سامر بن عبد السلام
طالب وكاتب
(Samer Ben Abdessalem)
الحوار المتمدن-العدد: 8721 - 2026 / 5 / 30 - 20:12
المحور:
الادب والفن
مقدمة: السينما في عين العاصفة الأخلاقية والرقابية
تتكرر الدعاوى الموجهة للهيئات الرقابية بالتدخل والصنصرة (الرقابة)، بل إننا نصل في بعض الحالات إلى حدّ رفع القضايا لإدانة الفيلم ومحاكمة صانعيه. إن هذه السلوكيات ليست حكرًا على مجتمع دون آخر، فقد لاحظنا تكرارها في مجتمعاتنا العربية كما في المجتمعات الأوروبية؛ فما أُثير حول فيلم "عمارة يعقوبيان" عام 2006 في مصر من دعاوى وصلت إلى البرلمان، عاشه المخرج "مارتن سكورسيزي" حين مُنِع فيلمه(The Last Temptation of Christ) من العرض في عدة دول، وصولًا إلى عملية حرق قاعة عرض في باريس أثناء عرض فيلمه من قِبل جماعة مسيحية متطرفة.هذه الأحداث وغيرها تعيدنا إلى طرح عدة أسئلة: ما دور السينما؟ ما علاقة السينما بالأخلاق؟ هل يمكن ضبطها بمعيار أخلاقي؟ وفي حالة الإجابة بنعم، مَن يحدد هذا المعيار؟ ثم سنتطرق الى دور السينمائي الطليعي في تعميق المشكلة و نختم المقال بتحليل ازمة الطليعة السينمائية التونسية و السبيل الى حل الازمة
الفن والأيديولوجيا: المقاربة الماركسية للبنية الفوقية
يقول كارل ماركس في مقدمة كتاب "إسهام في نقد الاقتصاد السياسي (1859)
إن البشر -خلال الإنتاج المادي لحياتهم- يدخلون في علاقات محددة لابد منها، مستقلة عن إرادتهم، هي علاقات الإنتاج التي تتوافق مع مرحلة محددة من تطور قوى إنتاجهم المادية. ويؤسس مجموع هذه العلاقات البنية الاقتصادية للمجتمع، أي الأساس الحقيقي الذي تقوم عليه البنية الفوقية السياسية والتشريعية، والذي تتوافق معه أشكال محددة من الوعي الاجتماعي. إن نمط إنتاج الحياة المادية يحدد عملية الحياة الاجتماعية والسياسية والفكرية بوجه عام؛ فليس وعي البشر هو الذي يحدد وجودهم، بل إن وجودهم الاجتماعي هو الذي يحدد وعيهم
إن قوى الإنتاج، في ظل تطورها، تؤسس لعلاقات إنتاج تخدم تطور هذه الأخيرة. ولإعادة إنتاج علاقات الإنتاج هذه، تنبثق "البنية الفوقية" التي تضم الفن، الدين، والسياسة. وهو ما يقودنا إلى الاستنتاج الآتي: إن الدور الرئيسي لأي عنصر من عناصر البنية الفوقية في أي نمط إنتاج هو إعادة إنتاج علاقات الإنتاج؛ أي إنها كأشكال محددة من الوعي الاجتماعي تشكّل "الأيديولوجيا"، وهي الوعي الزائف الذي يضفي الشرعية على حكم الطبقات السائدة.
لكن البنية التحتية ليست بنية متجانسة، بل هي مجال صراعي؛ فالرأسمالي، لكي يواصل تراكم الثروة، يخلق العامل البروليتاري الذي هو النقيض التاريخي للأول. هذا التناقض ينعكس بالضرورة على البنية الفوقية، فنجد تصورين للفن مثلًا: تصور ثوري وتصور رجعي، تصور تدميري وتصور محافظ. وما ذكرناه عن الفن ينطبق على مختلف العناصر المكونة للبنية الفوقية، بما فيها الأخلاق (وسنتطرق لهذه المسألة لاحقًا). وما أكدناه هنا عن الدور الرئيسي للفن لا يعني أنه الدور الوحيد، فللفن أدوار أخرى جمالية وترفيهية وغيرها، لكن ما قصدناه هو أن إنتاج عمل فني معين، أو حركة تيار فني معين، محكومان أولًا وأخيرًا بالصراع الطبقي وانعكاساته على المستوى السياسي والاجتماعي؛ فإما تصب في صالح إعادة إنتاج علاقات الإنتاج الراهنة، وإما تنفيها.
