فإن كتلة الأرباح هي المؤشر الأكثر أهمية لفهم الاتجاهات العامة للرأسمالية المعاصرة. غير أن هذا الاعتراض لا يدحض قانون ماركس لميل معدل الربح إلى الانخفاض، بل قد يكون منسجماً معه في بعض الجوانب. فمن الممكن تماماً، بل ومن المرجح في كثير من الحالات، أن ينخفض معدل الربح في الوقت الذي تستمر فيه كتلة الأرباح في الارتفاع. وقد خصص هنريك غروسمان جزءاً مهماً من عمله النظري لشرح العلاقة بين معدل الربح وكتلة الأرباح، موضحاً كيف يمكن أن يتحرك المؤشران في اتجاهات مختلفة خلال مراحل معينة من عملية التراكم الرأسمالي. ومع ذلك، انتهى في تحليله إلى نظرية للأزمة تقوم على عدم كفاية الأرباح اللازمة لدعم استمرار التوسع الاستثماري. وفي مناقشة جمعتني مع هارفي خلال مؤتمر المادية التاريخية عام 2019، قدمت أدلة تجريبية هدفت إلى إظهار أن انخفاض الربحية يقود في نهاية المطاف إلى تباطؤ النمو الاقتصادي، وربما إلى انخفاض في كتلة الأرباح نفسها، الأمر الذي يؤدي إلى تفاقم الأزمات الرأسمالية حتى قبل ظهور تراجع واضح في الاستهلاك أو الائتمان. وفي مقال نشرته مجلة جاكوبين تضمن مقتطفات من كتاب هارفي الجديد، أشار الكاتب إلى أن أحد أهم إسهامات ماركس تمثّل في فهمه للرأسمالية بوصفها نظاماً كلياً مترابطاً. غير أن المشكلة الأساسية تبقى في كيفية استخلاص المفاهيم والعلاقات العامة من ذلك الكم الهائل والمتنوع من الممارسات الاجتماعية المرتبطة بالتبادل السوقي والإنتاج الرأسمالي. كما تتمثل المشكلة أيضاً في كيفية التأكد من أن الإطار المفاهيمي المستخدم قادر على تقديم تفسير كافٍ لما وصفه ماركس بـ"قوانين حركة رأس المال". يرى هارفي أن نظرية الأزمة الماركسية التقليدية لا تؤدي هذه المهمة على النحو المطلوب. ولذلك يدعو إلى تحويل الاهتمام نحو قضايا أخرى، مثل اللامساواة والاغتراب، بدلاً من التركيز بصورة أساسية على أزمة التراكم داخل النظام الرأسمالي. ومن وجهة نظره، فإن معاناة الطبقة العاملة في الوقت الراهن لم تعد ترتبط بصورة رئيسية بالصراع التقليدي بين العمل ورأس المال داخل مواقع الإنتاج، بل أصبحت مرتبطة بصورة أكبر بما يسميه "تداول قوة العمل"، وما ينتج عنه من ضعف القدرة الاستهلاكية وتزايد الاعتماد على الديون. وفي نهاية المطاف، أترك للقارئ الحكم على ما إذا كان هذا يمثل بالفعل الاتجاه الأكثر ملاءمة للاقتصاد السياسي الماركسي في عشرينيات القرن الحادي والعشرين.
#بندر_نوري (هاشتاغ)
Bandar_Noory#
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟
رأيكم مهم للجميع
- شارك في الحوار
والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة
التعليقات من خلال
الموقع نرجو النقر
على - تعليقات الحوار
المتمدن -
|
|
|
|
نسخة قابلة للطباعة
|
ارسل هذا الموضوع الى صديق
|
حفظ - ورد
|
حفظ
|
بحث
|
إضافة إلى المفضلة
|
للاتصال بالكاتب-ة
عدد الموضوعات المقروءة في الموقع الى الان : 4,294,967,295
|
-
ماركس حول الجندر والأسرة: عرض تحليلي بقلم: هيذر براو ن ترجمة
...
-
عقيدة ترامب والإمبريالية الجديدة لحركة ماغا.. بقلم: جون بيلا
...
