أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - كمال التاغوتي - الفن والذكاء الخوارزمي














المزيد.....

الفن والذكاء الخوارزمي


كمال التاغوتي

الحوار المتمدن-العدد: 8708 - 2026 / 5 / 17 - 19:51
المحور: الادب والفن
    


تثير التقانة الجديدة جلبة في مجال الإنشاء الفني. فما يسمى "الذكاء الاصطناعي" أمسى عبءا – في نظر البعض – على المبدعين في مجالات شتى؛ إما بدعوى غياب الأصالة في الأعمال المنجزة عبر هذه التقنية وإما لتعرضهم للتشكيك فهم متهمون على الدوام بسرقة جهد الآخرين. لا ريب، ثمة من المتطفلين والطفيليين من يقترف انتحال الصفة بالتعويل على ذاك الذكاء، وهم للأسف كثْر. لكن التعميم واستخدام الذكاء المستحدث مقصلة تتدلى فوق رقاب المبدعين الحقيقيين تعسف وجور يضاهي جور المستبدين الشرقيين المتربصين بالناس في حلهم وترحالهم.
لعل المفارقة الكبرى تظهر في المقارنة بين استعمالات العلوم ونظيرتها في الفنون؛ ذلك أن العالم في حقل من حقول المعرفة يجد في هذا الذكاء أداة فعالة لحل المعضلات وفك شيفراتٍ ما كان له أن يحلها لولا نجدة الذكاء الرقمي أو ما أدعوه الذكاء الخوارزمي ولا تثريب عليه في ذلك كله، لأن العلم باكتشافاته إنما ينمو ويتوسع وتدِقّ نتائجه بفضل تطور أدواته وتقنياته. لقد ولى ذاك الدهر حين كان العالم يجازى فقط على "ذكائه الفطري" – وإن يكن هذا وهما فكل ذكاء مصنوع مكتسب سواء كان التعويل على البيولوجي أو السلكوني - وعبقريته الفذة؛ وعلماء اليوم يزيدهم حسن استخدام الذكاء الخوارزمي إجلالا وتعظيما؛ على خلاف المبدع الفني، كلما أمعن في استخدامه انخفضت منزلته وفقد عمله الفني أصالته. وفي هذا الحكم على الفن والفنانين تسرع، لا سيما وأن من المتعالمين والمتطببين من يستغل التقنية الذكية دون أن يبذل جهدا يذكر، وعلى الرغم من ذلك يجوز أن يجيزه المجتمع المعرفي تماما مثل من يستغل علاقة ما – أسرية أو عاطفية أو اقتصادية – لصالحه فينهب غيره في عمل يزعم أنه خالقه.
فالمبدع في الفن يحق له استخدام الذكاء الخوارزمي إذا كان توظيفه إياه يزيد العمل الفني صقلا وتهذيبا، ويظل عمله أصيلا لأنه هو من يشرف عليه ويقود الجهاز نحو مقاصده بتثبيت عدسته الشعرية وجعلها مركز التبئير. بل إن من المبدعين من تخلى تماما عن أدوات فنه المعتادة المألوفة – ولا أقول القديمة ولا العتيقة – لينخرط في ضرب جديد من الإنشاء قوامه خوارزميات وقاعدة بيانات تكنز نماذج فنية وحوافز تراكمت عبر قرون. وما العمل الفني إلا تفاعلا إبداعيا مع هذا الركام من الأعمال الفنية، وليس إنشاء من عدم. بيد أن ما تقدمه أعمال هؤلاء تظل باعثة على النفور والتعاطي معها بعيدا عن الجدية، فكأنها فقاعات ضوئية تبهر العين لتختفي ويختفي معها أثرها.
ولقد أتى حين من الدهر على فن السينما وفن التصوير الفوتوغرافي كانا فيه يكابدان النبذ والإقصاء من فَلَك الفنون والشعرية، جراء الارتهان للنماذج الجاهزة والقياس عليها، مثل الشعراء المولدين في زمانهم، قضى النقد العربي عليها بالتبخيس والاستصغار لأنها تبتعد عن القصيدة – النموذج، وعمود الشعر المقرر لإحداثيات القول الشعري إذا رغب صاحبه في الاعتراف به شعرا. غير أن الفنين التصويريين تمكنا من حجز مكانهما في فلك الفن، بل أرغمت السينما جماعة التأويل من نقاد ومحللين وخبراء على الإقرار بأنها فن مغاير، مختلف عما سبقها لتتبوأ في نهاية المطاف منزلة الفن السابع. فهل قضِي علينا بالبقاء في هذه الحدود؟ هل يتعذّر تجاوز الرقم سبعة هذا كما هو شأن عجائب الدنيا والأيام؟ يذهل الناس عن أن هذه "صناعية" وليست طبيعية، وإن لم تكن فهي طبع ثان على حد تعبير ابن خلدون. لذلك فإن استخدام الذكاء الخوارزمي يبشّر بميلاد مقولة فنية مغايرة مختلفة، قد لا تستجيب للذائقة السائدة ولكنها بصدد تشكيل ذائقة تلقٍّ جديدة؛ وإن المبدعين في فضاء هذا الذكاء لقادمون على خلق شعرية أخرى تمنح الوجود طاقته على الانكشاف والتجلي، وتسلط على "الواقع" ضوءها لتنكشف تناقضاته وفجواته وهشاشة منظوماته.
على هذا النحو يكون البشر اليوم ماثلين قدام مبدع فني فذ له فضاؤه ومنظوره ووسائله؛ وسائل تجعل منه يتجاوز المبدع الفني المألوف – لا بمعنى الاستصغار والتفوق والقطيعة ... وهلم جرا – إنما تجاوز إبداعي ينهض أساسا على مساءلة الأعمال الفنية العظيمة ونقدها بإدراجها في الفضاء الرقمي وتفعيل طاقاته البيانية. حتما سيؤدي هذا إلى تغيير هوية المبدع الفني – ليس بتحوله إلى ما ليس منه – بل باستحداث فن مختلف وِكْدُه انتزاع الاعتراف والحق في المواطنة ضمن فلك الفنون الراهنة. لذلك ينبغي ألا نخلط بين التقني في مجال الذكاء الخوارزمي وبين المبدع فيه، فهذا يضع أسلوبا خاصا هو عصارة تجربته ومجسِّمُ رؤيتِه، لا يلهث وراء نفع مباشر مما ينشئه.
فحتى إن لاحظ المتأمل تشابها في الممارسة فإنه لا ريب يلحظ التمايز بين ما ينتجه التقني وبين ما ينشئه المبدع. أجل إن المبدع - بانخراطه في الفضاء الرقمي - يحاذي مهندس البرمجيات في عمله، لكنه محمّل بما لا بد له منه في عمله: الخيال، الخيال الشعري به ينأى بعمله الفني عن السطحية والبرود التقني ليعانق رموزه وأيقوناته والنماذج النمطية المشتركة، ولا تمس الحاجة ها هنا إلى التنويه بطاقة الذكاء الخوارزمي على فتح الأغوار العميقة وقدرته على تحقيق التضايف بين أشكال ومذاهب فنية متباينة؛ ليظل جهد المبدع الفني وأسلوبه الرهان الأساسي في نهاية المطاف.
إنه ميلاد مهندس الفن. تضيق الشقة بفضله بين فلكين قضت عليهما مثُل أفلاطون بالتنابذ عهودا؛ فلعل الذكاء الجديد يمنح مهندس الفن حق الإقامة في أكاديمية أفلاطون دون فقدان بوصلته الفنية.