خصوصية السينما وهدم الهالة عند فالتر بنيامين
تُعدّ السينما أكثر الفنون واقعية، وبالتالي هي أكثر الفنون قدرة على تدمير الواقع أو إعادة إنتاجه. وفي هذا الصدد، يبين "فالتر بنيامين" مدى واقعية السينما كفن مقارنة بفنون أخرى كالرسم: ولدينا هنا سؤال نطرحه: كيف يتصرف السينمائي إزاء الرسام؟ وللإجابة عليه سنسمح لأنفسنا باستخدام معنى مساعد يرتكز على مفهوم كلمة الـ (Operateur)، وهو المفهوم المتعارف عليه في علم الجراحة. سيمثل الجراح أحد طرفي نظام ما، والساحر يمثل طرفه الآخر. إن موقف الساحر، الذي يشفي مريضه من خلال وضع يده عليه، مختلف عن موقف الجراح الذي يقوم بإجراء عملية جراحية لمريضه. يحافظ الساحر بثبات على المسافة الطبيعية بينه وبين المريض؛ أو لنقل بالضبط: إنه يقلصها قليلًا جدًا -بحكم يده الموضوعة على المريض- ويباعدها كثيرًا -بحكم سطوته. أما الجراح فيتصرف بشكل مقلوب: إنه يقلص المسافة كثيرًا جدًا بينه وبين المريض وهو ينفذ إلى داخله، ولا يزيد منها إلا قليلًا -بحكم الحيطة التي تتحرك بها يده داخل أجهزة الجسم. بكلمة واحدة: تمييزًا له عن الساحر (والذي هو فوق هذا يتزيا بزي طبيب)، يتخلى الجراح في اللحظة الحاسمة عن الوقوف وجهًا لوجه مع مريضه؛ بل ينفذ إليه جراحيًا. وإذن فالساحر والجراح يسلكان نفس سلوك الرسام والمصور السينمائي. فالرسام يراعي في عمله المسافة الطبيعية بينه وبين المتلقي، أما المصور السينمائي فإنه يتغلغل عميقًا في نسيج الحدث.
هنا تكمن أهمية السينما، ليست كفن فقط، بل كمنتج يغوص في الواقع ويحوله إلى مادة للفحص عبر عزل الجمهور عن الممثل، بنفي الركح (المسرح) وإخفاء الآلات وأدوات التصوير. كما أن السينما، وعن طريق المونتاج والحركة البطيئة والزووم (التقريب)، تعرض تفاصيل الحياة اليومية وتكشف العلاقة بين مختلف الأحداث. إن فنًا كهذا يمثل أحد أهم الأدوات في يد السلطة والقوى الثورية على حد سواء، باعتباره أكثر الفنون نفيًا للهالة الفنية
لقد حطمت السينما الهالة على ثلاثة مستويات: الصناعة، التوزيع، والاستهلاك
على مستوى الصناعة: تستند السينما أساسًا إلى التصوير، الديكور، الإضاءة، والمونتاج، وهي آليات تعتمد في الأصل على الآلة؛ أي إنها تفترض حدًا أدنى موحدًا بين صانعي الفيلم. ولتوضيح ذلك: إذا طلبنا من شخصين تصوير مقطع فيديو بسيط، سيكون الاثنان قادرين على ذلك لأن المسألة لا ترتبط بموهبة شخصية يدوية كالرسم، أو قريحة شعرية، أو تعلم العزف. طبعًا، سيبقى الفرق بين الصورتين موجودًا باختلاف الإضاءة وزاوية التصوير والمضمون، لكن الحد الأدنى (وهو فعل التصوير) مشترك بين قسم كبير من المجتمع، بينما يبقى فعل كالرسم حكرًا على نخبة معينة
على مستوى التوزيع: يُوزع الفيلم في قاعات السينما، نوادي السينما، الجمعيات الثقافية، وشبكة الإنترنت (بطرق قانونية أو مقرصنة)؛ فالسينما في بعدها التوزيعي صناعة جماهيرية، على عكس الرسم حيث تحافظ اللوحات على هالتها وتفردها الزمكاني وتُعرض لنخبة معينة في معارض مخصصة
