أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - بيان بدل - ما تبقّى من الغياب














المزيد.....

ما تبقّى من الغياب


بيان بدل

الحوار المتمدن-العدد: 8679 - 2026 / 4 / 16 - 18:19
المحور: الادب والفن
    


ربيعٌ ممزوجٌ بحبات المطر البارد ينعش هذا اليوم الربيعي. وككل عام، يتنازع هذا الفصل بين برد الشتاء الذي يوشك على الانقضاء، ونسيم الصيف الذي يتسلل بوعد الدفء، وفي النهاية يميل الميزان لصالح الصيف.

كان جسدها يرفض مغادرة السرير هذا الصباح، ولِمَ لا؟ إنه يوم راحتها من العمل. يومٌ مخصص للقراءة وفنجان القهوة الذي تحتسيه في هدوءٍ كامل، بين صمت الغرفة ودفء البطانية.

أعدّت فنجان قهوتها، ثم اتجهت إلى مكتبتها، والتقطت كتابًا عشوائيًا دون تفكير؛ فكل ما فيها اختياراتها التي انتقتها بعناية. وقعت يدها على رواية النبطي للكاتب يوسف زيدان. ابتسمت في داخلها وقالت: «لا بأس، سأعيد قراءتها».

بين طيّات الكتاب كانت تختبئ مجموعة من الصور القديمة. جلست على أرضية الغرفة، وبدأت تتأملها واحدةً تلو الأخرى. توقفت يدها عند صورة لشاب في مقتبل العمر، بنظرة حادة يكسوها الحزن، وعيونٍ زرقاء كبحرٍ لم تلامس عذوبته قدماه. كانت ملامحه هادئة، وشعره مسرّحًا إلى الخلف، وعلى شفتيه ابتسامة بريئة؛ تلك الابتسامة التي ما زالت تحفظها، منذ أن كان طفلًا يشاكسها، ومنذ أن كان حلمًا يملأ البيت ضحكًا وحياة.

همست في داخلها:
«إنه أنت… أخي الصغير. أين أنت الآن؟ لماذا غبت عنا؟»

كأن الصورة نطقت، لا بصوتٍ مسموع، بل بإحساسٍ انساب فجأة في أعماقها. لم تعد ترى وجهًا جامدًا، بل سمعت ضحكة قديمة، وشعرت بدفءٍ ينهض من الماضي. ارتجف قلبها، وعاد كل شيء للحظة، كأن الغياب لم يحدث قط.

قال:
«هل تعلمين… بعد غياب أمي، لم يعد هناك هواء أتنفسه؟ هل تعلمين أن ورود الحديقة صارت رمادًا بعدها؟ هل تعلمين أنني كنت أبيت قرب قبرها كل ليلة؟»

قاطعته بصوتٍ مرتجف: «أفهم… لكن…»

قال بحسمٍ حاد: «لا يوجد “لكن”.»

تسارعت أنفاسه، واشتدّ حضور كلماته في صدرها.

وأضاف:
«ماذا كنتُ سأتنفّس بعد رحيلها؟ كان حضنها هو ملاذي الوحيد… ودفئي الوحيد.»

ثم خفت الصوت وتلاشى، كأن شيئًا لم يكن.

نادت باسمه بصوتٍ يختلط بالنحيب، لكن لم يردّ أحد.

قبلت صورته، وأعادتها برفق بين صفحات الكتاب، وكأنها تعيد دفن لحظة كاملة من الحياة داخل الكلمات. ثم أغلقت الكتاب، ودفنت ما بقي منها في أعماق قلبها.


نهضت بثقل السنوات لا بثقل الجسد، كأنها لا تخرج من الأرض بل من عمرٍ كاملٍ انحنى داخلها. وضعت يدها على الطاولة للحظة، كأنها تستأذنها على النهوض، ثم اعتدلت ببطء. كان في حركتها شيء من الوقار، وشيء من الانكسار الذي لا يُرى لكنه يُحسّ.

لم تكن الغرفة واسعة، لكنها بدت لها أضيق من قدرتها على الاحتمال. عادت الذكريات تتكاثف، وكل ذكرى كانت أثقل من أن تُحمل دفعةً واحدة.

جلست من جديد.

