أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - البشير عبيد - مدريد تكسر الإصطفاف : تصدًع في جدار التحالف الغربي أم إعادة تموضع سيادي ؟















المزيد.....

مدريد تكسر الإصطفاف : تصدًع في جدار التحالف الغربي أم إعادة تموضع سيادي ؟


البشير عبيد

الحوار المتمدن-العدد: 8638 - 2026 / 3 / 6 - 00:14
المحور: مواضيع وابحاث سياسية
    


مدريد تكسر الاصطفاف: تصدّع في جدار التحالف الغربي أم إعادة تموضع سيادي؟

* البشير عبيد / تونس

لم يكن القرار الإسباني بطرد طائرات التزود بالوقود التابعة لسلاح الجو الأمريكي من قاعدة “مورون” الجوية حدثاً إدارياً عابراً، بل بدا كأنه إشارة سياسية مدوّية في لحظة دولية مشحونة. فبينما تتصاعد المواجهة العسكرية بين واشنطن وطهران، وتزداد خرائط الاشتباك تعقيداً في الشرق الأوسط، اختارت مدريد أن ترسم لنفسها مساراً مختلفاً، يضع حدوداً واضحة لدورها داخل التحالف الغربي. هكذا، لم تعد المعركة محصورة في فضاء جغرافي بعيد، بل امتدت ارتداداتها إلى قلب أوروبا، حيث تتقاطع المصالح الأمنية مع حسابات السيادة والشرعية السياسية الداخلية.

قاعدة “مورون” وأهمية الذراع اللوجستية

تقع قاعدة مورون الجوية قرب مدينة إشبيلية جنوب إشبيلية، وتُعد منذ سنوات محطة استراتيجية للقوات الأمريكية في أوروبا. وجود طائرات التزود بالوقود فيها ليس تفصيلاً تقنياً، بل ركيزة أساسية في هندسة العمليات بعيدة المدى. فحروب العصر الحديث لا تُدار فقط بالصواريخ والطائرات المقاتلة، بل بشبكات الإمداد المعقدة التي تسمح للطائرات بالبقاء في الجو لساعات طويلة، وتوسيع نطاق القصف والمراقبة.
عندما تصدر حكومة إسبانيا قراراً بإخلاء هذه الطائرات ومنع عودتها، فإنها عملياً تعرقل جزءاً مهماً من قدرة البنتاجون على إدارة عمليات طويلة النفس في مسارح بعيدة. فالتزود بالوقود جواً ليس رفاهية عسكرية، بل عنصر حاسم في معادلة “الإدامة العملياتية”، خصوصاً في المواجهات التي تتطلب حضوراً جوياً متواصلاً.
القرار، بهذا المعنى، يتجاوز الرمزية. إنه يمس صميم القدرة على المناورة الجوية، ويجبر المخططين العسكريين على البحث عن بدائل لوجستية قد تكون أكثر كلفة وأبعد جغرافياً. وهنا يتحول الموقف الإسباني من مجرد “إعلان سياسي” إلى معطى استراتيجي يعيد ترتيب الحسابات.

سيادة القرار بين الداخل والخارج

تأتي الخطوة في سياق سياسي أوروبي حساس، حيث تتنامى في بعض العواصم نزعة مراجعة دور القارة في الصراعات العابرة للحدود. حكومة بيدرو سانشيز، التي تقود ائتلافاً معقداً داخلياً، تجد نفسها أمام رأي عام متحفظ إزاء الانخراط في مواجهات عسكرية لا تمس الأمن الوطني مباشرة.
القرار الإسباني يمكن قراءته بوصفه إعادة تأكيد على “سيادة القرار”، ورسالة إلى الداخل قبل الخارج بأن مدريد ليست ملزمة بتوفير دعم لوجستي لعمليات قد تجر البلاد إلى تبعات سياسية وأمنية غير محسوبة. فالتاريخ الحديث لأوروبا، منذ حرب العراق، ما زال يلقي بظلاله الثقيلة على وعي الشارع، ويغذي حساسية عالية تجاه الانخراط غير المشروط في مغامرات عسكرية تقودها واشنطن.
لكن السيادة هنا ليست مجرد شعار. إنها ممارسة عملية تُعيد تعريف حدود الالتزام داخل التحالفات. فعضوية إسبانيا في حلف شمال الأطلسي لا تعني تفويضاً مطلقاً باستخدام أراضيها في كل ظرف. ومن ثم، فإن ما حدث هو اختبار حقيقي لمعادلة “التحالف مع الاحتفاظ بحق الاعتراض”.

