علي سيف الرعيني
كاتب
(Ali Saaif Alraaini)
الحوار المتمدن-العدد: 8684 - 2026 / 4 / 21 - 09:51
المحور:
قضايا ثقافية
بعض العطاءات ليست إلا رسائل عادة تمرّ في حياتنا كنسمة خفيفة، لا تُثقل القلب إذا رحلت، ولا تترك خلفها فراغًا يُؤلم بقدر ما تترك أثرًا يُنضج. هي تلك اللحظات التي نعتقد في حينها أنها بداية امتداد طويل، لكنها في الحقيقة كانت ومضة كافية لتضيء لنا طريقًا لم نكن نراه
نميل بطبيعتنا إلى ربط العطاء بالبقاء، ونحسب أن ما يُعطى لنا يجب أن يستمر، وأن كل حضور كريم ينبغي أن يتحوّل إلى إقامة دائمة. لكن الحياة تُعيد ترتيب هذه الفكرة بهدوء؛ فبعض ما يُمنح لنا لم يُخلق ليبقى، بل ليُعلّم. كأن الحكمة لا تأتي دائمًا في هيئة أحداث عظيمة، بل في أشخاص مرّوا سريعًا، أو مواقف لم تدم، لكنها تركت فينا ما يكفي لنفهم أنفسنا والعالم بشكل أعمق
هناك عطاءات تُشبه الرسائل المختصرة: كلمات طيبة في وقت قاسٍ، دعم غير متوقع في لحظة انكسار، أو حضور دافئ في مرحلة باردة من العمر. لا تدوم هذه الأشياء، لكنها تُحدث تحوّلًا داخليًا لا يُمحى. نكتشف بعدها أننا لم نخسر شيئًا عندما انتهت، بل اكتسبنا زاوية جديدة للنظر، أو قوة لم نكن ندرك أننا نملكها
والأجمل أن هذه العطاءات لا تُطالبنا بردّ، ولا تُحمّلنا عبء التعلّق بها. إنها تأتي لتقول: خذ ما تحتاجه الآن، واترك الباقي للزمن وهنا تكمن الحكمة؛ أن ندرك أن القيمة ليست في طول البقاء، بل في عمق الأثر. فكم من حضور طويل كان فارغًا، وكم من مرور عابر كان ممتلئًا بما يكفي ليُغيّر مسار حياة كاملة
حين نتعلم قراءة هذه الرسائل كما ينبغي، يتغيّر شعورنا تجاه الفقد. لا نعدّه خسارة بقدر ما نراه اكتمالًا لدورٍ ما. وكأن الحياة تُرسل لنا ما نحتاجه في توقيته الدقيق، ثم تسحبه حين تنتهي مهمته، لا قسوةً، بل اتساقًا مع قانون أعمق من رغباتنا.
لذلك، ليس كل ما يغادرنا يستحق الحزن، وليس كل ما ينتهي يُعدّ انطفاءً. بعض النهايات ليست إلا اكتمال المعنى. وبعض العطاءات لم تأتِ لتُقيم، بل لتهمس فينا بحقيقة صغيرة… ثم تمضي، تاركةً وراءها حكمة أكبر من بقائها !!
#علي_سيف_الرعيني (هاشتاغ)
Ali_Saaif_Alraaini#
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