أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - قضايا ثقافية - يحي عباسي بن أحمد - المقال الثاني: من القابلية للاستعمار إلى تحرير العقل














المزيد.....

المقال الثاني: من القابلية للاستعمار إلى تحرير العقل


يحي عباسي بن أحمد
كاتب

(Abassi Yahia Ben Ahmed)


الحوار المتمدن-العدد: 8690 - 2026 / 4 / 27 - 00:16
المحور: قضايا ثقافية
    


مقدمة
يُعد مفهوم "القابلية للاستعمار" (la colonisabilité) من أجرأ الأفكار التي طرحها مالك بن نبي وأكثرها إزعاجًا للضمير العربي والإسلامي. فبدلاً من أن يركز الخطاب النقدي على فعل المستعمر وحده، قلب بن نبي المعادلة وسأل سؤالاً جوهريًا: لماذا استعمرنا؟ لماذا سقطت المجتمعات المسلمة تحت الاحتلال بينما قاومت مجتمعات أخرى؟ كان جوابه صادمًا في بساطته وعمقه: لأنها كانت قابلة للاستعمار قبل أن تُستعمر.
هذا المفهوم، الذي طوّره بن نبي في كتابيه "شروط النهضة" و"مشكلة الأفكار في العالم الإسلامي"، لم يكن محاولة لتبرير الاستعمار أو إعفاء المستعمر من مسؤوليته، بل كان تشخيصًا موضوعيًا لمرض عضوي أصاب بنية المجتمع المسلم. وفي هذا المقال، نتتبع جذور هذا المفهوم، ونحلل عناصره، ونناقش آليات الانتقال من "القابلية للاستعمار" إلى "القابلية للنهضة".
أولاً: تعريف القابلية للاستعمار
يُعرِّف بن نبي "القابلية للاستعمار" بأنها "حالة من الضعف البنيوي الداخلي تجعل المجتمع عاجزًا عن حماية ذاته وهويته، وأكثر قابلية للاختراق والتوجيه من قبل قوى خارجية". إنها ليست ضعفًا عسكريًا فقط، بل هي بالأساس ضعف حضاري: فساد في الأفكار، وتفكك في القيم، وفقدان للثقة بالنفس، وانقطاع الصلة بين الإنسان وترابه وزمانه.
في تحليل بن نبي، القابلية للاستعمار تسبق الاحتلال العسكري. الاستعمار الأجنبي، في نظره، ليس سوى "عرض" لمرض باطني عميق. وكما يقول: "لا يُستعمر شعب إلا لأنه قابل للاستعمار. والاستعمار يزول حين تزول قابليته".
ثانياً: جذور القابلية للاستعمار في التاريخ الإسلامي
يتتبع بن نبي جذور القابلية للاستعمار إلى مرحلة "ما بعد الموحدين" (post-Muwahid) في التاريخ الإسلامي. يرى أن العصر الذهبي للحضارة الإسلامية كان عصر "الأفكار الفعالة" التي تنتج الحركة والإبداع. ثم جاء عصر الجمود والتقليد، حيث تحولت الأفكار من "حية" إلى "ميتة" أو حتى "قاتلة".
بعد سقوط الدولة الموحدية، دخل العالم الإسلامي، حسب بن نبي، في مرحلة "ما بعد الحضارة" (post-civilization)، حيث فقد روح الإبداع والاجتهاد، وبات يقتات على ماضيه المجيد. هذا التراجع الحضاري هو الذي خلق الفراغ الذي ملأه الاستعمار الأوروبي لاحقًا.
ثالثاً: أبعاد القابلية للاستعمار
يميز بن نبي بين ثلاثة أبعاد للقابلية للاستعمار:
1. البعد الفكري: غياب "الأفكار الفعالة" التي تنتج الحركة والبناء. المجتمع القابل للاستعمار يعيش على الأفكار "الميتة" (التي لا تؤدي إلى عمل) أو الأفكار "القاتلة" (التي تدمر المجتمع وتشل حركته).
2. البعد النفسي: الشعور بالدونية وفقدان الثقة في الذات، مما يؤدي إلى "عقدة التبعية" التي تجعل المجتمع ينظر إلى الغرب كمصدر وحيد للحقيقة والتقدم.
3. البعد الأخلاقي: انهيار "المجتمع الأخلاقي" إلى "مجتمع مدني" خالٍ من الضوابط الروحية التي تضبط سلوك الأفراد والجماعات.
رابعاً: القابلية للاستعمار واستيراد الأشياء
من أهم تطبيقات هذا المفهوم تحليل بن نبي لظاهرة "استيراد الأشياء" (importation of objects) من الغرب. يرى أن المجتمعات القابلة للاستعمار لا تستورد "الأفكار" التي أنتجت الأشياء، بل تكتفي باستيراد الأشياء نفسها جاهزة.
هذا الاستيراد العشوائي، في نظره، ليس حضارة بل تقليدًا أعمى. المجتمعات المسلمة تستورد الآلات والأجهزة وأنماط الاستهلاك، لكنها لا تستورد القيم التي أنتجتها: العمل، النظام، الإتقان، الابتكار. النتيجة هي "مجتمع مستهلك" لا "مجتمع منتج"، وهذا بدوره يعمق القابلية للاستعمار ويخلق تبعية دائمة.
خامساً: من القابلية إلى النهضة
إذا كانت القابلية للاستعمار مرضًا، فما هو الدواء؟ بن نبي لا يتركنا في اليأس. يقدم مشروعًا للنهضة يقوم على تغيير "الشروط الذاتية" قبل "الموضوعية". الانتقال من القابلية للاستعمار إلى القابلية للنهضة يتطلب:
1. تغيير الأفكار: استبدال الأفكار الميتة والقاتلة بأفكار فعالة حية تنتج الحركة.
2. بناء الإنسان: إعادة تشكيل الإنسان المسلم ليكون "فاعلاً حضاريًا" لا "متلقيًا مستهلكًا".
3. استعادة العلاقة بالتراب والزمن: تحويل الموارد الطبيعية إلى ثروة وتقنية، والاستثمار في الزمن من خلال التخطيط طويل المدى.
خاتمة
مفهوم "القابلية للاستعمار" هو سلاح ذو حدين: إنه يحرر من وهم المؤامرة، لكنه يحمّل مسؤولية كبيرة للمجتمع نفسه. لا يمكن أن نلقي باللوم على المستعمر وحده، كما يقول بن نبي، دون أن ننظر في المرآة ونسأل: لماذا كنا قابلين؟ وماذا فعلنا لنكون غير قابلين؟
هذا المفهوم يظل، بعد نصف قرن من رحيل بن نبي، الأكثر قدرة على تفسير واقع المجتمعات المسلمة: التبعية التكنولوجية، استيراد الأيديولوجيات الجاهزة، فقدان الثقة في الذات، والانبهار بالغرب. طالما بقيت القابلية للاستعمار، سيبقى الاستعمار بأشكال جديدة: استعمار اقتصادي، ثقافي، فكري. والخلاص، كما يراه بن نبي، يبدأ من الداخل: تغيير ما بأنفسنا.



