أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - ابحاث يسارية واشتراكية وشيوعية - بندر نوري وومضة كمال - ماركس حول الجندر والأسرة: عرض تحليلي بقلم: هيذر براو ن ترجمة: ومضة كما ل وبندر نور ي















المزيد.....


ماركس حول الجندر والأسرة: عرض تحليلي بقلم: هيذر براو ن ترجمة: ومضة كما ل وبندر نور ي


بندر نوري وومضة كمال

الحوار المتمدن-العدد: 8683 - 2026 / 4 / 20 - 01:27
المحور: ابحاث يسارية واشتراكية وشيوعية
    


*"تمت الترجمة وإعادة النشر بإذن من منثلي ريفيو. (©) جميع الحقوق محفوظة."
النسوية والماركسية: خلفية النقاش
لقد اتسمت علاقة العديد من الباحثات النسويات، في أحسن الأحوال، بالغموض تجاه ماركس والماركسية. ويُعدّ أحد أهم مجالات الخلاف مسألة العلاقة بين ماركس وإنجلز.
أظهرت دراسات جورج لوكاتش، وتيريل كارفر، وغيرهما وجود اختلافات جوهرية بين ماركس وإنجلز فيما يتعلق بالديالكتيك، إضافة إلى عدد من القضايا الأخرى. وبالاستناد إلى هذه الدراسات، تناولتُ بدوري اختلافاتهما فيما يخص الجندر والأسرة. وتكتسب هذه المسألة أهمية خاصة في ضوء النقاشات الراهنة، إذ انتقد عدد من الباحثات النسويات ماركس وإنجلز بسبب ما يعتبرنه حتمية اقتصادية في تحليلاتهما. غير أن لوكاتش وكارفر يشيران إلى أن درجة الحتمية الاقتصادية تُعدّ فارقًا أساسيًا بين الرجلين، إذ يرى كلاهما أن إنجلز كان أكثر نزعةً أحادية وعلموية من ماركس. وتُعدّ رايا دونايفسكايا من القلائل الذين ميزوا بين ماركس وإنجلز في مسألة الجندر، مع الإشارة كذلك إلى الطابع الأحادي والحتمي الأكثر وضوحًا في موقف إنجلز، مقارنة بالفهم الديالكتيكي الأكثر تعقيدًا لدى ماركس للعلاقات الجندرية.
في السنوات الأخيرة، قلّ النقاش حول كتابات ماركس المتعلقة بالجندر والأسرة، إلا أن هذه الكتابات كانت موضع جدل واسع خلال سبعينيات وثمانينيات القرن العشرين. ففي عدد من الحالات، قامت باحثات نسويات مثل نانسي هارتسوك وهايدي هارتمان بدمج عناصر من النظرية الماركسية العامة مع التحليل النفسي أو أشكال أخرى من النظرية النسوية. وقد رأت هؤلاء الباحثات أن نظرية ماركس كانت في الأساس «عمياء جندريًا» وتحتاج إلى نظرية إضافية لفهم العلاقات الجندرية. ومع ذلك، احتفظن بالمادية التاريخية الماركسية كنقطة انطلاق لفهم الإنتاج. علاوة على ذلك، قدّمت نسويات ماركسيات إسهامات مهمة منذ أواخر ستينيات القرن العشرين وحتى الثمانينيات، لا سيما في مجال الاقتصاد السياسي. فعلى سبيل المثال، حاولت مارغريت بنستون، ومارياروزا دالا كوستا، وسيلفيا فيديريتشي، ووالي سيكومب إعادة تقييم العمل المنزلي. كما سعت ليز فوغل إلى تجاوز نموذج «النظامين المزدوجين» نحو نظرية موحدة للاقتصاد السياسي وإعادة الإنتاج الاجتماعي. كذلك أظهرت نانسي هولمستروم أن فكر ماركس يمكن توظيفه لفهم التطور التاريخي لطبيعة النساء.