على مستوى الاستهلاك والتقبل: السينما أكثر شمولية واتساعًا من أي فن آخر؛ فهي تتوجه لمختلف الفئات وتقتحم تفاصيل الواقع لتمس كل فرد. على العكس من الرواية أو الموسيقى اللتين قد تحافظان على الغموض واللغز وتحصرانه في نخبة قادرة على تفكيكه، فإن السينما هي الأكثر قدرة على تجسيد المعاني، تعرية الواقع، والإحاطة بمختلف جوانب الحياة. هذا كله يجعلنا ندرك أن السينما هي أهم فنون العصر الحديث لجماهيريتها وقدرتها العالية على تفكيك الواقع وإعادة إنتاجه
السينما كفن تدميري (ثوري)
لقد واكبت السينما التحولات الاجتماعية الطارئة منذ نشأتها؛ فيكفي أن تشاهد أفلام "فريتز لانغ" والتعبيرية الألمانية لتتعرف على فترة الأزمة العضوية وصعود الفاشية، ومن ثم يأخذك "جان-لوك غودار" في رحلة لتتعرف على اليسار الجديد وأزمة عام 1968.
إن أي عمل ثوري يقتضي تدمير الواقع وإعادة بنائه؛ لذلك وجهت التيارات الفنية المناوئة للبرجوازية منذ عشرينيات القرن الماضي أفلامها لهدم كل ما يُكوّن الأيديولوجيا البرجوازية. في هذا السياق ظهرت التعبيرية الألمانية، السريالية، الدادية، الموجة الفرنسية الجديدة، الواقعية الإيطالية الجديدة، الموجة اليونانية، وحركة "دوجما 95". كل هذه التيارات هدمت المعتاد عليه في الشكل والمضمون
-على مستوى الشكل: نجد سينما "إيزنشتاين" وتطبيق المادية الجدلية من خلال المونتاج. ونجد التعبيرية وتكبير وتشويه الحجم، الكتلة، الديكور، واللون. ثم ننتقل إلى الاستخدام المكثف لتقنية القطع المباشر من قِبل غودار والموجة الفرنسية الجديدة كما في فيلم ذو لاست بريث، أو فيلم "قبل الثورة" لبرتولوتشي. ولا ننسى آلية الكاميرا المحمولة والمتحركة التي تعكس عدم الاستقرار وغياب الثبات العاطفي، وهو ما يفسر استعمالها من قِبل الطليعيين مثل أنطونيوني، غودار، وستان براكاج ليعبروا عن واقع المجتمعات البرجوازية
-على مستوى المضمون: رافق التمرد الشكلي تمرد في المضمون؛ فشهدنا تصوير التابوهات (المحرمات) الجنسية في أفلام مثل "belle du jour" للويس بونويل، و"clockwork orange" لستانلي كوبريك. وترافق هذا مع هجمة واسعة على التطهيرية (Puritanism ) بالتطبيع مع العري الحر والتلقائي، وبداية نقد التصورات الدينية
ومع بداية الستينيات وانبثاق حركات التحرر الوطني، تطورت حركة سينمائية تحررية معادية للإمبريالية وملتزمة اجتماعيًا، وغير خاضعة لنفوذ الرأسمال الأجنبي، مثل: "السينما الجديدة" في البرازيل، الواقعية الجديدة في مصر، والواقعية الإيرانية. إن السينمائي التدميري، بوقوفه خارج السلطة، يعمل على نفي القيم، العادات، التقاليد، والتصورات الثابتة عن طريق السخرية، التعرية، الصدمة، وإنهاء حالة التماهي العاطفي، لإشراك المتفرج وتحويله إلى مشارك في العمل الفني وليس مجرد متلقٍ سلبي
السينما كفن محافظ (أداة النظام الراهن)
في المقابل، تشهد مجتمعاتنا إنتاج أفلام تعيد إنتاج واقعنا وتحافظ عليه (سينما المحافظة)، وتبرز سماتها في النقاط التالية
-التأكيد على السينما كصناعة ربحية بحتة
-إنتاج سينما ذات بعد واحد (نفي الجدل عن المضمون)
-إعادة إنتاج خطاب أو سردية السلطة
-إعادة إنتاج قيم وتصورات البرجوازية (مثل تصوير الجنس كعملية ميكانيكية لا كعلاقة رومانسية تحررية)
-فيتشية (تقديس) الشكل: تنميط الشكل وتحويل أي خاصية شكلية ثورية إلى صنم (مثل تحويل المونتاج -وهو آلية تعكس الجدل الماركسي- إلى نمط شكلي مقدس)