-
حوار حول الماركسية الغربية والامبريالية حوار مع المفكر المار
...
-
عودة الفاشية في الرأسمالية المعاصرة..بقلم: سمير أمين
-
عملية تنفيذ اللامركزية في الخدمات الصحية: منظور نوعي من السو
...
-
أوهام الديمقراطية الليبرالية: الإمبريالية والعسكرة في باكستا
...
-
نظرية ماركس حول -الصدع الأيضي-: الأسس الكلاسيكية لعلم الاجتم
...
-
نظرية التبادل البيئي غير المتكافئ: ديالكتيك ماركس-أودوم..بقل
...
-
الاقتصاد السياسي لحرب السودان
-
اللاعقلانية الجديدة - بقلم المفكر الماركسي: جون بلامي فوستر.
...
-
مخلص لدراسة: عملية تنفيذ اللامركزية في الخدمات الصحية: رؤية
...
-
الصراع حول توحيد مواثيق لجان المقاومة.. كتعبير عن احتدام الص
...
-
ملاحظات حول الميثاق الثوري لسلطة الشعب- الجزء الثالث والأخير
-
ملاحظات حول الميثاق الثوري لسلطة الشعب (2)
-
ملاحظات حول الميثاق الثوري لسلطة الشعب (1)
-
لامركزية الخدمات الصحية والخصخصة.. بحث عن تجربة السودان
-
التبعية وأثرها علي القطاع الصحي
-
إقتصاد سياسي جائحة فيروس كورونا المستجد
-
إقتصاد سياسي الصحة المهنية أو نظام الصحة المهنية كخلاصة مركز
...
-
راهنية أفكار لينين.. كتابة أولية حول الثورة
المزيد.....
-
وفد من حماس والفصائل الفلسطينية يتجه إلى القاهرة لبدء محادثا
...
-
من أجل إنهاء «الاصطفافية»، والحرب على إيران، و«تبييض» الجمهو
...
-
كولومبيا: جولة ثانية من الانتخابات بين مرشحين يميني ويساري ل
...
-
توتر في تركيا: مظاهرات دعما لزعيم حزب الشعب المقال وفي الذكر
...
-
كولومبيا تتجه لجولة إعادة رئاسية بين اليميني دي لا إسبرييّا
...
-
كولومبيا تتجه إلى جولة حاسمة بين اليمين واليسار
-
كولومبيا: اليساري سيبيدا واليميني دي لا إسبرييا إلى جولة الإ
...
-
م.م.ن.ص// التحالف السياسي بين ضرورة التكتيك و إذابة الهدف ا
...
-
الامتداد الزمني في سردية النكبة
-
حزب العمال المالطي يحقق فوزا في الانتخابات التشريعية ويضمن و
...
المزيد.....
-
اليسار والنقابات العمالية والمنظمات الجماهيرية
/ رزكار عقراوي
-
مقدمة في الاقتصاد الماركسي - حلقة دراسية للاتجاه البلشفي الأ
...
/ كوران عبد الله
-
أفكار حول مقال رزكار عقراوي عن الذكاء الاصطناعي
/ ك كابس
-
روسيا: قوة إمبريالية أم “إمبراطورية غير مهيمنة في طور التكوي
...
/ بول هوبترل
-
بعض المفاهيم الخاطئة حول الإمبريالية المعاصرة
/ كلاوديو كاتز
-
فلسفة التمرد- نقد الايديولوجيا اليسارية الراديكالية
/ ادوارد باتالوف
-
كراسات شيوعية :تقرير عن الأزمة الاقتصادية العالمية والمهام ا
...
/ عبدالرؤوف بطيخ
-
الثورة التحريريّة - التوجّه الإستراتيجي و البرنامج الأساسي -
...
/ شادي الشماوي
-
هناك حاجة إلى دفن النظام الرأسمالي و ليس إلى محاولة - دَمَقر
...
/ شادي الشماوي
-
ليست أزمة ثقافة: الجذور الطبقية والتاريخية لإشكالية الاندماج
...
/ رزكار عقراوي
المزيد.....
|