لقد اعتُبرت نظرية «النظامين المزدوجين» للأبوية والرأسمالية، والتي شكّلت شكلًا شائعًا من النسوية الاشتراكية في سبعينيات وثمانينيات القرن العشرين، مشروعًا فاشلًا من قبل كثيرين في تسعينيات القرن العشرين وما بعدها. وعلى أي حال، فإن سقوط الشيوعية في الاتحاد السوفييتي وأوروبا الشرقية كان له على الأرجح أثر سلبي في تراجع شعبية النسوية الاشتراكية. وكما جادلت إيريس يونغ سابقًا، فإن نظرية النظامين المزدوجين كانت غير كافية لأنها استندت إلى نظريتين مختلفتين جذريًا للمجتمع: إحداهما تتعلق بالتطور التاريخي الدينامي للمجتمع من حيث الجوانب الاجتماعية والاقتصادية والتكنولوجية، والأخرى تقوم على تصور نفسي ثابت للطبيعة الإنسانية. ومن الصعب التوفيق بين هاتين النظريتين بسبب هذا التباين الجذري. ومع ذلك، فإن انتقاداتهما لما اعتبروه حتمية ماركس، وعمى فئاته الجندرية، وتركيزه على الإنتاج على حساب إعادة الإنتاج، وفّرت نقطة انطلاق لإعادة فحص أعمال ماركس من خلال تحليل نصي دقيق، إضافة إلى أعمال النسويات الماركسيات المشار إليهن أعلاه.
الجندر في كتابات ماركس المبكرة
تحتوي أعمال ماركس على عناصر من الإيديولوجيا الفيكتورية، غير أن ثمة الكثير مما يثير الاهتمام بشأن الجندر والأسرة متناثرًا في كتاباته. ففي وقت مبكر يعود إلى عام 1844، وفي المخطوطات الاقتصادية والفلسفية، جادل ماركس بأن موقع النساء في المجتمع يمكن استخدامه مقياسًا لتطور المجتمع ككل. ولم يكن ماركس أول من قدّم مثل هذا الطرح — إذ يُنسب غالبًا إلى شارل فورييه — غير أن هذا القول لدى ماركس لم يكن مجرد دعوة للرجال لتغيير موقع النساء. بل كان طرحًا ديالكتيكيًا يرتبط مباشرة بنظريته العامة في المجتمع. فلكي يتجاوز المجتمع شكله الرأسمالي، لا بد من تكوين علاقات اجتماعية جديدة لا تقوم حصريًا على صياغة مبتذلة ومغتربة للقيمة. وكان على البشر أن يصبحوا قادرين على رؤية بعضهم بعضًا بوصفهم ذوي قيمة في ذواتهم، لا فقط بقدر ما يمكن أن يقدمه فرد لآخر. وتكتسب النساء أهمية خاصة في هذا السياق، نظرًا لكونهن غالبًا جماعة مهمشة في معظم المجتمعات، إن لم يكن جميعها. ومن ثم، كان لا بد أن يصل الرجال والنساء إلى مستوى من التطور يُقوَّم فيه الفرد على أساس من هو، لا وفق فئة مجردة مثل رجل أو امرأة.
وعلاوة على ذلك، يبدو أن ماركس يشير إلى الجندر بوصفه فئة ديناميكية لا ثابتة. وبالطبع، لم يصرّح ماركس بذلك صراحة؛ إلا أنه في مخطوطات 1844 والأيديولوجيا الألمانية قدّم نقدًا قويًا، وبديلًا، للتصورات الثنائية التقليدية لعلاقة الطبيعة بالمجتمع. فبدلًا من اعتبار الطبيعة والمجتمع كيانين منفصلين يتفاعلان دون أن يغيّر أحدهما جوهر الآخر، يجادل ماركس بأن العلاقة بينهما علاقة ديالكتيكية. فحين يتفاعل البشر مع الطبيعة عبر العمل، يتغير كل من الفرد والطبيعة. ويحدث ذلك لأن البشر يوجدون بوصفهم جزءًا من الطبيعة، ولأن عملية العمل توفر وسيلة لوحدة مؤقتة بينهما. وبما أن الطبيعة والمجتمع ليسا كيانين ثابتين، فقد رأى ماركس أنه لا يمكن الحديث عن مفهوم «طبيعي» عابر للتاريخ. بل إن مفهوم «الطبيعي» لا يكون ذا معنى إلا في سياقات تاريخية محددة.