-تصوير الواقع كما هو دون أي تفكيك لتناقضاته المادية
-الابتذال في التعرض للتابوهات قصد إثارة المشاهد لتحقيق الربح المالي السريع
جدلية الأخلاق: بين المعيارية والموضوعية
ما سنتعرض له هنا هو سؤال: هل الأخلاق معيارية أم موضوعية؟ أم أن هناك فرضية ثالثة؟
مَن يقول بموضوعية الأخلاق، يعتقد أنها تمثل صفة توجد في حد ذاتها قبل أن تدخل في علاقة، وهي مستقلة عن مشاعر الإنسان وقابلة للدراسة العلمية
مَن يقول بمعيارية الأخلاق، يعرفها على أنها علاقة تلزم الإنسان بسلوك معين معتمدة على رغبته وموقفه الذاتي
في رأيي، الأخلاق ليست معيارية صرفة ولا موضوعية صرفة، بل هي موضوعية-معيارية. فالأخلاق هي القيمة الموضوعية للسلوك التي تتحدد داخل شبكة العلاقات المادية قبل أن تُستوعب و يتم الوعي بها كمعيار من طرف الفاعلين الاجتماعيين.اي انها تعبيرعن جدلية انطولوجية موضوعية مطلقة في جدليتها و هي نتاج لتناقضات البنية التحتية ، وبالتالي هي موضوع للدراسة العلمية. لكن هذه القيمة هي جزء من علاقة جدلية مع الظروف المادية؛ فإما أن تكون جزءًا مما هو "كائن"، وإما أن تكون جزءًا مما "يجب أن يكون" وفق غائية التحرر. إنها تتمظهر في كل تشكيلة اجتماعية لتعبر عن تطلعات الإنسان. فالمجتمع الشيوعي مثلًا أفضل من المجتمع الرأسمالي بالنسبة للعامل لأنه موضوعيًا يفكك الظروف المادية التي تنتج الاغتراب، ولأننا معياريًا نسعى إلى تحرير الإنسان من الاستغلال بما يتوافق مع غائية التاريخ اما بالنسبة للراسمالي فلا لان المجتمع الشيوعي هو نفي له
لنأخذ مثالًا سينمائيًا: مشهد ممارسة الجنس بطريقة ميكانيكية في فيلم "dogtooth" ليورغوس لانثيموس يحتوي على قيمة أخلاقية جدلية مطلقة، و هو ما يدفعنا لطرح سؤال هذا المشهد هو مشهد محمود بالنسبة لمن؟ هنا ندرس علاقته بالظروف المادية. مشهد كهذا يعبر عن ممارسة جنسية و السلوك الجنسي يكتسب اشكالا متعددة بتعدد أنماط الانتاج و ما تنتجه من تعدد ثقافات و تصورات.اذن فالسلوك الجنسي يعكس الصراع الطبقي في الأخير أي يعكس عملية جدلية بين تصورين متناقضين محددين و قابلين للدراسة (تصور تقدمي للجنس يتعامل مع هذا الأخير على انه اكثر فعل تواصلي تحرري يعكس مدى إنسانية الانسان و قابل لان يكن أداة ثورية و فكر محافظ يعتبر الجنس فعل تكاثري بالدرجة الأولى و يعبر عن اللذة بالدرجة الثانية فقط). هنا تكمن القيمة الموضوعية للسلوك قبل ان يدخل في علاقة مع أي معيار نسبي(أي ان الجدل بين التصور الأول للجنس و التصور الثاني هو موضوعي قائم بذاته يسبق تمثل الافراد له) و بالانتقال لدراسة هذا الاخير نجد ان هذا المشهد يخدم العنصر الثوري الذي يبتغي تحقيق ما يجب ان يكون حيث يكشف عن السلطة العائلية كجهاز ايديولوجي و يعري "تشيؤ" الإنسان في المجتمع البرجوازي واغترابه عن ذاته، اذ تحول الجنس إلى حركات ميكانيكية تعكس سلب الإنسان حريته وعاطفته، لذلك، فهذا المشهد يسير بنا نحو نفي التصورات البرجوازية بتعرية وحشيتها (نفي النفي) اما بالنسبة لمن يريد الحفاظ على "ما هو قائم" فهذا مشهد يصور فعل محرم و يقدم مشاهد حساسة لا يجب تصويرها و يحرض على الفاحشة.
