رابح لونيسي
أكاديمي
(Rabah Lounici)
الحوار المتمدن-العدد: 8672 - 2026 / 4 / 9 - 16:18
المحور:
مواضيع وابحاث سياسية
تعرف منطقتنا منذ أكثر من شهر حربا ضروسا أمتدت على المستوى الإقليمي، بل العالمي، وقد بدأت هذه الحرب بعد عدوان صهيو-أمريكي على إيران، لكن أغلب دول المنطقة إن لم أقل كلها عاجزة حتى على إعتبار ذلك عدوانا إلا لكي لا تغضب ترامب أمريكا الذي تغول، بل حولت هذا العدوان إلى عدوان إيراني على دول الخليج لإرضاء ترامب معتقدة أنها بذلك ستتجنبه، وهي لا تعلم بأنه إن كان ذلك هو هدفها فعلا، وليس عمالة فاضحة، فهي مخطئة، فإنها بذلك قد شجعت ترامب وأمريكا على فرض إرادتها على هذه الدول ودفعها إلى تلبية كل ما يطلبها منها مادام أنها لا تمتلك أي إرادة لرفض ذلك متناسية أن الصراع العالمي هو صراع إرادات وصاحب الإرادة الأقوى المستندة على شعبها هو الذي ينتصر في النهاية مهما كانت التضحيات. فهذه الحرب كشفت عن الكثير من الأمور والأوهام التي كانت تعيشها شعوب المنطقة.
ويأتي على رأسها إفتخار دول المنطقة بطردها الإستعمار وإستعادة سيادتها وإستقلالها الذي هو في الحقيقة مجرد وهم وأكذوبة كبرى، فلم تكشف فقط هذه الحرب بأن أمريكا وإسرائيل وفرنسا وبريطانيا وغيرها يأخذون الثروات كما يشاءون، وأحيانا نقدا كما يفعل ترامب مع دول خليجية إلا لأن ترامب يريد التباهي بذلك، لكن كل رؤساء أمريكا يأخذون الثروات من حكام المنطقة بشكل غير مباشر، وهذا لا ينطبق فقط على دول الخليج كما يعتقد البعض، بل على أغلب دول المنطقة التي يسيطر عليها حكام لا هم لهم إلا البقاء في السلطة، مما يتطلب إعطاء أموال باهظة بشكل مباشر وغير مباشر لمختلف القوى الإستعمارية مقابل مساعدتهم على البقاء في السلطة، وطبعا هذه القوى تعرف ذلك جيدا، فنجدها في بعض الأحيان هي التي تثير لهم المشاكل لأخذ أموال أكثر منهم، كما أن هؤلاء الحكام يفتحون الأسواق ومناطق للاستثمار في هذه البلدان للقوى الإستعمارية حسب طلباتها ورغباتها، وهو ما يعني في الأخير بأنه لم يتغير شيء عما كان يقع في العهد الإستعماري الذي تدعي دول المنطقة انها تخلصت منه، فلم يكن من أهداف الإستعمار الأوروبي في القرن19 إلا الإستيلاء على الثروات وفتح الأسواق لسلعها ومناطق للإستثمار، وأكثر من هذا تبين ان هذه البلدان تحوي مئات القواعد العسكرية وآلاف العساكر الأمريكيين والأوروبيين وغيرهم كما كان في العهد الإستعماري، أما جرائم الإستعمار ضد الإنسان كاسجن والتعذيب فقد تكفل بها هؤلاء الحكام، وما يؤسف له أن هدف هذه القواعد والقوات العسكرية الأجنبية هدفها حماية مصالحها الاقتصادية مثل الطاقة، لكن أيضا حماية إسرائيل وضرب كل دولة في المنطقة تريد أن تتحرر فعلا، وتبني ذاتها وتتقدم، كما تبين ان كل ما بني من مطارات ومنشآت وموانيء ومرافق التموين وغيرها في هذه البلدان مخصصة أيضا لخدمة هذا التواجد العسكري الأجنبي، خاصة إسرائيل وامريكا.