ومع أنه لا ينبغي رسم تشابه مفرط بين ثنائية الطبيعة/الثقافة وثنائية الرجل/المرأة — إذ قد يؤدي ذلك إلى إعادة تشيئ هذه الفئات التي نسعى إلى تغييرها — فإن نمط التفكير الديالكتيكي الذي يُظهره ماركس في تناوله لثنائية الطبيعة/الثقافة يتجلى أيضًا في مناقشة ماركس وإنجلز للتقسيم الجندري للعمل في الأيديولوجيا الألمانية. فهناك يشيران إلى أن تقسيم العمل في الأسرة المبكرة ليس «طبيعيًا» بالكامل. بل إنهما يوضحان، حتى في مناقشتهما الموجزة لتطور الأسرة، أن هذا التقسيم القائم على الجندر لا يكون «طبيعيًا» إلا في علاقات إنتاج بدائية جدًا، حيث تجعل الاختلافات البيولوجية من الصعب على النساء أداء بعض الأعمال الجسدية الشاقة. ويترتب على ذلك أن دونية النساء المفترضة في هذه المجتمعات أمر قابل للتغير مع تغير المجتمع. وإضافة إلى ذلك، وبما أن عنصرًا اجتماعيًا متضمن، فإن التطور التكنولوجي وحده لا يكفي: إذ يتعين على النساء أنفسهن أن يناضلن لتغيير أوضاعهن.
النساء والاسرة في المجتمع الرأسمالي
في موضعين آخرين على الأقل من كتاباته المبكرة، يناقش ماركس وضع النساء في المجتمع الرأسمالي. ففي العائلة المقدسة، ينتقد ماركس تعليق أوجين سو الأخلاقي على شخصية بائعة الهوى الباريسية الخيالية «فلور دو ماري» في رواية أسرار باريس. ففي هذه الرواية، يتم «إنقاذ» فلور دو ماري من الفقر ومن حياتها كبائعة هوى على يد أمير ألماني صغير، يودعها لاحقًا في رعاية امرأة متدينة وكاهن يلقنانها دروسًا عن لا أخلاقية سلوكها. وفي النهاية، تدخل ديرًا وتموت بعد ذلك بوقت قصير.
هنا ينتقد ماركس قبول سو غير النقدي للتعاليم الاجتماعية الكاثوليكية التي تركز على شكل مجرد من الأخلاق لا يمكن تحقيقه فعليًا. فالبشر ليسوا كائنات روحية خالصة يمكنها تجاهل احتياجاتها الجسدية. وكان هذا ذا صلة خاصة بحالة فلور دو ماري، إذ يشير ماركس إلى أنها لم تكن تملك خيارًا آخر غير الدعارة لتأمين سبل العيش. ومع ذلك، أظهر الكاهن لها «انحطاطها الأخلاقي» وأخبرها بالذنب الذي ينبغي أن تشعر به، رغم افتقارها إلى أي خيار حقيقي. ومن ثم، يُظهر ماركس في هذا النص تعاطفًا كبيرًا مع محنة النساء من الطبقة العاملة، كما ينتقد أحادية المسيحية التي تسعى إلى تمجيد العقل الخالص على حساب الجسد الخالص.
غير أن ماركس لم يقتصر في نقده للوضع الملموس للنساء تحت الرأسمالية على الطبقة العاملة. ففي مقاله/ترجمته عام 1846 لعمل بيشويه حول الانتحار، يشير ماركس إلى القمع الأسري داخل الطبقات العليا. إذ إن ثلاثًا من الحالات الأربع التي يناقشها تتعلق بانتحار نساء بسبب القمع الأسري. ففي إحدى الحالات، انتحرت امرأة متزوجة، جزئيًا بسبب غيرة زوجها الذي حبسها في المنزل وكان يمارس ضدها عنفًا جسديًا وجنسيًا. أما الحالة الثانية فتتعلق بامرأة مخطوبة قضت ليلة في منزل خطيبها، وبعد عودتها قام والداها بإذلالها علنًا، فانتهى بها الأمر إلى إغراق نفسها. والحالة الأخيرة تتعلق بعدم قدرة شابة على إجراء إجهاض بعد علاقة مع زوج خالتها.
في حالتين من هذه الحالات، يُظهر ماركس تعاطفًا كبيرًا مع معاناة هؤلاء النساء من خلال إبراز مقاطع معينة من نص بيشويه وإضافة ملاحظاته الخاصة بشكل غير مباشر. كما يشير ماركس إلى ضرورة التحول الجذري للأسرة البرجوازية، مستشهدًا بالفقرة التالية من بيشويه: «لم تُسقط الثورة جميع أشكال الطغيان. فالشر الذي يُلقى باللوم فيه على القوى التعسفية يوجد داخل الأسر، حيث يُحدث أزمات تماثل أزمات الثورات». وبهذه الطريقة، يشير ماركس إلى أن الأسرة في شكلها البرجوازي بنية قمعية، وأنه لا بد من تغييرها جذريًا من أجل قيام مجتمع أفضل.