لكن، هل الطبقة العاملة والملتزمون سيعتبرون بالضرورة هذا المشهد أخلاقيًا ويشاهدونه بحرية؟ على الأغلب لا؛ لأن العنصر الذاتي هنا (العمال) يعيش حالة اغتراب وهو ضحية للهيمنة الثقافية للسلطة، بالتالي عندما يشاهد هذا المشهد سيعتبره "لا أخلاقيًا ينتهك العرف والدين". لكن هذا لا يعني أن تصوير المشهد غير أخلاقي في حد ذاته؛ ولحل هذه الإشكالية، يجب أن يُدرس المشهد من خلال علاقته بالمعيار الموضوعي (التحرر وتعرية النظام) دون إهمال المعيار الذاتي (وعي الجماهير الراهن)
تشريح الظاهرة: من سينما الحمام إلى معارك الفيسبوك
بعد أن بينا الطريقة العلمية لتحديد البعد الأخلاقي، قد يسأل سائل: لمَ يهاجم المشاهدون الفيلم حالما يعترضهم "كلام زايد" (ألفاظ نابية) أو مشاهد جنسية جريئة، حتى إن قسمًا من الشعب التونسي يطلق على السينما التونسية مصطلح "سينما الحمام" أو "سينما البيرة والحمام"؟ وأصبحت هذه الإشكالية عادة سنوية في تونس مع اصدار أي فيلم يثير الجدل ويطلق العنان للتصنيفات الأخلاقوية، وهو ما شهدناه مؤخرًا مع فيلم "اغتراب"
هذه التصنيفات الأخلاقوية تعود إلى تصور معياري صرف للأخلاق؛ أي إنه لا وجود للقيمة الأخلاقية إلا عندما تدخل في علاقة مع طرف معين (التقاليد، الله، السلطة) يحدد موقفنا ويلزمنا. بمجرد عرض مشهد جنسي، تنطلق التوصيات: عيب ، ما يجيش ، سينما الهانة ، تو هذي سينما تتفرج فيها مع عائلتك
هذه الأطروحة (الأخلاق المعيارية المطلقة) تعاني من تناقضات صارخة:
-تقدم الأخلاق من جهة لا كصفة بل كعلاقة تربط بين عنصرين و من جهة أخرى نجد انها علاقة من طرف واحد غامض اما غير قابل للدراسة العلمية واما لا يجب ان يدرس و هو ما يعكس تناقض خطير هو في الحقيقة ضروري في هذه الاطروحة لضمان الترهيب والالزام فاذا حددنا الطرف الثاني كالاعراف كعنصر ثقافي متغير قابل للدراسة زالت هالة الترهيب و هددت سلطة الالزام بالبطلان
-الأعراف و التقاليد مثلا هي مكون أساسي من مكونات "الوعي الزائف" الذي على السينمائي الثوري أن يفككه ويهدمه. فكيف نُدين فيلمًا ينتمي-السينما التدميرية بمعايير الأعراف التي جاء الفيلم أصلًا لنفيها؟ السينمائي الثوري مصلحته الطبقية تحتم عليه التقدم نحو القيمة التحررية الحقيقية، بينما مصلحة المحافظين تحتم عليهم إبقاء الواقع كما هو. إن هذه المعايير الأخلاقوية الراهنة ليست إلا تمظهرًا للهيمنة الثقافية التي تخدم الطبقات السائدة. و هنا نستخلص التناقض الثاني و هو و هو الحكم من خارج المعيار حكما ثابتا قارا في حين انه لا أداة الحكم ثابتة و لا الواقع ثابت و لا المعيار واحد ثابت
التناقض المزدوج في النقد الأخلاقوي
وراء كل معركة "فايسبوكية" حول فيلم ما تنطلق فيها التصنيفات الأخلاقوية الداعية لفرض الرقابة، يكمن مشهد في غاية التعقيد، يمكن تفكيكه والوصول منه إلى استنتاجين بسيطين يكشفان تهافت النقد الأخلاقوي