لاذت بالصمت؛ صمتٌ يشبه ثلج منتصف الليل، سكونٌ لا يهدّئ بل يبتلع الأصوات دون أن يترك لها أثرًا.

وفي ذلك الصمت، كان الحنين يتسلل ببطء، كظلٍ يعرف الطريق جيدًا، ثم يشتد فجأة كأنه يفتح في القلب أبوابًا لا تُغلق، ويقتلع شيئًا من أعماقها بلا صوت.

رفعت يدها إلى صدرها، لا لتوقف الألم، بل لتتأكد أن شيئًا ما يزال ينبض… كأنها تخشى أن يكون الحزن قد أطفأ كل ما فيها.

وعندها…

نهضت ببطء، واقتربت، كأنها تخطو نحو زمنٍ آخر.

همست: «أكنتَ هنا طوال الوقت؟»

لم يجب أحد.

لكن الصمت لم يعد كما كان؛ لم يعد ثقيلًا تمامًا، ولا فارغًا تمامًا.

بقي الحنين، وبقي الألم الذي ينهش القلب، لكن شيئًا صغيرًا تغيّر…

كأن الوحدة، للمرة الأولى منذ زمنٍ طويل، لم تعد كاملة



#بيان_بدل (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- في الذكرى الحادية عشر للإبادة… صوت الإيزيديين لا يزال يصرخ ف ...
- مَشهد من مشاهد الطفولة
- الوطن حيث الحب والحرية
- جرائم بحق الطفولة في دول اوربا
- (رحلتي) سيرة ذاتية
- زواج القاصرات في عاصفة رملية
- الحدّ
- تسرب الروح عَبر الأبواب الموصدة
- الرحيل إلى المجهول
- هديل الوقت
- الشريط الأبيض
- عودة الروح
- ملاكُ الليل
- حفلة إعدام حلم
- صرخة مؤدة ذاقت الموت بأوجه عدة
- إلى متى يمارس العنف الجسدي ضد الطفل في مجتمعاتنا ؟
- عندما تحض الامثال الشعبية على الحط من قيمة المرأة كأنسانة
- حلم الطفولة الضائع...
- كلمات متساقطة
- مشاهد من الذاكرة ( الحنين إلى الأمّ)


المزيد.....




- الاحتلال يفرض سيادة بصرية.. 300 علم ورمز ديني تعيد تشكيل هوي ...
- أموت فارسا ولا أعيش -بندقية-.. كيف أنهى البارود دولة الممالي ...
- تحت ظل الشيخوخة
- قراءة مبسطة لديوان(النُوتِيلَا الْحمرَاء)للكاتب أسامة فرج:بق ...
- هل توقف قلبه؟ ومتى؟.. توضيح حول الحالة الصحية للفنان هاني شا ...
- الضيق في الرؤيا السؤال!
- الأرجنتين: بوينس آيرس تمزج الإيمان بموسيقى التكنو تكريما للب ...
- العائلة الملكية البريطانية تختار مؤرخة لكتابة سيرة الملكة ال ...
- ضمن فعاليات مهرجان زهرة المدائن التاسع عشر... ملتقى المثقفين ...
- قراءة في رواية(غريب ولكن..)للكاتب: أسامة فرج .بقلم: عادل الت ...


المزيد.....

- تمارين أرذل العمر / مروة مروان أبو سمعان
- اترجمة السيرة الذاتية لاجاثا كريستي للعربية / أجاثا كريستي ترجمة محمود الفرعوني
- رحلتي في ذاكرة الأدب / عائد ماجد
- فن الكتابة للعلاقات العامة من التحرير الى صياغة الحملات الال ... / أقبال المؤمن
- الرسائل الاعلامية و الادبية من المعنى الى التأثير / أقبال المؤمن
- إمام العشاق / كمال التاغوتي
- كتابات نقدية ماركسية(العمل الفني في عصر الاستنساخ الآلي) وال ... / عبدالرؤوف بطيخ
- المقدِّماتُ التحقيقيّةُ لشيوخِ المحقِّقين / ياسر جابر الجمَّال
- اعترافات السيد حافظ والأصدقاء ما وراء الكواليس الجزء الأو ... / السيد حافظ
- أحافير شاب يحتضر / المستنير الحازمي


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - بيان بدل - ما تبقّى من الغياب