عاد ماركس وإنجلز إلى نقد الأسرة البرجوازية في البيان الشيوعي. فقد جادلا هناك بأن الأسرة في شكلها البرجوازي، القائمة أساسًا على إدارة الملكية ونقلها، كانت في حالة تفكك. فالشروط المادية التي أدت إلى هذا الشكل من الأسرة كانت تتلاشى بين صفوف البروليتاريا، إذ لم يكن لديهم ملكية يورثونها لأبنائهم. وربما كانوا في السابق مزارعين صغارًا مكتفين ذاتيًا، إلا أن ذلك لم يعد ممكنًا بعد مصادرة الأراضي بوسائل متعددة وإجبارهم على الانتقال إلى المدن والعمل في المصانع. وبدون القدرة على نقل الملكية إلى الأبناء بعد الوفاة، أو التحكم في قوة عمل الأسرة خلال الحياة، تضاءلت سلطة الأب بشكل كبير، ما فتح الطريق أمام شكل مختلف من الأسرة. غير أن ماركس وإنجلز لم يناقشا في تلك المرحلة بالتفصيل ما قد يأتي بعد تفكك هذا الشكل من الأسرة.
النساء والعمل في الرأسمالية
ورغم أن رأس المال مكرس أساسًا لنقد الاقتصاد السياسي، فإنه يحتوي على قدر كبير من المادة المتعلقة بالجندر والأسرة. ففيه يعود ماركس إلى ما وصفه في البيان الشيوعي بـ«تجاوز» الأسرة البرجوازية ويمنحه مضمونًا ملموسًا. فمع إدخال الآلات إلى المصانع، وتراجع الحاجة إلى العمل الجسدي الشاق، أصبحت النساء والأطفال فئات مهمة من العمال. وقد وجد رأس المال في هؤلاء العمال قيمة خاصة، نظرًا لانتمائهم إلى جماعات مضطهدة يمكن إرغامها على العمل بأجور أقل.
وتوضح مقاطع أخرى عديدة في رأس المال أن ماركس كان يحمل رؤية أكثر تعقيدًا لموقع النساء في قوة العمل مما يعترف به كثير من النسويات. فعلى سبيل المثال، يشير إلى أن دخول النساء سوق العمل منحهن، في بعض الحالات، قدرًا من القوة في حياتهن الخاصة، إذ أصبحن يساهمن ماديًا في إعالة الأسرة، ولم يعدن خاضعات بشكل مباشر لسلطة الأزواج أو الآباء طوال اليوم. وكان لذلك أثر كبير على الأسرة. ويعرض ماركس هنا جانبي هذا التطور: فمن جهة، أدت ساعات العمل الطويلة والعمل الليلي إلى تقويض البنى الأسرية التقليدية، إذ «تذكّرت» النساء جزئيًا بفعل العمل، وغالبًا ما لم يعدن قادرات على رعاية أطفالهن كما في السابق. ومن جهة أخرى، يلاحظ ماركس في موضع لاحق أن هذا «التدهور الظاهري في الطابع» قاد في الاتجاه المعاكس، أي نحو «شكل أرقى من الأسرة» تصبح فيه النساء ندًّا حقيقيًا للرجال.
وعلى الرغم من أن مناقشة ماركس لاضطهاد العاملات كانت محدودة نسبيًا، فإنه في رأس المال، المجلد الأول، وكذلك في مسوداته المبكرة، يقدم نقدًا قويًا لمفهوم العمل المنتج في ظل الرأسمالية. فهو يميز بوضوح بين مفهوم العمل المنتج تحت الرأسمالية ومفهوم العمل المنتج بوصفه كذلك. فالأول يقوم على فهم أحادي للإنتاجية، حيث يُعدّ العامل منتجًا فقط بقدر ما ينتج فائض قيمة للرأسمالي. أما المفهوم الثاني فيركز على إنتاج قيم الاستعمال، حيث يُقوَّم العمل إذا كان ينتج شيئًا يمكن أن يستخدمه الأفراد أو المجتمع. ويوفر ذلك أساسًا — ولو محدودًا — لإعادة تقييم العمل التقليدي للنساء، رغم أن ماركس لم يتوسع كثيرًا في هذا الجانب.