أولًا: إذا كان المشاهد أمام فيلم تدميري (ثوري) يعمل على "نفي النفي"، فمن غير المنطقي أن يُقيّمه من خلال منظومته الأخلاقية التقليدية التي لا تُلزم صانع الفيلم، بل إن الصانع يعمل أساسًا على هدمها وتعرية زيفها
ثانيًا: أما إذا كان المشاهد أمام سينما استهلاكية مبتذلة تعتمد الإثارة الجنسية الرخيصة أو حشو النص بـ"الكلام الزايد" من أجل الربح، فإن المشاهد يسقط هنا في تناقض صارخ؛ فالمشاهد الذي يطلق التحذير الأخلاقي، والسينمائي المبتذل الذي صنع الفيلم، يخدمان في الحقيقة نفس التوجه، وهو الحفاظ على الواقع الراهن وتعميق اغتراب الإنسان وتشيؤه (كل بطريقته). فالطبقات السائدة كتلة مركبة تنتج تيارات ثقافية تظهر متناقضة (تيار استهلاكي مبتذل وتيار أخلاقي محافظ) لكنهما في النهاية يخدمان نفس الهدف الطبقي. وبالتالي، فإن مَن يصنف مشهدًا مبتذلاً تصنيفًا أخلاقويًا معتقدًا أنه يدعو لمجتمع أفضل، هو في الحقيقة ينقد وجهه الآخر في مرآة النظام.
ان الخطورة الحقيقية ليست في هذا الراي في حد ذاته لان تفكيكه و كشف تناقضاته امر سهل.ان الخطر الحقيقي في ردة فعل السينمائي الثوري على هذه التعليقات و التي قد تؤدي به الى مزيد من النخبوية و الصدامية التي قد تزيد في عزلته و تفصله عن الجماهير اكثر فاكثر
السينمائي الثوري ومعضلة النخبوية والكتلة التاريخية
عندما نشدد على الموضوعية التاريخية الطبقية للأخلاق، فإننا نعيدها إلى ظروفها المادية. لكن مثقف البرجوازية يعمل على فرض مرجعيته الأخلاقية كمرجعية مطلقة فوق التاريخ. وعلى المثقف العضوي (التقدمي) أن يعي أن ما يجب أن يكون "موضوعيًا" ليس بالضرورة ما هو مستقر "ذاتيًا" في وعي العامل أو الفلاح المشحون أخلاقيًا ودينيًا من قِبل الأيديولوجيا المهيمنة
لذلك، على السينمائي التقدمي الملتزم بالطبقة الكادحة ألا يقع في "فيتشية التدمير" (أي تحويل فعل الصدمة والتدمير إلى صنم وهدف بحد ذاته)؛ لأن التدمير غير المدروس يعود بنتيجة عكسية. مشكلة بعض السينمائيين هي التعامل مع الجمهور كـ"متلقٍ سلبي" أو ورقة بيضاء يكتبون عليها ما يشاءون، وينطلقون بعقلية نخبوية تنتهي بعزلهم عن الجماهير. في المقابل عليه ان يبدا بتعريف الانسان كمجموعة العلاقات الاجتماعية أي كتعبير عن ثنائية ما هو قائم و ما يجب ان يكون, تعريف الفعل السينمائي على انه خوض الصراع الطبقي على مستوى شكل معين من الوعي الاجتماعي,مراقبة التحولات على مستوى الواقع السياسي و الثقافي, رصد الصراع الطبقي و الأهم رصد واقع الحركة الثورية فاذا التزم بهذه النقاط سيكون قادر على تحديد المعيار الموضوعي و التكيف مع المعيار الذاتي حتى يتمكن من تغييره
ولينجح السينمائي الثوري، عليه الالتزام بـ:
