محمد حسن البشاري
(Mohamed Beshari)
الحوار المتمدن-العدد: 8690 - 2026 / 4 / 27 - 12:08
المحور:
الادب والفن
منذ صدور الرواية الأخيرة لهشام مطر (الأصدقاء) تكررت المقالات التي تشيد بها في أغلب المواقع العربية وحتى الأجنبية كان آخرها مقال في جريدة العرب اللندنية وفي موقع الحوار المتمدن لم أقرأه بسبب سأبينه في الاتي:
فبعد فترة قصيرة من صدور روايته الأولى (في بلد الرجال) عام 2006 زرت لندن في مهمة رسمية لشركة رأس لانوف ونزلت في فندقي المفضل بالقرب من أكسفورد سيركس وبدلا من أن أتوجه الى شارع إدجوار رود كعادتي عند وصولي بغرض ممارسة رياضة المشي والبحث عن مجلات واصدارات المعارضة الليبية دخلت في زقاق بجانب المحلات السويدية H&M على يمين شارع أوكسفورد في اتجاه ماربل آرش وهو الزقاق الذي يذكرني بشارع الحمًام في سوق الجريد بنغازي بمدخله الضيق الذي لا يتعدى المتر وهو المشوار المفضل لدي لأتمشى من خلاله الى منطقة Marylebone الجميلة والهادئة والتي لا يعرفها الكثير من السواح العرب على الرغم من قربها من شارعهم إدجوار رود وفي الشارع الرئيسي لهذه المنطقة تقع مكتبة عتيقة وجميلة وهي مكتبة Daunt Books فدخلتها وسألت البائعة عن تلك الرواية فقامت على الفور من مكانها الى أحد الارفف القريبة منها وسحبتها وسلمتني إياها فدفعت ثمنها عن طيب خاطر ورجعت الى الفندق لاستغرق في قراءتها خلال أيام المهمة ولم أغادر لندن الا وأنا قد أتميت قراءتها وأنا أشعر بأننا قد حضينا بصوت سيبلغ العالم بالمأساة الليبية بلغتهم وبشكل جميل وأدبي وفعلا كان وقعها كبيرا ونالت استحسان النقاد في مختلف وسائل الاعلام الغربية وترجمت الى ثلاثين لغة من لغات العالم.
وفي أول نهاية أسبوع نزلت الى بنغازي وكعادتي زرت شقيقي في البريقة وسلمته إياها وعندما وصلت الى بيت الوالد في بنغازي سألته ان كان سمع بمَطَر ونطقتها كما هي في الإنجليزية Matar فقال لي: " مش مَطَر قول مطْر وهو شيخ الزوية في إجدابيا زمان وهو راجل محترم" فأخبرته عن الرواية وأن حفيده هشام يروي قصة والده الذي أختطف في مصر وسلم الى ليبيا مع عزات المقريف ولم يعرف مصيرهما الى الان وأن هذه الرواية تم ترشيحها لجائزة البوكر فلم يعلق وفهمت الرسالة التي يريد ايصالها الي بأن أكون حذرا في تناول مثل هذه المواضيع وقد كان أكثر صراحة معي في مناسبة أخرى عندما نشرت احدى الصحف الإيطالية تقريرا باكتشاف والد القذافي بأنه طيار فرنسي فُقد اثناء الحرب العالمية الثانية قريبا من مكان وزمان ولادته في سرت مع صورته التي تشبه القذافي فحدثته عنها في وجود قريب جاء لزيارتنا من جالو فنهرني قائلا: "يا محمد معاش تكرر ها لكلام أنت في وظيفة كبيرة وح يعتبروك طابور خامس" عند ذاك فقط أدركت خطورة وظيفة عضو لجنة إدارة في شركة نفطية كبيرة مثل رأس لانوف والتي يفتخر بها القذافي شخصيا ويقال بأنه عين نفسه كرئيس لجنتها الإدارية الفخري واستغربت هذا الادراك من الوالد الذي لم يعمل على الاطلاق في وظيفة حكومية بل كان طوال حياته وهو حرا يمارس نشاطه التجاري الى أن منع القذافي التجارة وكل عمل خاص في ليبيا بداية من عام 1981 فعرفت مدى وعي آبائنا على الرغم من عدم تخرجهم في الجامعات.
وعند عودتي الى رأس لانوف زرت شقيقي كالعادة وسألته عنها فعبر لي عن امتنانه فطلبت منه كتابة تعليقاته عليها وفي المرة التالية زرته و اصطحبته معي الى بنغازي وكان حديثنا كله عنها وكان معجبا بتصويره الدقيق لحادثة اعدام أحد أشخاص الرواية وفي اليوم التالي زرت أحد الأصدقاء في مكتبه وسلمته إياها الذي كان سعيدا بها وأيضا أكملها في فترة قصيرة ولما زرته مرة أخرى وجدت عنده صديقا مشتركا استأذنني في اعارته لها فقلت لهما بأنني سأكون سعيدا جدا بأن تعيروها الى أكبر عدد ممكن.
