أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - امير وائل المرعب - حكمة في خريف العمر














المزيد.....

حكمة في خريف العمر


امير وائل المرعب
ماجستير هندسة كهرباء جامعة بغداد ومهتم بالادب والشعر والفلسفة والعلوم والرياضيات

(Amir Wael Abdulamir Murib)


الحوار المتمدن-العدد: 8695 - 2026 / 5 / 2 - 23:06
المحور: الادب والفن
    


كان "عمر" قد أتم عامه الخمسين، رجلاً موسوعياً بحق، يلتهم ثلاثة كتب يومياً حتى بات عقله أشبه بمكتبة ضخمة تمشي على قدمين. لكن مع اتساع مداركه المعرفية، كانت دائرته الاجتماعية تضيق بشدة. بدأ يفقد أصدقاءه واحداً تلو الآخر؛ ففي كل نقاش، كان يُغَلِّب المنطق الصارم على المشاعر، وتتضارب وجهات نظره مع من حوله، لا سيما في تلك الحقبة المظلمة التي مرت بها البلاد.

لقد مزقت الحرب الأهلية والفتن الطائفية نسيج مجتمعهم، وكان وقع الكلمات في نقاشاتهم القديمة قاسياً وجارحاً كوقع الرصاص. افترق الأصدقاء إثر تلك الخلافات العميقة، وبقي عمر وحيداً، محاصراً بين جدران كتبه، يظن أن المعرفة تكفيه.

الكتاب الذي غيّر كل شيء
في يوم كئيب، وأثناء تجواله بين رفوف مكتبة عامة قديمة، وقعت عيناه على كتاب مهترئ الغلاف بعنوان يحمل دلالة بسيطة: "كيف تستعيد أصدقاءك". لم يكن كتاباً في الفلسفة المعقدة أو التاريخ الثقيل الذي اعتاده، لكنه لامس وتراً حساساً في قلبه المحزون والمثقل بالوحدة.

عاد به إلى المنزل، وبدأ يقرأه بنهم شديد ليلاً ونهاراً، متجاوزاً عادته الصارمة في قراءة الكتب الثلاثة. وجد في طيات تلك الصفحات ضالته الحقيقية؛ فقد أدرك حقيقة غابت عن ذهنه طويلاً: العمر قصير جداً، والتواجد مع الناس ومعانقة الحياة أفضل بكثير من قضاء ما تبقى من العمر في معانقة الورق.

قرر، بشجاعة نادرة، أن يغيّر من طبيعته. قرر أن يتنازل عن كبريائه الثقافي، وأن يطوع شخصيته الموسوعية لتتلاءم مع دفء المجتمع وبساطته.

رحلة الاعتذار
أدرك عمر أن الخطوة الأولى هي الأصعب. أمسك بهاتفه، وبدأ رحلة شاقة للبحث عن أرقام أصدقائه القدامى.

كان الاتصال بكل واحد منهم يمثل مواجهة مع أشباح الماضي. تذكر كيف فرقتهم الحرب، وكيف قادتهم الاصطفافات الطائفية المقيتة إلى تبادل كلام شديد القسوة لا يُنسى بسهولة. ورغم خفقان قلبه وخشيته من الصد أو التجاهل، اتصل بهم واحداً تلو الآخر.

هذه المرة، لم يناقش، لم يجادل ليوضح مَن كان على صواب، ولم يبرر أفعاله. كان يكتفي بكلمات بسيطة وصادقة وتخلو من أي كبرياء: "أنا أعتذر... لقد أخطأت في حقك، واشتقت لأيامنا."

المفاجأة الكبرى
كان عمر يهيئ نفسه نفسياً لتقبل الرفض، أو لسماع ردود فعل غاضبة تعكس قسوة ما حدث في الماضي. لكن المفاجأة التي أدمعت عينيه هي أن 70% من أصدقائه قد سامحوه فوراً.

لقد اكتشف أنهم جميعاً، مثله تماماً، كانوا منهكين من قسوة الحرب وعزلة السنين، وكانوا بحاجة ماسة إلى من يمتلك الشجاعة ليمد غصن الزيتون الأول. كانت القلوب لا تزال تحمل ذكريات المحبة الخالصة التي سبقت سنوات الدمار المظلمة.

