أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - سنية عبد عون رشو - واجب العزاء














المزيد.....

واجب العزاء


سنية عبد عون رشو

الحوار المتمدن-العدد: 8713 - 2026 / 5 / 22 - 18:15
المحور: الادب والفن
    


لم يزرني النوم بعد تلك الحادثة لعدة أيام خلت . ففي كل ليلة كنت أترقب بخوف وتوجس . ان دائرة الأمن ، تبعث بطلبي لتحقق معي بسبب تهوري وما انطلق به لساني بتلك الكلمات التي جعلت الوساوس تجثم فوق أنفاسي كل ليلة . ومما زاد الطين بلة ان كل أفراد أسرتي قد وجهوا لي أشد اللوم والتقريع لما بدر مني في ذلك اليوم النحس رافقني الندم وجلد الذات خوفا ورعبا عليهم وعلى نفسي .
تأخرنا عن محفل فاتحة الشهيد ، فجئنا والجمع قد انفض . لا أحد هنا . فالشهيد قد رحل الى خلوده الأبدي ، ولم يترك خلفه الا صمتا مهيبا يروي حكاية لوعة امرأة ثكلى وأخت تجلس وحيدة قرب صورته .
ردتْ صديقتي التحية بصوت خليط بين حشرجة وأنين . جلستُ بجانبها بصحبة أمي دون ان نتكلم الا بكلمات التعزية على روح أخيها الشهيد (عماد) مع قراءة سورة الفاتحة ثم ساد صمت لمدة غير قليلة . كانت أمي تجيد الحديث بمثل هذه المواقف وصديقتي وأمها تتظاهران بالقوة والتماسك ولكن آثار الحزن بادية عليهما . الجو العام يوحي بكآبة حادة . لاذ الجميع بصمت طويل . فالمرء تخرس كلماته في محراب الفقد لشاب في مقتبل العمر . مع توجس واحساس بخطر من يتفوه ببعض الكلمات والحذر من مغبة ان تفهم بشكل مختلف .
.
انتقلت نظراتي الى جدران الغرفة المتهالكة وهي توحي ان الدار قديم جدا وقد بذلوا جهودا كبيرة لتبدو أفضل حالا . عمدوا لتغطية الجزء الأكبر منه بقطع النايلون السميك ليخفي عيوب التآكل فيه . هناك صورة لرجل يرتدي الزي العربي وربما هو والد صديقتي وصور أخرى لأطفال لا أعرفهم . الا ان الصورة التي لفتت انتباهي لكبر حجمها وكونها الوحيدة بين الصور كانت مزججة بعناية مختلفة وكانت لرئيس تلك المرحلة . وحيث حرب الثماني سنين ما زالت طاحنة بشراستها المعهودة . كان صاحب الصورة يبدو ضاحكا ملء ثغره وكأنه لا يدري بما تعانيه الأمهات الثكالى والعوائل الفقيرة بالذات . ولا يدري ان عماد هو الرجل الوحيد المعيل لهذه العائلة بعد وفاة والده . وان هذا البيت المتهالك لا تعود ملكيته لهم .
وانهم فيما بعد أجبروا أبنتهم ( صديقتي) على ترك الدراسة لتعمل في أحد مصانع التصنيع العسكري . كنت أعتز بصداقتها فقد ضحت بمستقبلها من أجل اسرتها رغم ما كانت تتمناه سابقا .
شعرتُ بحزن شديد لاستشهاد عماد كونه أصغر مني سنا وكانت أخته تصحبه معها خلال السفرات المدرسية أو أيام الاحتفال بالمناسبات المدرسية أو الوطنية أيام المرحلة المتوسطة . كان طفلا جريئا حاضر البديهة ، يرد على من يسأله بطريقة محببة . وحين فرقتنا ظروف الحياة واتجهت كل منا بطريقها لم نعد نلتقي الا مصادفة .
ولكن بعد سنين رأيته شابا يافعا مع صديقتي فكان يلقي تحيته بخجل وتواضع وحين ذكرته بمناكفاته التي كان يفتعلها كان يبتسم وتحمرّ وجنتاه دون ان يتكلم .
غاضني منظر الصورة المزججة وضحكة صاحبها العريضة . فسرح خيالي الى الأرض التي يرقد تحتها عماد وهي تحتضنه وتضغطه بحضنها البارد المخيف والضباع البرية تتصايح من حوله بكل شراستها . بينما يكون صاحب الصورة محتفلا بعيد ميلاده .
كان الحديث مع نفسي سرا . ولكن انفلتت من فمي كلمات مسموعة دون وعيي فقلت : ـ أنظروا الى الصورة انه بالتأكيد يضحك على مآسينا ولا يهمه من أمرنا شيئ . ليس وحدكم متعبين بل كلنا نعيش حياة البؤس والخوف والرعب . تتجمد الدماء في عروقنا حين يطرق أحدهم بابنا وترعبنا حتى هذه الجدران الصامتة .
غمرتني صديقتي بنظرة حزينة وأشارت لي بالسكوت بإشارة منها . بينما رمقتني أمي بنظرة لوم وعتب . وهي تضغط بأسنانها على شفتها السفلى .
ولكن ما جعل جسدي يرتعد خوفا هو حركة غير متوقعة من أم صديقتي فقد نهضت بوثبة مفاجأة وهوت بكامل جسدها فوقي وغطت عباءتها رؤيتي وهي تصرخ بعصبية وامتعاض . أين المسجل . ؟؟؟ أخرجيه بسرعة ايتها الخائنة . !!! وما زالت تبعثر بعباءتي وتفتش بحقيبتي بيدين مرتجفتين وصراخ مستمر وكأنها ليست هي نفس المرأة التي استقبلتنا بهدوء تام .
أجبتها وصوتي يرتجف خوفا وقلبي يخفق خفقانا سريعا :ـ عن أي شيء تبحثين .؟؟ وماذا تقصدين بالمسجل . ؟؟ لا أدري ماذا تعنين . !!
قالت :ـ تعرفين ماذا أعني بالضبط . يا لك من صديقة مدسوسة .
أمي لحد هذه اللحظة كانت محافظة على صمتها لكنها تراقب الأحداث ففهمت ماذا تعني المرأة بهذا التصرف . نهضتْ من مكانها وهي غاضبة ثم واجهت المرأة ومنذرة اياها بقولها : ـ كفي عن تصرفك الأهوج . لسنا من النوع الذي تقصدين . ثم رفعت عباءتها ونفضتها ونفضت ثوبها ثم سحبت عباءتي ورمتها على الأرض . ودلقت محتويات حقيبتي فوقها . ثم بطريقة الأمر قالت لها :ـ فتشي بما يحلو لك . فان وجدت شيئا فعليك ان تبصقي بوجهينا .جئنا من أجلكم لنقدم واجب العزاء .
ان الأنسان ليخجل عندما يتصرف بوقاحة في لحظة غضب . قالت أم صديقتي . وفعلا خجلها واضح باحمرار وجهها .
وأخيرا تربعت على الأرض وهي تضرب بكلتا يديها فوق ركبتيها وتقول : ـ لقد فعلتها احداهن قبل عدة أيام وسجلت لنا كلاما من هذا القبيل . وهي من استدرجتني للحديث ثم أوصلته لهم . لذلك بعثت الينا دائرة الأمن انذارا . ان لا نفقد السيطرة بسبب استشهاد ولدنا ونتحدث بسوء على السلطة .
ثم تابعت كلامها :ـ طلبوا مني ان أحضر الى هناك ووقعت بهذه اليد ورفعت يدها بعصبية . نعم وقعت على التعهد بعدم تكرارها .
ان خسارة ولدي بكفة واذلال امرأة بعمري بألف كفة .