فلنشر مثلا بالنسبة لدول الخليج على سبيل المثال لا الحصر أن هذه العمالة قديمة، فمنذ القرن التاسع عشر وقعت الأسر الحاكمة في دويلات الخليج مع بريطانيا معاهدات لحمايتها مقابل تواجد عسكري بريطاني لحماية طريق مواصلاتها الى الهند بصفتها مستعمرتها الجوهرة، ثم عندما انسحبت بريطانيا في1971 لأنها ليست بحاجة اليها تم تعويضها بالتواجد العسكري الأمريكي. ونشير أيضا ان السعودية التي لم تتعرض لأي احتلال وضعت نفسها في يد أمريكا عام 1944 بعد لقاء روزفلت مع الملك عبد العزيز بن سعود على باخرة كوينسي في البحر المتوسط أين تم توقيع معاهدة تقضي بحماية أمريكا للنظام السعودي، مما يتطلب انتشار عسكري أمريكي فيها مقابل أخذها النفط وتنفيذ السعودية كل ما يطلبه منها أمريكا. كما أبرز لنا هذا العدوان بأن أغلب حكام المنطقة مجرد عملاء لأمريكا وإسرائيل ينفذون مطالبهم خانعين مذلولين، وأن جيوشهم ليس لهم أي مهمة دفاعية سواء ضد إسرائيل او غيره بإستثناء دول مجاورة لها في إطار حروب عادة ما تشعلها هذه القوى الإستعمارية بينها بهدف بيع أسلحتها لهذه الدول، كما تتلخص مهمة هذه الجيوش بشكل أكبر في قمع شعوبها.
ومن أخطر ما كشفه لنا هذا العدوان هو الإستثمارات الضخمة التي قامت بها دول خليجية، وعلى رأسها السعودية بمساعدة إسرائيل وأمريكا لإستحمار شعوب المنطقة وغسل عقولها وأدمغتها بتوظيف الدين-وهو بريء من ذلك طبعا- لإنتاج إرهابيين في الماضي لضرب وزرع الفوضى في أي دولة تريد التقدم أو رفع رأسها في وجه القوى الإستعمارية، وفي بعض الأحيان نجد بعض الأنظمة في المنطقة تشجع ذلك عمدا كي تخيف شعوبها بهؤلاء الإرهابيين أو إكتساب دعم غربي لها في إطار محاربة الإرهاب العالمي.
لكن أنتقلت ظاهرة إنتاج الإرهابيين إلى ظاهرة إنتاج خونة مستعدين لبيع الأوطان تحت غطاءات شتى، فلم نكن نتصور يوما أن نجد أناس من أبناء المنطقة يناصرون إسرائيل التي أرتكبت ولازالت ترتكب جرائم يندى لها جبين الإنسانية منذ دير ياسين في1948 الى اليوم، وتتم هذه الخيانة باسم الدين والصراعات الطائفية، وبالمناسبة فأنا جد متأكد مئة بالمئة بأن هذا الصنف من الناس لو أعتدي على الجزائر مثلا من إسرائيل او غيرها، سيقفون ضد الجزائر ومع المعتدين بدعوى أن الجزائر قبورية لأنها صوفية في نظرهم، فقد سمعنا الكثير من هؤلاء يصفون البطل الأمير عبد القادر بالقبوري للأسف الشديد لأنه صوفي، فأمثال هؤلاء لو عاشوا في القرن19 سيقفون ضد المقاومات الوطنية الجزائرية ضد الإستعمار الفرنسي آنذاك لأنها كانت على يد الطرق الصوفية. أن هذه الأفكار التي يحملها أمثال هؤلاء خطر كبير على المنطقة مستقبلا.، لكن السؤال هو لماذا سكوت أنظمة المنطقة على كل هؤلاء، إن لم يكن يشجعونهم لأهداف مريبة هو الحفاظ على سلطتهم وتخدير الشعوب بإستغلال الدين.