تكسر الجليد، وعادت اللقاءات، وصدحت الضحكات من جديد في مقاهيهم القديمة. عاد عمر ليكون محور أصدقائه وقلب جلستهم النابض؛ ولكن هذه المرة ليس بصفته الرجل الموسوعي الذي يتفوق عليهم بالمعلومات والمعرفة، بل بصفته الصديق الحكيم الذي أدرك أخيراً أن كسب قلوب الناس، أهم بكثير من كسب النقاشات.



#امير_وائل_المرعب (هاشتاغ)       Amir_Wael_Abdulamir_Murib#          


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- تطور المعلومات: كيف يمثل الذكاء الاصطناعي الامتداد الحتمي لل ...
- دماء الورد
- جيفارا العراق: دراسة تاريخية وتحليلية معمقة لسيرة خالد أحمد ...
- الدائرة الكهربائية الكونية
- مقالة نقدية عن وائل المرعب الحرف واللون
- عباءة الدين وسوط السلطة: حين يصبح الله -أداة- للوجاهة والنفو ...
- حينما تتحدث الخلايا بلغة الأرقام: لماذا نحتاج إلى ثورة رياضي ...
- -الروح- كمعادلة رياضية: حين يصبح الترتيب هو جوهر الحياة
- علاقة الدين بالسياسة
- فلسفة نيتشه وظلال الرايخ الثالث: جدلية الإنسان الأعلى، التزو ...
- انشتاين فيلسوف وليس عالم رياضيات
- ميتافيزيقا الجمع: من البوابات المنطقية إلى مفارقات اللانهاية ...
- علاقة حقيقة الوحي باثار الهلال الخصيب العراق والشام
- الحتمية البايوكيميائية لانفلاق التناظر الفائق العظيم
- مناشدة انقذوا السودان الحبيب
- التجريد السير وراء ظل الاشياء ( مقال مشترك)
- التجاوريات وسرعة الهدم
- ميزان العدالة في كونٍ تحكمه الفوضى
- وهم الامة العربية الواحدة ذات الرسالة الخالدة
- الشروك واعادة رسم المشهد السياسي العراقي بعد 2003


المزيد.....




- شاهد.. فنان يحوّل أقدم جسر في باريس إلى كهفٍ هوائيٍّ ضخم
- من مقاومة النازية إلى التضامن مع فلسطين ونقد الحداثة.. رحيل ...
- -لم نكن نعرف-.. لماذا تتوالى انسحابات الفنانين من احتفالات أ ...
- -في أصول الفقه السياسي-.. كتاب يكشف مواطن القوة والضعف في مش ...
- بابل الرقمية.. كيف أنهى الذكاء الاصطناعي حاجز اللغة في الاتص ...
- من فوضى الألوان !! ..
- مسئولون أمنيون إسرائيليون ينتقدون حديث نتنياهو عن تجاوز اللي ...
- الفلسطيني «يموت» والإسرائيلي «يُقتل».. كيف تصنع اللغة انحياز ...
- إِخْترْنَا لَك نصّ سِيريالى (حين صِرْت سُؤالاً) الشاعرمحمداب ...
- مصر.. فيديو فنانة استعراضية يُعتدى عليها بغرفة فندق والأمن ي ...


المزيد.....

- جسد الكرنفال في رواية حدث أبو هريرة قال / كمال التاغوتي
- اعترافات السيد حافظ والأصدقاء ما وراء الكواليس الجزء الث ... / السيد حافظ
- سِنّمار / كمال التاغوتي
- مسرحة التراث بين التشكيل النصي والتجلي الركحي في مسرح السيد ... / عيسى بن ريمة
- يونان أو قهر النبوّة / كمال التاغوتي
- إلى أن يُزهر الصّبّار || دراسة للدكتور جبار البهادلي / ريتا عودة
- طوفان النفط . . رواية سياسية ساخرة / احمد صالح سلوم
- حارس الكنوز: الانسان والحيوان الالهي / نايف سلوم
- احلام الفراشة مجموعة قصصية / أمين أحمد ثابت
- رواية هروب بين المضيقين / أمين أحمد ثابت


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - امير وائل المرعب - حكمة في خريف العمر