النساء والنضال السياسي
تُظهر كتابات ماركس السياسية تطورًا معينًا عبر الزمن، إذ كثيرًا ما دمج رؤاه النظرية في نشاطه السياسي. ففي بعض كتاباته السياسية المبكرة حول إضرابات بريستون في إنجلترا (1853–1854)، قدّم تقييمًا غير نقدي نسبيًا لمطلب العمال بأجر عائلي للرجال. وعلى الرغم من أن ماركس لم يتبرأ صراحة من هذا النوع من الطرح، فإن مواقفه اللاحقة تبدو وقد تغيرت، إذ عمل في ستينيات القرن التاسع عشر على إدماج النساء في الأممية الأولى على أساس المساواة مع الرجال.
وتُظهر أعمال ماركس المتأخرة تقديرًا أكبر لمطالب العاملات، لا سيما خلال وبعد كومونة باريس. ويتجلى ذلك بوضوح في «برنامج حزب العمال» لعام 1880، الذي شارك في كتابته ماركس وبول لافارغ وجول غيد. وقد نصّت المقدمة، التي كتبها ماركس وحده، على أن «تحرر الطبقة المنتجة هو تحرر جميع البشر دون تمييز على أساس الجنس أو العرق». وكان هذا تصريحًا قويًا بشكل خاص في فرنسا، حيث كانت التقاليد البرودونية الذكورية تهيمن بين الاشتراكيين.
وفي كتاباته لصحيفة نيويورك تريبيون عام 1858، عاد ماركس إلى مناقشة وضع نساء الطبقة العليا في المجتمع الرأسمالي. ففي مقالتين، يروي ماركس حادثة حبس امرأة أرستقراطية في مصحة نفسية لإسكاتها ومنعها من إحراج زوجها النافذ سياسيًا. وينتقد ماركس جميع المتورطين في حبس الليدي بولفر-ليتون، مؤكدًا أنها لم تكن مختلة عقليًا. ورغم أنه لا يناقش تحديدًا مسألة الحبس القسري للنساء بوصفه وسيلة للسيطرة عليهن، فإنه يشير إلى سهولة حبس الأفراد، بغض النظر عن حالتهم النفسية الفعلية، إذا كان مقدمو الطلب أثرياء وذوي نفوذ قادرين على دفع الأطباء للتوقيع. كما يُظهر تعاطفًا كبيرًا مع الليدي بولفر-ليتون، التي أُسكتت فعليًا بموجب اتفاق لم تستعد بموجبه حريتها إلا بشرط ألا تتحدث عن الحادثة مرة أخرى.
كانت سنواته الأخيرة، من 1879 إلى 1883، من أكثر الفترات ثراءً من الناحية النظرية في حياة ماركس، خاصة فيما يتعلق بالجندر والأسرة. ففي دفاتر أبحاثه، وكذلك في رسائله وكتاباته المنشورة، بدأ في صياغة نموذج أقل حتمية للتطور الاجتماعي، يسمح للمجتمعات الأقل تطورًا بأن تكون أول من ينجز الثورات، شريطة أن تتبعها ثورات في الدول الأكثر تقدمًا. وأدخل ماركس فاعلين تاريخيين جددًا إلى نظريته؛ فلم تعد الطبقة العاملة، بوصفها كيانًا مجردًا، هي الفاعل الوحيد القادر على الثورة. بل أصبح الفلاحون، وخاصة النساء، قوى مهمة للتغيير. وتقدم هذه الدفاتر إشارات، وإن كانت مجزأة، إلى كيفية تصور ماركس للنساء بوصفهن فاعلات في العملية التاريخية.
تكتسب ملاحظات ماركس على مورغان أهمية خاصة، إذ تتيح مقارنة مباشرة مع كتاب إنجلز أصل العائلة، الذي ادعى إنجلز أنه يمثل إلى حد كبير قراءة ماركس لكتاب المجتمع القديم لمورغان. غير أن هناك اختلافات جوهرية، أهمها فهم ماركس الأقل حتمية لتطور المجتمع، وإدراكه الديالكتيكي الأعمق للتناقضات داخل العشيرة التي تبدو متساوية نسبيًا.