-تأسيس كتلة تاريخية: بالتحالف مع مثقفي الطبقات الكادحة و افرادها. والكتلة التاريخية كما عرفها "أنطونيو غرامشي" هي: البنية الكلية التي تندرج فيها، كلحظات جدلية، البنية الاقتصادية والبنى الفوقية الأيديولوجية
-التحرك وفق مبدأ النسب الثابتة: يجب أن يتحرك المثقفون العضويون (السياسي، الأكاديمي، والفنان) بطريقة متناغمة وبنسب دقيقة. فإذا غابت الحركات السياسية الثورية، وتراجعت الماركسية في المجال الأكاديمي، وجب على السينمائي الثوري أن يتراجع خطوة إلى الوراء ويبتعد عن الصدمة التدميرية الفجة التي قد تنتج عملًا منبوذًا من جماهير لم تستوعب هذا الخطاب بعد في الساحات الأخرى,في هذا الاطار يمكن ان نعود الى فترة ما بعد انتفاضة 14 جانفي 2011في تلك الفترة احتدم الصراع بين اليساريين و الاسلاميين و في ظل هذا الصراع حاولت كل كتلة فرض مفاهيمها و تصوراتها لكن الكتلة اليسارية كان ينقصها الحد الادنى من التنسيق و العمل المشترك و الوحدة الاستراتيجية (وهو بالمناسبة من مخلفات الاستبداد). كمثال على هذه الفوضى, عرض فيلم لنادية الفاني بعنوان "لا ربي لا سيدي". اثار هذا الشريط الجدل بالتطرق لعدة قضايا حول الدين و المجتمع و الحريات من خلال عدد من المقابلات مع مواطنين ,مثقفين ونشطاء. وصلت الاعتراضات على الفيلم الى حد الاعتداء على قاعة العرض و هدر دم مخرجته من قبل التيارات الاسلامية الاصولية. و الاخطر ان الاعتداء لم يلق استنكار من التونسيين بل اعتبروه رد عادل على سلوك المخرجة رغم ان المخرجة لم تقم الا بطرح الاسئلة حول الدين و التعايش بين المؤمنين و غير المؤمنين في تونس و اهمية الحريات لكن العنوان المستفز والمضمون الذي يقدم رؤية الملحدين كان مرفوضا من الاغلبية الساحقة من التونسيين المتعاطفين مع المد الاسلامي الاصولي . طبعا سياتي هنا مثقف نخبوي ليقول الشعب جاهل و المخرجة على حق لان طرحها نبيل . لكن يتناسى هذا المثقف مسؤولية المخرجة في فهم ديناميكية المجتمع التونسي و دراسة الهوى العام, مدى قوى الحركة الماركسية و مدى استيعاب الشعب للمفاهيم التقدمية و بالتالي استشراف ردة فعله. للاسف مثل هذه الافعال التي اصبحت الان من التاريخ زادت من عزلة المثقفيين التقدميين لانها انطلقت من فيتشية الصدمة و التدمير دون اي فهم علمي للمجتمع و هو ما عاد بالضرر على الحركة اليسارية التونسية و بالنفع على اعدائها خاصة انه اقحمها معركة غير قادر على الانتصار فيها في ذلك الوقت و هي معركة الهويات التي فرضها التيار الاسلامي . لذلك و من خلال هذا المثال التوضيحي, نؤكد على دور الحزب الثوري الحاسم او "الامير الحديث على حد تعبير غرامشي فهو الأداة الكفيلة بإعادة إنتاج التوازن من خلال صياغة "نسب ثابتة جديدة"، وتحديد الإستراتيجية الثورية الملائمة؛ فهو الذي يحدد للسينمائي الاطار الاستراتيجي العام ليحدد هو فيما بعد متى يتقدم بالمشرط الجراحي ليعري التشيؤ، ومتى يتريث بانتظار نضج الشروط الذاتية للجماهير.
