أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - القضية الفلسطينية - البشير عبيد - الأسرى الفلسطينيون : حين تتحوًل الزنازين إلى المعركة الأخيرة














المزيد.....

الأسرى الفلسطينيون : حين تتحوًل الزنازين إلى المعركة الأخيرة


البشير عبيد

الحوار المتمدن-العدد: 8665 - 2026 / 4 / 2 - 19:26
المحور: القضية الفلسطينية
    




لا يمكن التعامل مع القرار القاضي بإمكانية إعدام الأسرى الفلسطينيين بوصفه تفصيلًا قانونيًا معزولًا أو خطوة تقنية داخل بنية الصراع، بل باعتباره علامة فارقة على مستوى التحوّل في طبيعة التفكير السياسي والأمني لدى منظومة الاحتلال، من إدارة الصراع إلى إعادة إنتاجه في أكثر أشكاله تطرفًا واندفاعًا نحو العنف العاري. فالمسألة هنا لا تتعلق فقط بمصير مئات أو آلاف الأسرى داخل السجون، بل تتصل بجوهر العلاقة بين القوة والمعنى، بين السلطة والجسد، بين الرواية التي تريد فرض نفسها بالقهر والرواية التي تُقاوم حتى داخل الجدران المغلقة. الحركة الأسيرة الفلسطينية، منذ نشأتها، لم تكن هامشًا في المشهد الوطني، بل كانت في قلبه تمامًا، باعتبارها إحدى أكثر التجارب كثافة في تحويل السجن إلى مختبر للهوية الوطنية وإعادة إنتاج الوعي الجمعي. داخل الزنازين، لم يكن الأسير مجرد رقم في سجل الاعتقال، بل كان ذاتًا تُعاد صياغتها في مواجهة محاولة مستمرة لتجريده من اسمه وتاريخه وامتداده الاجتماعي والسياسي. ومن هنا، فإن استهداف هذه الفئة تحديدًا عبر تشريعات أو سياسات تسمح بالإعدام لا يعكس فقط تصعيدًا في أدوات القمع، بل يكشف إدراكًا عميقًا لدى بنية الاحتلال بأن هذه الفئة تمثل الخزان الرمزي الأكثر خطورة، لأنها لا تقاتل بالسلاح فقط، بل بالمعنى، وبالقدرة على تحويل الألم إلى خطاب، والزمن المعلّق إلى ذاكرة مقاومة لا تنطفئ. إن ما يجري، في جوهره، هو محاولة لإعادة تعريف الأسير من كونه حامل قضية إلى كونه جسدًا فائضًا عن الحاجة يمكن التخلص منه، وهي النقطة التي ينكشف عندها الحدّ الأقصى لانحدار المنظومة من خطاب القانون إلى منطق الإبادة.
في هذا السياق، يتخذ القرار بعدًا يتجاوز الإطار القانوني أو الإجرائي ليصبح جزءًا من تحوّل بنيوي في علاقة القوة بالإنسان، حيث تتراجع الحدود الفاصلة بين الردع والإلغاء، وبين العقوبة والتصفية، وبين السياسة كإدارة للتناقضات والسياسة كإنتاج مباشر للموت. فحين يتحول الأسير إلى هدف محتمل للإعدام، فإن ذلك يعني عمليًا انهيار كل الادعاءات المرتبطة بوجود منظومة قانونية أو أخلاقية ضابطة، لصالح منطق القوة المطلقة الذي لا يعترف بأي سقف خارج ذاته. غير أن هذا الانحدار في العنف لا يمكن فهمه خارج سياق الفشل المتراكم في إخضاع مجتمع بأكمله رغم عقود