كان إنجلز يميل إلى التركيز الأحادي على التغيرات الاقتصادية والتكنولوجية بوصفها محركات للتطور الاجتماعي. أما ماركس، فتبنى مقاربة أكثر ديالكتيكية، حيث لا يُنظر إلى التنظيم الاجتماعي باعتباره عاملًا ذاتيًا فحسب، بل يمكن أن يصبح عاملًا موضوعيًا في ظروف معينة. ويكتسب هذا أهمية خاصة لفهم اختلافهما بشأن اضطهاد النساء. فقد جادل إنجلز بأن تطور التكنولوجيا الزراعية، والملكية الخاصة، وما تبعه من انتقال العشيرة من حق الأم إلى حق الأب، أدى إلى «الهزيمة التاريخية العالمية للجنس الأنثوي»، حيث تبقى النساء في حالة خضوع إلى أن يتم القضاء على الملكية الخاصة. في المقابل، لم يكتفِ ماركس بالإشارة إلى الوضع التابع للنساء، بل أشار أيضًا إلى إمكانية التغيير حتى في ظل الملكية الخاصة، من خلال مناقشته للإلهات اليونانيات. فعلى الرغم من أن المجتمع اليوناني القديم كان قمعيًا للنساء، إذ حصرهن في جزء خاص من المنزل، رأى ماركس أن الإلهات اليونانيات قدمن نموذجًا بديلًا للنساء. كما أظهر في هذه الملاحظات تقدم نساء الطبقة العليا في روما مقارنة بنظيراتهن اليونانيات. وإضافة إلى ذلك، تبنى ماركس مقاربة أكثر تعقيدًا في تحليل التناقضات داخل المجتمعات الجماعية المبكرة، في حين كان إنجلز يميل إلى تصوير هذه المجتمعات على أنها تفتقر إلى تناقضات جوهرية، خاصة فيما يتعلق بالعلاقات الجندرية. أما ماركس، فقد أشار إلى القيود المفروضة على حقوق النساء في مجتمع الإيروكوا القائم على الملكية الجماعية.
لم يتناول كتاب إنجلز أصل العائلة سوى ملاحظات ماركس على كتاب مورغان المجتمع القديم. غير أن دفاتر ماركس في الإثنولوجيا تمتد إلى مصادر أخرى عديدة. فملاحظاته على محاضرات في التاريخ المبكر للمؤسسات لهنري سمنر ماين، وعلى كتاب لودفيغ لانغه الآثار الرومانية، تتضمن مناقشات مهمة للجندر والأسرة في مجتمعات ما قبل الرأسمالية، لا سيما في أيرلندا والهند وروما. وفي ملاحظاته على كلا المؤلفين، يبدو أن ماركس استوعب كثيرًا من نظرية مورغان حول تطور العشيرة، إلا أنه كان أكثر نقدًا لماين من لانغه، وفي الحالتين انتقد قبولهما غير النقدي للأسرة الأبوية بوصفها الشكل الأول للأسرة.
وتكمن أهمية ذلك في أنه يشير إلى فهم تاريخي للأسرة. ففي هذه الملاحظات، وكذلك في ملاحظات مورغان، يتتبع ماركس التناقضات الموجودة في كل شكل من أشكال الأسرة، وكيف تتفاقم هذه التناقضات، مؤدية إلى تغييرات جوهرية في بنية الأسرة. وهنا يبدو أن ماركس ينظر إلى الأسرة بوصفها خاضعة لجدل ديالكتيكي مشابه لذلك الذي يحكم مجالات أخرى من المجتمع.

تقييم أعمال ماركس حول الجندر والأسرة في السياق المعاصر
تاريخيًا، كانت علاقة الماركسية بالنسوية ضعيفة في أحسن الأحوال، وغالبًا ما يعود ذلك إلى قلة تناول الجندر والقضايا النسوية التقليدية من قبل كثير من الماركسيين. وحتى عندما جرى تناول الجندر والأسرة، فإن هذه الدراسات مالت إلى اتباع طرح إنجلز الأقل تعقيدًا والأكثر اقتصادية. غير أن أعمال ماركس حول الجندر والأسرة تُظهر، في تقديري، اختلافات جوهرية عن أعمال إنجلز. وتظل هناك أسئلة مهمة حول القيمة المحتملة لرؤى ماركس في النقاشات النسوية المعاصرة: ماذا يمكن أن يقدم ماركس، للنسوية اليوم؟ وهل يمكن تصور نسوية ماركسية لا تنزلق إلى الحتمية الاقتصادية أو تُعلي شأن الطبقة على حساب الجندر في تحليل المجتمع الرأسمالي المعاصر؟
لا شك أن تناول ماركس للجندر والأسرة يحمل أحيانًا آثارًا من أخلاق العصر الفيكتوري، غير أن ذلك، كما جادلت، لا يشكل بالضرورة عيبًا قاتلًا في عمله. فهناك مجالات عدة تتيح فيها نظريته الاجتماعية إمكانية دمج الرؤى النسوية في الماركسية لتأسيس نظرية وحدوية لاضطهاد الجندر والطبقة دون تفضيل جوهري لأي منهما.