وهنا نصل إلى آخر نقطة سنتطرق لها في هذا النص، وهي عن أهمية معركة الحريات وخطورة أنظمة الاستبداد على الحركة التقدمية. فهذه الأنظمة تعمل على عزل كل مثقف عن مثيله عن طريق قمع الحركات السياسية الثورية، فيُعزل السياسي الماركسي عن المسرحي الماركسي، عن الفيلسوف الماركسي، عن السينمائي الماركسي. وهنا يصبح السينمائي الثوري مثلاً عاجزاً عن دراسة حركة المجتمع والوصول لأكبر عدد ممكن من المواطنين ومواكبة مختلف التحولات
لكن الأخطر من هذا، هو أن هذا السينمائي أو المسرحي في حال عزله عن مثيله من المثقفين العضويين يفقد ماركسيته وانتماءه العضوي؛ فالماركسية فلسفة حية لا تكتفي بفهم الواقع، بل تعمل على تغييره. لذلك، على مَن يتبناها من المثقفين كفلسفة أن يكون ديناميكياً حياً، يعيش الصراع ويتفاعل جدلياً مع الظروف المادية، مع رفاقه، ومع الكادحين. أما إذا عُزل، تحول إلى مثقف صالونات ذي بعد واحد، أقرب للبرجوازية منه إلى الطبقة الكادحة
إن ما أشرنا إليه هنا يمثل إحدى المآسي التي عاشتها الحركة الماركسية التونسية؛ فمع قمع بن علي وخنقه للحياة السياسية، تفكك التيار الماركسي وتحول لمجموعة من الجزر النخبوية الضيقة في كل مجال، الأمر الذي أدى بدوره إلى تفكيكٍ على مستوى الفكر الماركسي الذي يحملونه، فكل تشكيلة نخبوية تبنت بعداً في حقل ماركسي معين، مما أفقد الماركسية كليتها حتى كفت أن تكون ماركسية. لذلك يمكن أن نستخلص أنه بدون تنظيم ماركسي ثوري، لا وجود لا لحركة ماركسية ولا لنظرية ثورية
وحتى نربط ما استخلصناه هنا مع موضوع النص، يمكن القول إن النخبوية السينمائية التي عانت منها الطليعة السينمائية التونسية (رغم موهبة مخرجيها مثل فريد بوغدير والنوري بوزيد وغيرهم)، سببها الرئيسي هو الاستبداد الذي عزلهم عن الظروف المادية، عن الجماهير، عن بعضهم البعض) و هو ما انتج في هذا المشهد: مخرج يدعي التقدمية لكنه نخبوي معزول عن جماهير تعاني اكثر فاكثر من الهيمنة الثقافية
المراجع:
ماركس كارل (1859) إسهام في نقد الاقتصاد السياسي ترجمة أنطون حمصي دمشق منشورات وزارة الثقافة
تروتسكي ليون (1938) أخلاقنا وأخلاقهم ترجمة تيسير ميرزا دمشق دار الحصاد
غرامشي أنطونيو (1929-1935) كراسات السجن دفاتر السجن ترجمة لاوند نوزاد بيروت دار الفارابي
كامينكا يوجين (1962) الأسس الأخلاقية للماركسية ترجمة حيدر حاج إسماعيل بيروت المؤسسة الجامعية للدراسات والنشر
لوكاتش جورج (1951) دراسات في الواقعية ترجمة نايف بلوز بيروت المؤسسة الجامعية للدراسات والنشر
بنيامين فالتر (1936) العمل الفني في عصر إعادة إنتاجه تقنيا ترجمة أحمد حسان القاهرة دار ميريت للنشر
إيغلتون تيري (1976) الماركسية والنقد الأدبي ترجمة جابر عصفور الدار البيضاء دار توبقال للنشر
فوغل أموس (1974) السينما كفن تدميري نيويورك منشورات راندوم هاوس
#سامر_بن_عبد_السلام (هاشتاغ)
Samer_Ben_Abdessalem#
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