وبتاريخ 18/11/2016 اشتريت رواية (العودة) من مكتبة Kinokuniya في كوالا لامبور عاصمة ماليزيا بعد كثير من التردد نظرا لأزمة السيولة في ليبيا الا أنني لم أستطع العودة الى ليبيا قبل شراءها مع كتابين آخرين وقرأتها على مهل في ليبيا ووجدتها مذكرات أو يوميات عودته الى ليبيا في مارس 2012 للبحث عن أي اثر لأبيه ولا أدري لماذا يتم تسميتها برواية ولم أكن سعيدا بها مثل الأولى.
ولم أصدق نفسي عندما وجدت روايته (الأصدقاء) في احدى مكتبات بنغازي للكتب المستعملة يعرضها البائع بسعر رخيص جدا على الرغم من أنها جديدة فقلت له: "لا أستطيع قراءة هشام مطر فهو أسير للقذافي"
وما لم أفهمه أن يظل يكتب ويدور حول القذافي فقط فهو يمدح كل معارضيه ويقدح في كل أصدقاءه بما فيهم نيلسون مانديلا على الرغم من امكانياته الكبيرة عالميا و ما يزيد الطين بلة كما يقولون شعوري بأنه لا يدرك ذلك وأنه عليه أن يفك قيده من هذا الأسر على عكس الكثيرين من الشباب البسطاء الذين فوجئت بهم منذ أول يوم من خروجهم من سجون القذافي في مارس 1988 فقد زرت أحدهم في محل أبيه في سوق الجريد الذي قام بافتتاحه ووجدته باشا ظريفا وكان ظاهرا لي بشكل واضح بأنه لا يريد الحديث عن مأساته والمفارقة أنه قال لي عندما صافحته : "كنك كابر يا أحميدة؟" ورديت عليه : "وأنت أتقول جاي من بره" والكثيرين غيره من المناضلين الذين قضوا حوالي العشرين عاما في سجون القذافي الرهيبة مثل راشد الزبير السنوسي الذي صرح قائلا في سلسلة حلقات من برنامج يروي فيها تجربته في السجن بأنه لا يلوم أحدا ممن حكموا عليه وسجنوه وعذبوه لأنه أقدم على هذا العمل وهو يتوقع ما سيناله من عقاب ، أو أكثر من ثلاثين عاما مثل على العكرمي وأربعين عاما مثل أحمد الزبير السنوسي الذين استأنفوا حياتهم بشكل طبيعي على الرغم من العذاب المهول والطويل الذي مسهم بشكل مباشر.
والغريب أنني في مساء الثلاثاء 21/04/2026 استمعت الى أغنية شعبية يقول مطلعها : (كان درت من بعد العقاله زله) من أداء الفنان فوزي أشهوب الذي استمعت اليه لأول مرة على إحدى القنوات الفضائية الليبية فأعجبتني وبحثت عن صفحة الفنان على الفيس فوجدتها بكل يسر وسهولة وبأنها من تأليف الشاعر/ أهليل البيجو وكتبت كلمات الاغنية بالكامل و قمت بالبحث عنها من جديد لأجدها في احدى الصفحات مكتوبة بالإضافة الى ابيات أخرى لم يغنها وبعد انتهائي من كتابة هذا المقال تصفحت رواية العودة لأجد أسم Ehlayyel Bejo أهليل البيجو واردا في الصفحة 179 وأنه تم القبض عليه في عام 1984 وسجن في بوسليم ويبدو أنه ممن أطلق سراحهم فيما عرف بأصبح الصبح في مارس 1988 فلننظر الى كيف تعافي هذا الشاعر الذي كنت أسمع عنه كثيرا وكيف أغنى تراثنا الشعبي بمثل هذه الكلمات الرائعة ومثله الشاعر الكبير راشد الزبير السنوسي الذي لا يزال يتحفنا من وقت الى آخر بدرر الكلام ويؤنس وحشتنا في الكثير من المناسبات سواء الاجتماعية أو الثقافية ويبث فينا روح التفاؤل التي نحن في أمس الحاجة اليها وكذلك الدكتور محمد المفتي الذي لم يتوقف عن الكتابة الهادفة لنشر الوعي في الكثير من المجالات ولا أستطيع أن أنسى مأساة شاعرنا الكبير محمد الشلطامي الذي عذب عذابا شديدا على أيدي جلاوزة القذافي أمام الطلبة في عام 1976 بسبب رفعهم لكلمته (مشرق كالشمس وجه الكلمة) في لافتة أثناء مظاهراتهم والمفارقة أنه قالها ضمن قصيدة في عام 1967 أي قبل أن يعرف الليبيون القذافي فلم ينكسر ومارس حياته الطبيعية بعد خروجه من السجن وأيضا ظل يتحفنا بكلماته وحضوره الى أن توفي عام 2010 رحمه الله رحمة واسعة.
27/04/2026
#محمد_حسن_البشاري (هاشتاغ)
Mohamed_Beshari#
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