من الحصار والاعتقال والتدمير الممنهج. فالحركة الأسيرة الفلسطينية لم تُهزم داخل السجن، بل أعادت تشكيل السجن نفسه كفضاء مقاوم، عبر بناء أنماط من التنظيم الداخلي، وإنتاج ثقافة تضامن، وصياغة وعي جمعي جعل من الزنزانة مساحة لإعادة التفكير في معنى الحرية لا فقدانها. الإضرابات الطويلة عن الطعام، المواجهات اليومية مع شروط العزل، محاولات فرض الانضباط الجماعي داخل ظروف قهرية، كلها لم تكن مجرد تفاصيل إنسانية، بل كانت تعبيرًا عن قدرة غير متوقعة على تحويل أقصى درجات السيطرة إلى مساحة لإنتاج المعنى المضاد. ومن هنا، فإن استهداف هذه التجربة عبر منطق الإعدام لا يعكس قوة مفرطة بقدر ما يعكس قلقًا عميقًا من بقاء هذه البؤرة حيّة داخل منظومة يفترض أنها تسعى إلى الإخضاع الكامل. إن الزنزانة، في هذا السياق، لم تعد مكانًا للعقاب فقط، بل أصبحت ساحة رمزية تتقاطع فيها أسئلة القانون والأخلاق والذاكرة والهوية، وهو ما يجعلها أكثر خطورة من أي مواجهة عسكرية تقليدية، لأنها لا تشتبك مع الجسد فقط، بل مع الرواية التي يمنحها هذا الجسد لمعناه.
ومع اتساع هذا المشهد، يتكشف أيضًا وجه آخر لا يقل أهمية، يتمثل في طبيعة الخطاب الدولي الذي يُفترض أنه قائم على حماية حقوق الإنسان، لكنه في الواقع يبدو عاجزًا عن تجاوز حدود الانتقائية التي تحكمه منذ عقود. فالقضية لم تعد مرتبطة فقط بقرار أو إجراء بعينه، بل بمصداقية منظومة كاملة تُختبر في كل مرة يُطرح فيها سؤال العدالة خارج موازين القوة. إن الصمت، أو الاكتفاء ببيانات التنديد الباهتة، أو تحويل الانتهاكات إلى موضوع قابل للإدارة السياسية، كلها مؤشرات على أزمة أعمق تتعلق بقدرة هذا الخطاب على التماسك أمام حالات الانكشاف القصوى. وفي المقابل، تواصل الحركة الأسيرة الفلسطينية، رغم كل هذا الثقل، إنتاج معناها الخاص بعيدًا عن اعتبارات الاعتراف الخارجي، باعتبارها جزءًا من تجربة تاريخية طويلة لا تُقاس فقط بعدد الأسرى أو سنوات الاعتقال، بل بقدرة هذه التجربة على إعادة تعريف العلاقة بين الإنسان والقيد، بين الزمن والانتظار، بين الألم والمعنى. فالسجن، في هذا السياق، لا يُختزل في كونه مكانًا للإقصاء، بل يتحول إلى مرآة مكثفة لصراع أوسع من حدود الجدران، صراع على من يملك حق تعريف الحقيقة ذاتها. ولذلك، فإن أي محاولة لتحويل هذا الفضاء إلى فضاء للإعدام لا تؤدي فقط إلى تعميق المأساة، بل تفتح أيضًا سؤالًا أكثر جذرية: هل يمكن لمنظومة تعتمد على نفي الآخر أن تنتج في النهاية سوى المزيد من انكشاف هشاشتها أمام التاريخ؟ وفي هذا السؤال تحديدًا، تتحدد ملامح المعركة التي لا تزال مفتوحة، حيث لا تنتهي الحكاية عند حدود الزنزانة، بل تبدأ منها من جديد في كل مرة يُراد لها أن تُغلق.