#كمال_التاغوتي (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- المقامة التِّرْنَابِيَّة
- الشهيدة (إلى فاطمة فتوني شهيدة الميدان)
- جدل
- العَربِيّ الذّبِيحُ
- الغُيُومُ لا تَمُوتُ
- على هامِشِ الأرْكَانِ
- بمناسبة -يوم- المربّي
- أبو حيان التوحيدي: المفاضلة من سلاح حربي إلى أداة معرفية
- أبَتَاه
- الذكاء الاصطناعي: نحو صناعة أيقونة
- أحْزانُ إسْماعِيلَ
- شهريار الجسد المقهور (مقاربة لمسرحية شهرزاد لتوفيق الحكيم)
- فخْرُ البِيضانِ على الحُمْرانِ
- وَرْدٌ يَقِظ
- بِنْتٌ فِي المَيْدَانِ
- أُفُول
- أرَاكِ
- نَزِيفٌ
- البِشارَة: وصايا حسن الصّبّاح إلى أبنائه المؤمنين
- ضَابِطُ تَلْمُود


المزيد.....




- محمد رمضان يطالب وزيرة الثقافة بـ-اعتذار رسمي لصعيد مصر-
- -المفترس الأقوى-.. فيلم ناجح أم مجرد إعادة تدوير للإثارة؟
- من نص إلى فيديو بجودة سينمائية.. ثورة -فيدو كلو- الجديدة في ...
- آثار إدلب.. حضارات متعاقبة ومتحف معرة النعمان شاهد على ذاكرة ...
- محمد رمضان يلتقي الجمهور السعودي في العرض الخاص لفيلم -أسد- ...
- تعيين محمد باقر قاليباف الممثل الخاص لإيران لدى الصين
- هذا الموسيقي السوري الأمريكي يعيد تقديم الموسيقى العربية الك ...
- مناقشة رسالة ماجستير عن سخرية قصص سناء الشّعلان في جامعة عمر ...
- في -مذكرات طفلة لم تشهد الحرب-.. اليمن بعين الكاتبة رغدة جما ...
- غموض يحيط بانفجار بيت شيمش.. والإعلام الإسرائيلي يشكك بالروا ...


المزيد.....

- يونان أو قهر النبوّة / كمال التاغوتي
- إلى أن يُزهر الصّبّار || دراسة للدكتور جبار البهادلي / ريتا عودة
- طوفان النفط . . رواية سياسية ساخرة / احمد صالح سلوم
- حارس الكنوز: الانسان والحيوان الالهي / نايف سلوم
- احلام الفراشة مجموعة قصصية / أمين أحمد ثابت
- رواية هروب بين المضيقين / أمين أحمد ثابت
- احلام الفراشة مجموعة قصصية / أمين أحمد ثابت
- اعترافات السيد حافظ والأصدقاء ما وراء الكواليس الجزء الثا ... / السيد حافظ
- تمارين أرذل العمر / مروة مروان أبو سمعان
- اترجمة السيرة الذاتية لاجاثا كريستي للعربية / أجاثا كريستي ترجمة محمود الفرعوني


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - كمال التاغوتي - الفن والذكاء الخوارزمي