ومن أهم إسهامات ماركس لفهم الجندر والأسرة منهجه الديالكتيكي. ففئاته مستمدة من تحليله للعالم التجريبي بوصفه عالمًا ديناميكيًا، وهي قائمة على العلاقات الاجتماعية لا على صيغ ثابتة ولا تاريخية. وبناءً عليه، يمكن لهذه الفئات أن تتغير بتغير المجتمع.
وقد يكون لهذا قيمة كبيرة للتحليل النسوي. فرغم أن ماركس لم يتناول صراحة الثنائيات الجندرية، فإنه ترك في نظريته مجالًا للتغير داخل هذه الفئات، لا سيما فيما يتعلق بثنائيتين أساسيتين: الطبيعة/الثقافة، والإنتاج/إعادة الإنتاج. ففي كلتا الحالتين، يشير ماركس إلى الطابع التاريخي والمؤقت لهذه الصياغات. فالطبيعة والثقافة ليستا نقيضين مطلقين، بل لحظتين في كلٍّ واحد. والعمل، بوصفه نشاطًا ضروريًا للبقاء، يتوسط علاقة الإنسان بالطبيعة بطرق محددة وفق نمط الإنتاج السائد. وبالمثل، يحرص ماركس على التأكيد على ضرورة كل من الإنتاج وإعادة الإنتاج، مع اختلاف أشكالهما تبعًا للتطور التكنولوجي والاجتماعي للمجتمع المعني.
يشير ماركس إلى بعدين لهذه الفئات: العناصر التاريخية الخاصة، والخصائص الأكثر تجريدًا الموجودة في كل مجتمع. ومن ثم، فإن صياغة منطقية داخل فكره لفهم علاقة النساء بهذه الثنائيات تقتضي الاعتراف بأهمية البيولوجيا، ولكن دون فصلها عن العلاقات الاجتماعية للمجتمع المحدد. ويمكن لهذا أن يساعد في تجنب النزعات البيولوجية والحتمية لدى بعض النسويات الراديكاليات والاشتراكيات اللواتي يُؤسسن «طبيعة المرأة» على نحو جوهري، وفي الوقت ذاته يتجنب النسبية المطلقة، إذ إن العالم، في نظر ماركس، ليس بناءً اجتماعيًا خالصًا. بل إن البيولوجيا والطبيعة متغيرات مهمة عندما تُفهم ضمن إطار اجتماعي متوسَّط.
وتكتسب هذه النقطة أهمية إضافية، إذ على الرغم من أن نظرية ماركس لا تزال غير مكتملة فيما يخص إدماج الجندر بوصفه عنصرًا أساسيًا في فهم الرأسمالية، فإن فئاته تفتح الطريق أمام نقد منهجي للأبوية كما تتجلى في الرأسمالية، لأنه قادر على التمييز بين العناصر التاريخية الخاصة للأبوية وبين شكل عام من اضطهاد النساء الذي رافق تاريخ البشرية. وبهذا المعنى، توفر فئاته موارد نظرية للنسوية، أو على الأقل مجالات لحوار جديد، في وقت يعود فيه نقد ماركس للرأسمال إلى الواجهة.
وبتركيزه على الوساطة الاجتماعية وتشديده على فهم النظم الاجتماعية الخاصة، تجنب ماركس، كما بينت الدراسات المعاصرة، الحتمية الاقتصادية. فالعوامل الاقتصادية تلعب دورًا مهمًا في فكره، لأنها تُعدّ مشروطة لسلوك اجتماعي آخر، خاصة في الرأسمالية. غير أن ماركس كان حريصًا في كثير من الأحيان على إبراز العلاقة الديالكتيكية المتبادلة بين العوامل الاقتصادية والاجتماعية. وكما هو الحال في ثنائيات الطبيعة/الثقافة والإنتاج/إعادة الإنتاج، فإن النشاط الاقتصادي والنشاط الاجتماعي لحظتان ديالكتيكيتان في كلٍّ واحد داخل نمط إنتاج معين، ولا يمكن فصلهما فصلًا تامًا. وكما أوضح ماركس في مقاله حول «الانتحار» ومقالاته في نيويورك تريبيون، حيث أشار إلى الطرق الخاصة التي تتفاعل بها العوامل الاقتصادية مع الشكل الرأسمالي المحدد للأبوية في اضطهاد النساء، فقد بدأ، ولو على نحو تمهيدي، في مناقشة العلاقة المتداخلة بين الطبقة والجندر دون تفضيل أحدهما جوهريًا.