#سنية_عبد_عون_رشو (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)

الكاتب-ة لايسمح بالتعليق على هذا الموضوع


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- نافذة وفنجان
- كبرياء فوز المتأخر
- الفتى اليساري
- أريد ان أنسى
- اللوحة
- البكاءخلسة
- حبة قمح
- الساعة الخامسة
- العربة
- صمت القديسين
- رمزية شاعرة .. ولكن
- تسرق الريح أغانيها
- القمر والبحر
- الصوت
- أصغر سيدة
- خوذة مرقطة
- كيف ترحل
- المفاجأة
- مفاجأة
- المسرحية الهزيلة


المزيد.....




- فنانون يشكّلون حيوانات بحرية عملاقة من الرمل
- مسرحية -خيال مريض- تؤخر عرضها الأول لما بعد مباراة مصر والأر ...
- شاهد..شخصية الخامنئي بين الفكر والثقافة والقيادة وصناعة التأ ...
- دعوات رسمية في إثيوبيا لدمج اللغة العربية في المنظومة التعلي ...
- من القهر إلى الثورة.. كيف أعادت السينما المصرية صياغة صورة ا ...
- فخاخ اللغة في مفاوضات الأعداء: كيف تصنع الفاصلة مصائر الشعوب ...
- محمد القصبجي.. عبقري العود الذي أرسى دعائم الموسيقى العربية ...
- رحيل الفنان عبدالعزيز مخيون.. وداعاً مثقف الشاشة المصرية ومن ...
- السينما الغنائية العربية: من وهج البدايات إلى انحسار التيار ...
- حكاية لعبة 5: صرخة سينمائية في وجه الاغتراب الرقمي للأطفال


المزيد.....

- كتاب «عين على القصة القصيرة: تأملات نقدية في تسع رؤى قصصية م ... / حميد عقبي
- كتابنا ـ كتابات غير.. ساخرة / حسين جداونه
- رسالة الى عام 3026 / ايه رياض الجبوري
- نافذة ـ قصص قصيرة جدا / حسين جداونه
- جسد الكرنفال في رواية حدث أبو هريرة قال / كمال التاغوتي
- اعترافات السيد حافظ والأصدقاء ما وراء الكواليس الجزء الث ... / السيد حافظ
- سِنّمار / كمال التاغوتي
- مسرحة التراث بين التشكيل النصي والتجلي الركحي في مسرح السيد ... / عيسى بن ريمة
- يونان أو قهر النبوّة / كمال التاغوتي
- إلى أن يُزهر الصّبّار || دراسة للدكتور جبار البهادلي / ريتا عودة


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - سنية عبد عون رشو - واجب العزاء