تصدع في جدار الإجماع الغربي؟

التحالفات الغربية طالما بُنيت على فكرة الانسجام الاستراتيجي في القضايا الكبرى. غير أن المواجهة الراهنة مع إيران تكشف هشاشة هذا الإجماع. فبينما تميل بعض العواصم إلى دعم واشنطن سياسياً وربما عسكرياً، تفضّل أخرى التزام الحذر أو الدفع نحو التهدئة.
خطوة مدريد تطرح سؤالاً أوسع: هل نحن أمام تصدع فعلي في الجبهة الغربية، أم مجرد تباين تكتيكي؟ من منظور واشنطن، أي تراجع في الدعم اللوجستي يُقرأ بوصفه إشارة سلبية، خصوصاً في لحظة تحتاج فيها الإدارة الأمريكية إلى حشد أكبر قدر من التأييد الدولي لتبرير عملياتها.
غير أن المشهد أكثر تعقيداً. أوروبا اليوم ليست كتلة صماء. فداخل الاتحاد الأوروبي تتباين المقاربات إزاء ملفات الأمن والطاقة والعلاقات مع الشرق الأوسط. وبعض الدول ترى أن التصعيد العسكري قد يهدد مصالحها الاقتصادية ويزيد من تدفقات الهجرة أو الاضطرابات الإقليمية التي تنعكس مباشرة على القارة.
بالتالي، فإن القرار الإسباني قد يشجع نقاشاً أوسع حول حدود الانخراط الأوروبي في الصراعات التي تقودها الولايات المتحدة. وهذا النقاش، إن اتسع، قد يفضي إلى إعادة صياغة غير معلنة لقواعد الشراكة عبر الأطلسي.

واشنطن بين البحث عن بدائل وإدارة الرسائل

بالنسبة للإدارة الأمريكية، التحدي مزدوج: عسكري وسياسي. عسكرياً، يمكن للبنتاجون البحث عن قواعد بديلة في جنوب أوروبا أو شرقها، أو تعزيز الاعتماد على حاملات الطائرات في البحار المجاورة. غير أن كل خيار يحمل كلفة زمنية ومالية، ويعقّد التخطيط العملياتي.
سياسياً، تبدو الرسالة الإسبانية أكثر حساسية. فهي تضع واشنطن أمام واقع أن الدعم الغربي ليس مضموناً بلا شروط، وأن إدارة التحالفات تتطلب قدراً أكبر من التشاور والتوافق. وفي ظل انقسام داخلي أمريكي حول جدوى المواجهة مع إيران، فإن أي شرخ خارجي يضيف ضغطاً إضافياً على صانع القرار في البيت الأبيض.
ثم إن الصورة الرمزية لمغادرة الطائرات الأراضي الإسبانية لا يمكن التقليل من أثرها. فهي توحي بأن الحرب، مهما بدت بعيدة جغرافياً، تترك آثاراً مباشرة على بنية التحالفات. وفي عالم السياسة الدولية، للرموز وزن لا يقل عن الوقائع العسكرية.

المواجهة مع إيران في ظل بيئة دولية متحولة

التصعيد ضد إيران لا يجري في فراغ. إنه يحدث في سياق نظام دولي يتجه نحو التعددية، حيث لم تعد واشنطن تتمتع بهامش الحركة ذاته الذي كان متاحاً قبل عقدين. القوى الصاعدة، والتنافس مع موسكو وبكين، وتراجع الثقة في القيادة الأمريكية لدى بعض الحلفاء، كلها عوامل تضغط على هامش المناورة.
في هذا الإطار، قد لا يكون القرار الإسباني سوى مؤشر على تحول أعمق: انتقال بعض الدول الأوروبية من موقع “الداعم التلقائي” إلى موقع “الشريك المشروط”. وهذا التحول، إن ترسخ، سيجبر واشنطن على إعادة حساباتها، ليس فقط في هذه المواجهة، بل في مجمل استراتيجيتها الشرق أوسطية.
كما أن طهران نفسها تراقب هذه التباينات بعين سياسية باردة. فكل إشارة إلى انقسام غربي تُقرأ كفرصة لتوسيع هامش الصمود والمناورة الدبلوماسية. وهنا يتقاطع العسكري بالسياسي: إذ إن قدرة أي طرف على فرض إرادته لا تقاس فقط بقوة سلاحه، بل بصلابة التحالف الذي يقف خلفه.

