أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع - عباس النوري - الجهل ذو البعد الثلاثي














المزيد.....

الجهل ذو البعد الثلاثي


عباس النوري

الحوار المتمدن-العدد: 8683 - 2026 / 4 / 20 - 10:36
المحور: الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع
    


حين لا يكون الجهل نقصًا… بل نمطًا مُدارًا
لم يعد الجهل في زمننا مجرد فراغ معرفي يمكن ملؤه بالمعلومة، ولا حالة طبيعية يمكن تفسيرها بندرة المصادر أو صعوبة الوصول إليها، بل إن ما يتكشف—خصوصًا من خلال النقاشات المفتوحة التي تتكرر يوميًا—يوحي بأننا أمام تحوّل أعمق، حيث لم يعد الجهل نتيجة فقط، بل أصبح في بعض صوره موقفًا، وفي حالات أخرى ممارسة تُدار.
فالإنسان اليوم لا يعيش نقصًا في المعلومات بقدر ما يعيش وفرة غير مسبوقة، ومع ذلك—كما يبدو لي على الأقل—لا يقود هذا التدفق دائمًا إلى وضوح أكبر، بل قد ينتج عنه نوع من الانتقاء، حيث يميل الفرد إلى ما ينسجم مع ما يعتقده مسبقًا، ويتجنب ما قد يربك هذا الانسجام، وهنا لا يكون الجهل غيابًا بقدر ما يكون إعادة ترتيب لما يُقبل وما يُرفض.
وقد حصل معي أكثر من مرة أن يبدأ النقاش بسؤال بسيط، ثم لا يلبث أن يتحول إلى حالة من الدفاع، وكأن الفكرة لم تعد موضوعًا للنقاش، بل امتدادًا لصاحبها، وهنا يتداخل الرأي مع الهوية، ويصبح التراجع أصعب من الخطأ نفسه.
ومن خلال هذه الملاحظات، يظهر نمط لا يمكن تفسيره فقط بسوء الفهم، ولا بالخطأ العابر، بل يتجاوز ذلك إلى حالة يُعاد فيها إنتاج الفكرة—حتى وإن كانت ضعيفة—والدفاع عنها، ليس لأنها صائبة بالضرورة، بل لأنها أصبحت جزءًا من تمثّل صاحبها لذاته.
ولعل ما سأطرحه هنا ليس تعريفًا نهائيًا، بل محاولة أولى للتقريب:
الجهل ذو البعد الثلاثي
ليس بوصفه حكمًا، بل أداة للفهم.
ويمكن تفكيكه—بصورة أولية—إلى ثلاثة أبعاد متداخلة:
البعد المعرفي:
حيث يكون الخلل في المعلومة نفسها، إما نقصًا أو تشويهًا أو انتقاءً جزئيًا لها.
البعد الإدراكي:
حيث لا يدرك الإنسان حدود معرفته، أو يخلط بين ما يعتقده وما هو قابل للتحقق، فيتعامل مع الرأي بوصفه حقيقة.
البعد السلوكي:
وهو الأبعد أثرًا، حيث لا يتوقف الأمر عند الخطأ، بل يتجلى في الإصرار على إعادة إنتاجه والدفاع عنه، حتى يتحول إلى موقف يُدار ويُقدَّم.
وهنا لا يعود الجهل حالة يمكن تصحيحها بسهولة، بل يتحول إلى نمط، يجد ما يغذّيه من بيئة تسمح له بالاستمرار، ومن لغة تمنحه حضورًا، ومن تكرار يحوله إلى ما يشبه “المألوف”.
ولعل ما يزيد المسألة تعقيدًا—كما أشار بعض الأساتذة في نقاشاتهم القيّمة—أن المشكلة لا تقف عند حدود المعرفة، بل تمتد إلى طريقة التفكير نفسها، فالعقل الذي يرفض مراجعة أدواته، أو يكتفي بما ينسجم مع قناعاته، قد لا تغيره وفرة المعلومات، بل قد تمنحه فقط مواد إضافية لتأكيد ما يعتقده.
ومن هنا، يتحول الحوار—في كثير من الأحيان—من مساحة للفهم إلى ساحة لإثبات المواقف، ومن جسر للتبادل إلى منصة للاستعراض، حيث لا يكون الهدف الوصول، بل الغلبة.
وقد يظهر ذلك في مواقف بسيطة تتكرر يوميًا:
نقاش يبدأ بسؤال، ثم يتحول إلى جدل، ثم ينتهي بانتصار طرف في نظر نفسه، دون أن يتغير شيء في فهمه أو فهم الآخر.
وهنا يبرز السؤال:
هل المشكلة في نقص المعرفة؟
أم في "المسطرة" التي نقيس بها هذه المعرفة؟
لأن تصحيح المعلومة قد لا يكون كافيًا،
إذا لم تُراجع الطريقة التي يتم بها استقبالها.
ولا أخفي أنني وجدت نفسي—في بعض الأحيان—أقع في شيء من هذا، قبل أن أتنبه له، وهو ما يجعل المسألة أقرب إلى مراجعة ذاتية، لا مجرد توصيف للآخرين.
ومن هنا، فإن مواجهة هذا النمط لا تكون فقط بإضافة معلومات،
بل بإعادة النظر في:
كيفية التفكير
وطبيعة الحوار
والاستعداد لمراجعة الذات
لأن أخطر ما في الجهل،
ليس أن لا نعلم،
بل أن نستخدم ما لا نعلم… كأنه معرفة.
ولا يسعني هنا إلا أن أتقدم بالشكر والتقدير للأساتذة الذين أثروا هذا الطرح بمداخلاتهم العميقة، والتي أسهمت في توسيع زاوية النظر، ورفعت من مستوى النقاش، وجعلت الفكرة أقرب إلى التفكيك منها إلى الوصف.
هذا الطرح يأتي ضمن مشروع فكري أعمل عليه،
في كتاب بعنوان:
"الهندسة الخفية للوعي"
(قيد الطباعة والنشر)
محاولة لا تدّعي الكمال،
بل تسعى إلى فتح الأسئلة… قبل تقديم الإجابات.
بقلم عباس النوري