وعلى الرغم من أن جميع جوانب كتابات ماركس حول الجندر والأسرة ليست ذات صلة مباشرة اليوم، وتحمل بعضُها قيود الفكر في القرن التاسع عشر، فإنها تقدم رؤى مهمة حول الجندر والفكر السياسي. فحتى وإن لم يكتب ماركس كثيرًا عن الجندر ولم يطور نظرية منهجية للجندر والأسرة، فقد كان ذلك بالنسبة له فئة أساسية لفهم تقسيم العمل والإنتاج والمجتمع عمومًا. وقد تجاوز تناوله للجندر والأسرة مجرد إدماج النساء كعاملات في المصانع، إذ أشار إلى استمرار القمع داخل الأسرة البرجوازية والحاجة إلى صياغة شكل جديد للأسرة. كما أصبح أكثر دعمًا لمطالب النساء بالمساواة في مكان العمل، وفي النقابات، وفي الأممية الأولى، ومع تعمقه في دراسة الرأسمالية وملاحظته لدور النساء في أحداث مفصلية مثل كومونة باريس عام 1871. وعلى الرغم من الطابع غير المصقول والمجزأ لملاحظاته الإثنولوجية، فإنها تكتسب أهمية خاصة لأنها تشير بوضوح إلى الطابع التاريخي للأسرة من خلال اختياراته لنصوص مورغان وماين ولانغه. علاوة على ذلك، يشكل استخدام ماركس للديالكتيك إسهامًا منهجيًا مهمًا للنسوية وللبحث الاجتماعي عمومًا، إذ ينظر إلى الجندر بوصفه فئة قابلة للتغير والتطور، لا مفهومًا ثابتًا جامدًا.






ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295





- The Cowardice of Qualification: When Anti-War Voices Speak t ...
- الصمود المبهر للمقاومة اللبنانية يمهد لأفاق جديدة
- انضموا إلى وقفتنا الاحتجاجية
- Join our protest 24.4.2026
- ببن? هاوب?شي ک?بوون?و?ي نار?زاي?تيمان 24.4.2026
- ب? تجمع اعتراضي ما بپيونديد 24.4.2026
- ميلانو: اليمين المتطرف يندد بسياسات الهجرة والاقتصاد في أورو ...
- رئيس لجنة الشؤون الدولية بمجلس الدوما: روسيا تواصل الضغط من ...
- فجر في الخصومة : حبس سيد مشاغب 15 يوما بتهمة “الفرح”
- ب? توندي س?رک?ن?ي تاواني و?رن?گرتن و پ?شک?ش ن?کردني فرياگوزا ...


المزيد.....

- كراسات شيوعية :تقرير عن الأزمة الاقتصادية العالمية والمهام ا ... / عبدالرؤوف بطيخ
- الثورة التحريريّة - التوجّه الإستراتيجي و البرنامج الأساسي - ... / شادي الشماوي
- هناك حاجة إلى دفن النظام الرأسمالي و ليس إلى محاولة - دَمَقر ... / شادي الشماوي
- ليست أزمة ثقافة: الجذور الطبقية والتاريخية لإشكالية الاندماج ... / رزكار عقراوي
- المنظّمة الشيوعيّة الثوريّة ، المكسيك و الثورة التحريريّة / شادي الشماوي
- كراسات شيوعية :صناعة الثقافة التنوير كخداع جماعي[Manual no74 ... / عبدالرؤوف بطيخ
- النظرية الماركسية في الدولة / مراسلات أممية
- البرنامج السياسي - 2026 / الحزب الشيوعي السوري - المكتب السياسي
- هل الصين دولة امبريالية؟ / علي هانسن
- كراسات شيوعية (الصراع الطبقي والدورة الاقتصادية) [Manual no: ... / عبدالرؤوف بطيخ


المزيد.....

الصفحة الرئيسية - ابحاث يسارية واشتراكية وشيوعية - بندر نوري وومضة كمال - ماركس حول الجندر والأسرة: عرض تحليلي بقلم: هيذر براو ن ترجمة: ومضة كما ل وبندر نور ي