#يحي_عباسي_بن_أحمد (هاشتاغ)       Abassi_Yahia_Ben_Ahmed#          


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- المقال الأول: معادلة الحضارة – الإنسان والتراب والزمن في فكر ...
- المقالة العاشرة: الرؤية القرآنية للفساد والصراع — قراءة أخلا ...
- المقالة التاسعة: القدس والأقصى — الصراع على الرمز والفضاء ال ...
- المقالة الثامنة: تفكيك مزاعم “الشعب اليهودي” — قراءة في الجي ...
- المقالة السابعة: الاستيطان كعقيدة — من الوعد الديني إلى بنية ...
- المقالة السادسة: التمييز المؤسسي داخل إسرائيل — دولة لليهود ...
- المقالة الخامسة: طمس الهوية الفلسطينية — من مقولة “أرض بلا ش ...
- المقالة الرابعة – التوراة كسند ملكية: قراءة نقدية في توظيف ا ...
- المقالة الثالثة: من اليهودية إلى الصهيونية — كيف تحوّل الدين ...
- المقالة الثانية: بنو إسرائيل في القرآن — بين الاصطفاء والمشر ...
- المقالة الأولى: بين الوحي والواقع… لماذا هذه السلسلة؟ قراءة ...
- المقال السادس: الخاتمة: كيف نتعامل مع ظاهرة المدخلية؟ رؤية م ...
- المقال الخامس: المنهج الوسط: البديل الشرعي في التعامل مع الو ...
- المقال الرابع: نقد فكر المدخلية من منظور شرعي وواقعي
- المقال الثالث: تأثير المدخلية على النسيج الاجتماعي والحراك ا ...
- المقال الثاني: الأسس العقدية والفقهية للمدخلية: قراءة نقدية
- المقال الأول: المدخلية: التعريف والنشأة وملامح الفكر
- كرة القدم أو: حين يُستبدل المعنى بالهتاف قراءة فلسفية في زيف ...
- المقال الثامن :الاستنتاج البنيوي: تفكيك الأسطورة الصهيونية و ...
- المقال السابع : الكيان الصهيوني كأداة مركزية في الغرب: قراءة ...


المزيد.....




- بين فيلمين و20 عامًا من الموضة.. كيف تحولت إطلالات آن هاثاوا ...
- سعد لمجرد يعلن عودته إلى منزله بعد حكم قضائي بسجنه في فرنسا ...
- شاهد.. دبّان أسودان نادران يستمتعان بالاستحمام معًا داخل حدي ...
- مقتل قيادي في -داعش- بعملية أمريكية ? نيجيرية.. ماذا قال ترا ...
- شهد توقفًا لدقائق.. أنغام تحيي حفلا جماهيريًا بالقاهرة
- طفل غزة المتنازع على أبوّته ينتظر الحقيقة المؤجلة
- الإمارات ترد على إيران: لا نحتاج حماية من أحد ولدينا القدرة ...
- تحالف الدعم السريع -تأسيس- يطلب حواراً مع واشنطن
- برشلونة يعلن رسمياً رحيل مهاجمه ليفاندوفسكي
- أرسطو.. تلميذ أفلاطون و-المعلم الأول- للمنطق


المزيد.....

- الحضارة والثقافة العربية: قراءة في القرن الحادي والعشرين / فؤاد عايش
- أخلاق الرسول كما ذكرها القرآن الكريم بالانجليزية / محمود الفرعوني
- قواعد الأمة ووسائل الهمة / أحمد حيدر
- علم العلم- الفصل الرابع نظرية المعرفة / منذر خدام
- قصة الإنسان العراقي.. محاولة لفهم الشخصية العراقية في ضوء مف ... / محمد اسماعيل السراي
- الثقافة العربية الصفراء / د. خالد زغريت
- الأنساق الثقافية للأسطورة في القصة النسوية / د. خالد زغريت
- الثقافة العربية الصفراء / د. خالد زغريت
- الفاكهة الرجيمة في شعر أدونيس / د. خالد زغريت
- المفاعلة الجزمية لتحرير العقل العربي المعاق / اسم المبادرتين ... / أمين أحمد ثابت


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - قضايا ثقافية - يحي عباسي بن أحمد - المقال الثاني: من القابلية للاستعمار إلى تحرير العقل