#عباس_النوري (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- الفرق بين الوهم والحقيقه
- الانتخابات القادمة صادمة
- تطور العراق بعد 2003 والتحديات
- العراق بين الضغوط الاقتصادية والسيادية: تحليل بحثي مع بيانات ...
- العراق بين تعاقب الحكومات الفاسدة
- الديمقراطية العراقية - نظام فريد
- الأحزاب العراقية حكم أموي وعباسي وإنتهازي - البيت السني
- الأحزاب العراقية حكم أموي وعباسي وإنتهازي الثالوث المشئوم - ...
- الثالوث المشئوم - المقال الثالث
- الثالوث المشئوم - المقالة الثانية
- الثالوث المشؤوم
- الازمة القادمة
- ثورة شعبية واعية...! نريد وطن !
- هل الصراع شيعي شيعي؟
- اللات والعزى وهبل...!
- الحرب القادمة....شاملة
- اسرار القوى المسيطرة على العالم
- النظام الدولي الجديد...هل تحقق؟
- ما هو سر انتشار الأحزاب والآثار السلبية والايجابية
- من أسباب الإرهاب


المزيد.....




- انقض على مسلح ونزع سلاحه.. مدير مدرسة ثانوية يُتوج بلقّب -مل ...
- -حادثة مروعة-.. مسلح يقتل 8 أطفال بينهم 7 من أبنائه بالرصاص ...
- بلدة بأكملها تُدفن عمدًا تحت أطنان من الخرسانة في إيطاليا..م ...
- ماذا سيحدث للسفينة الإيرانية التي سيطر عليها الجيش الأمريكي ...
- أوباما وممداني يغنيان مع الأطفال في أول لقاء بنيويورك
- طائرات ورقية تملأ السماء مع انطلاق الدورة الـ39 من المهرجان ...
- حريق ضخم في ماليزيا يلتهم مئات المنازل ويشرّد آلاف السكان
- لبنان: الجيش الإسرائيلي يقر بانتماء شخص ظهر بصورة وهو يضرب ر ...
- هل من إعلان إيراني رسمي بشأن المشاركة في الجولة الثانية من ا ...
- قتيل في هجوم ضخم بطائرات مسيّرة أوكرانية على مدينة ساحلية في ...


المزيد.....

- جدوى الفلسفة، لماذا نمارس الفلسفة؟ / إحسان طالب
- ناموس المعالي ومعيار تهافت الغزالي / علاء سامي
- كتاب العرائس / المولى ابي سعيد حبيب الله
- تراجيديا العقل / عمار التميمي
- وحدة الوجود بين الفلسفة والتصوف / عائد ماجد
- أسباب ودوافع السلوك الإجرامي لدى النزلاء في دائرة الإصلاح ال ... / محمد اسماعيل السراي و باسم جبار
- العقل العربي بين النهضة والردة قراءة ابستمولوجية في مأزق الو ... / حسام الدين فياض
- قصة الإنسان العراقي.. محاولة لفهم الشخصية العراقية في ضوء مف ... / محمد اسماعيل السراي
- تقديم وتلخيص كتاب " نقد العقل الجدلي" تأليف المفكر الماركسي ... / غازي الصوراني
- من تاريخ الفلسفة العربية - الإسلامية / غازي الصوراني


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع - عباس النوري - الجهل ذو البعد الثلاثي