كما أظهرت لنا هذه الحرب بجلاء عن أهداف أمريكا وإسرائيل في المنطقة، فهدف أمريكا هو الإستيلاء على نفط وثروات الجميع بما فيها الجزائر، خاصة المعادن النادرة، وقد بدأت ذلك بفنزويلا ثم إيران، وهذا ليس فقط لخدمة أمريكا نفسها والإغتناء أكثر، بل أيضا لمحاصرة الصين إقتصاديا وإيقاف نموها الذي يمكن أن يجعلها تفوق أمريكا مستقبلا، ويدخل ذلك كله في إطار إلصراع حول الزعامة العالمية، ولا تحتاج أمريكا لنهب ثروات شعوب المنطقة لحرب ضد الخانعين لأنهم سيسلمونها لها من الحكام مقابل الحفاظ على كراسيهم. أما هدف الكيان هو فرض سيطرته على كل المنطقة، وتعمل لتصبح أقوى دولة فيها كلها مع تقسيم المنطقة الي كيانات صغيرة على أسس طائفية وأوهام عرقية تتقاتل فيما بينها بتسليح من إسرائيل. فمشروع إسرائيل هو إقامة إسرائيل الكبرى من النيل إلى الفرات، وستصل حتى الى السعودية، ومنها المدينة المنورة بدعوى ان اليهود طردوا من هناك في عهد سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم. ولهذا فصمود إيران هو الذي يحدد ذلك لأنها لو سقطت، ستواصل أمريكا مشروعها بسهولة، فستستولي على دول المنطقة الواحدة تلو الأخرى بأشكال مختلفة، ولهذا تتلقى إيران دعما قويا من الصين، وكذلك من روسيا لأن سقوط إيران معناه روسيا ستصبح مهددة أيضا على حدودها، هذا في الوقت الذي يقف فيه أغلب حكام المنطقة مع أمريكا وإسرائيل دفاعا عن كراسيهم لا غير، فهم لا تهمهم لا أوطان ولا مصالح شعوبهم ، وأكثر من ذلك يغذي هؤلاء الحكام الانقسامات الطائفية والأوهام العرقية، وينشرون في شعوبهم ثقافة وذهنية الخنوع والإنبطاح، وأكثر من كل هذا حولت دول الخليج آراضيها منطلقا لكل ضرباتها وهجوماتها على إيران وعلى كل دولة مسلمة تريد التقدم والحفاظ على سيادتها واستقلالها او مواجهة إسرائيل دون أن ننسى دور هده الدويلات في نشر ثقافة الخنوع في البلاد الإسلامية وتكوينها خونة داخل هذه البلدان كما سبق ان شرحنا ذلك آنفا.
ان شعوب المنطقة اليوم هي في مواجهة استعمار جديد لا يختلف كثيرا عن استعمار القرن التاسع عشر، فحتى في هذا القرن كانت الدول تصمت كي تنأي بنفسها كلما تم غزو دولة، لكن وصل لها الغزو بعد سنوات رغم ذلك، فأنطبق عليها جميعا المثل القائل "اكلت يوم أكل الثور الابيض"، ولهذا على دول عالم الجنوب جميعا التكتل لمواجهة هذا الخطر الداهم بها.
ان سقوط إيران ستكون له إنعكاسات كارثية على المنطقة والعالم كله ، وقد سبق ان أشرنا إلى هذه الإنعكاسات من قبل، لكن من المحتمل جدا أن تكون لهذه الحرب إنعاكاسات كارثية على أمريكا نفسها، فهذه الحرب وغلق إيران لمضيق هرمز يذكرنا بالعدوان الثلاثي على مصر في 1956 بعد تأميم عبدالناصر لقناة السويس، فكما أنتهى النفوذ البريطاني في الشرق الأوسط بسبب ذلك العدوان وفرض مصر سيادتها على القناة رغم كل محاولات التذرع آنذاك بأن عبدالناصر يناقض القانون الدولي الذي يضمن حرية الملاحة البحرية، فإنه من الممكن ان يكون للصمود الإيراني فضح أمريكا أمام العالم بأنها ليست بتلك القوة التي تدعيها، مما سيؤدي إلى إمكانية تراجع نفوذها مثل بريطانيا التي أصبحت قوة متوسطة بعد عدوانها على مصر في 1956، فكما صعدت أمريكا والإتحاد السوفياتي في الشرق الأوسط آنذاك، فبالإمكان صعود قوى جديدة وهي الصين الشعبية بسبب هذه الحرب، خاصة بعد ما تبين أن أمريكا عاجزة عن الدفاع عن دول الخليج أمام الضربات الإيرانية، ومن المحتمل جدا ان تتحكم إيران في مضيق هرمز نهائيا كما تحكمت مصر في قناة السويس، فنجد نفس إدعاءات إختراق للقانون الدولي عند تأميم قناة السويس1956 هو المستخدم اليوم حول مضيق هرمز، وهو ما سيشجع دولا تمتلك مضايق للقيام بنفس ما قامت به إيران وضخ الأموال منها.
ونعتقد ان أخطر إنعكاس لهذه الحرب هو إنبهار البعض بقوة إيران وإنتاج أسلحتها والكثير من سلعها، بل تحكمها في التكنولوجيا رغم الحصار الاقتصادي ضدها، مما سيدفع الكثير من شعوب المنطقة إلى طرح عدة تساؤلات، ومنها لماذا تمكنت إيران من ذلك، وفشلت دول أخرى لها نفس الموارد المالية من الطاقة إن لم يكن أكثر منها، وهو ما يدفع إلى طرح أسئلة حول طريقة التسيير وإنفاق الأموال وإستثمارها ونسب النهب والسلب لها سواء من الحكام أو من القوى الإستعمارية الداعمة لهؤلاء الحكام.
#رابح_لونيسي (هاشتاغ)
Rabah_Lounici#
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