* كاتب صحفي و باحث مهتم بقضايا التنمية و المواطنة و النزاعات الإقليمية و الدولية و آخر تطورات الصراع العربي - الصهيوني



#البشير_عبيد (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- حين يغني الغياب : احمد قعبور بوصفه ذاكرة لا تطفأ
- نصر الدين العسالي...حين تصبح اللوحة دربا لمقاومة العتمة
- إيران في مواجهة الهيمنة الأمريكية و الكيان الصهيوني : صراع ا ...
- حين يتحوًل المقال إلى مسار تفكير : قراءة في كتاب -بين السطور ...
- حين يصبح الزمن سلاحا : إيران و محور المقاومة في معركة الإستن ...
- لطيفة الدليمي..الكتابة كقدر إنساني في زمن مضطرب
- مدريد تكسر الإصطفاف : تصدًع في جدار التحالف الغربي أم إعادة ...
- العدوان الأمريكي - الصهيوني على إيران : اعادة رسم قواعد المع ...
- مأزق النخب العربية و انسداد الأفق التاريخي
- ما يراه الأعمى للسيد بوفايد : حين تبصر القصيدة ما تعجز عنه ا ...
- رواية - المهطوان- : رحلة وعي بين الحلم و الإنكسار
- في زمن التيه العربي : اسئلة المعنى و الوعي و المصير المشترك
- اليسار العربي : مراجعة موجعة في الوعي و الخيارات
- اليسار العربي في زمن الإنكسار العالمي : ازمة الدور و حدود ال ...
- الفكر و المواطنة : تحديات بناء الدولة في زمن الصراعات الإقلي ...
- الإمبريالية الأمريكية المتوحًشة : من اغتيال سلفادور الليندي ...
- تراكم الوعي و الإرادة في بناء الوطن العربي الجريح
- ما بعد الصًراخ : رحلة الوعي و الإرادة في بناء الأوطان
- الدولة التونسية و تغوًل رأس المال : حين تختبر الديمقراطية اج ...
- سوريا بين الفراغ و الهشاشة : سلطة انتقالية بلا مشروع تحرري


المزيد.....




- إقالة في قلب المعركة.. البنتاغون يكسر المحظور ويطيح بقائد ال ...
- من ضرب المواقع العسكرية إلى قصف الجسور.. الحرب على إيران تدخ ...
- رئيس البرلمان الإيراني للأمريكيين: نحن في انتظاركم
- -إطاحة- رئيس أركان الجيش الأميركي.. كيف ترتبط بحرب إيران؟
- دوجاريك يؤكد ضرورة إيجاد مخرج من حرب إيران
- الجيش الأميركي ينفي إسقاط مقاتلة فوق مضيق هرمز
- بحضور أكثر من 40 دولة.. بريطانيا تبحث مع حلفاء دوليين سبل إع ...
- ترامب يقيل وزيرة العدل بام بوندي ويعين محاميه الشخصي السابق ...
- الحرب على إيران مباشر.. واشنطن تلوح باستهداف مزيد من الجسور ...
- وزير خارجية البحرين: قرار بشأن مضيق هرمز لحماية الملاحة


المزيد.....

- المحطات التاريخية لمشاريع التوطين و التهجير التصفوية لقضيتنا ... / غازي الصوراني
- إبادة التعليم: الحرب على التعليم من غزة إلى الغرب / محمود الصباغ
- بين العلمانية في الثقافة السياسية الفلسطينية والتيارات السلف ... / غازي الصوراني
- قراءة في وثائق وقف الحرب في قطاع غزة / معتصم حمادة
- مقتطفات من تاريخ نضال الشعب الفلسطيني / غازي الصوراني
- الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين والموقف الصريح من الحق التاريخي ... / غازي الصوراني
- بصدد دولة إسرائيل الكبرى / سعيد مضيه
- إسرائيل الكبرى أسطورة توراتية -2 / سعيد مضيه
- إسرائيل الكبرى من جملة الأساطير المتعلقة بإسرائيل / سعيد مضيه
- البحث مستمرفي خضم الصراع في ميدان البحوث الأثرية الفلسطينية / سعيد مضيه


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - القضية الفلسطينية - البشير عبيد - الأسرى الفلسطينيون : حين تتحوًل الزنازين إلى المعركة الأخيرة