بين الواقعية السياسية وحدود المغامرة

ما حدث في مورون ليس حدثاً معزولاً، بل تجلٍ لجدل أعمق داخل المعسكر الغربي حول حدود القوة واستخدامها. فالحروب الطويلة في العقدين الماضيين أفرزت إرهاقاً استراتيجياً لدى الرأي العام الأوروبي، وأعادت طرح سؤال الجدوى والكلفة.
مدريد، في قرارها، بدت وكأنها تمارس نوعاً من “الواقعية السياسية”، رافضة الانجرار إلى مسار قد يفتح أبواباً يصعب إغلاقها. غير أن هذه الواقعية تحمل في طياتها مخاطرة: إذ قد تُفسَّر في واشنطن على أنها تقويض للتضامن عبر الأطلسي.
في النهاية، يظل السؤال مفتوحاً: هل نحن أمام لحظة عابرة ستُطوى مع أول تسوية سياسية، أم أمام بداية إعادة تشكل في بنية التحالفات الغربية؟ المؤكد أن قرار إسبانيا أضاف عنصراً جديداً إلى معادلة معقدة، وأثبت أن ساحات المواجهة لم تعد تُرسم فقط على خرائط الشرق الأوسط، بل تمتد خيوطها إلى قواعد عسكرية في جنوب أوروبا، وإلى قاعات القرار في العواصم الغربية.
وهكذا، بينما تتصاعد ألسنة النار في الشرق، تتشكل في الغرب ملامح نقاش صامت حول معنى الشراكة وحدودها. وبين الحسابات العسكرية ومقتضيات السيادة، تتكشف حقيقة أن التحالفات، مهما بدت صلبة، تبقى رهينة توازن دقيق بين المصالح الوطنية والالتزامات الجماعية. وفي هذا التوازن الهش، قد تكون “صفعة مدريد” بداية فصل جديد في قصة العلاقة المعقدة بين أوروبا و واشنطن.

* كاتب صحفي و باحث مهتم بقضايا التنمية و المواطنة و النزاعات الإقليمية و الدولية و آخر تطورات الصراع العربي/ الصهيوني.



#البشير_عبيد (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- العدوان الأمريكي - الصهيوني على إيران : اعادة رسم قواعد المع ...
- مأزق النخب العربية و انسداد الأفق التاريخي
- ما يراه الأعمى للسيد بوفايد : حين تبصر القصيدة ما تعجز عنه ا ...
- رواية - المهطوان- : رحلة وعي بين الحلم و الإنكسار
- في زمن التيه العربي : اسئلة المعنى و الوعي و المصير المشترك
- اليسار العربي : مراجعة موجعة في الوعي و الخيارات
- اليسار العربي في زمن الإنكسار العالمي : ازمة الدور و حدود ال ...
- الفكر و المواطنة : تحديات بناء الدولة في زمن الصراعات الإقلي ...
- الإمبريالية الأمريكية المتوحًشة : من اغتيال سلفادور الليندي ...
- تراكم الوعي و الإرادة في بناء الوطن العربي الجريح
- ما بعد الصًراخ : رحلة الوعي و الإرادة في بناء الأوطان
- الدولة التونسية و تغوًل رأس المال : حين تختبر الديمقراطية اج ...
- سوريا بين الفراغ و الهشاشة : سلطة انتقالية بلا مشروع تحرري
- إنهيار الأسطورة: المشروع الصهيوني بين تفكك الداخل و إستعصاء ...
- صناعة القوًة في الظلً : حين يعيد التاريخ دروسه بين المقاومة ...
- مواطنون لا رعايا : من أجل جمهورية ديمقراطية إختماعية تونسية ...
- محور المقاومة العربية : استراتيجيات الصمود و مسارات التاثير ...
- غزة و التحولات الإقليمية..حدود القوة و إمكانات التغيير
- الأمة العربية بين الوعي و المقاومة : صراع التاريخ و الخيارات ...
- شهادة نعتزً بها و تدفعنا إلى الأمام...


المزيد.....




- كيت ميدلتون -ترقص حافية القدمين- في مهرجان هندوسي ببريطانيا ...
- للاشتباه بتجسسهم لصالح إيران.. شرطة بريطانيا تقبض على 4 أشخا ...
- إسرائيل شنت -غارات واسعة الناطق- على حزب الله في الضاحية الج ...
- غارات إسرائيلية تهزّ ضاحية بيروت الجنوبية.. ومدنيون يفرّون خ ...
- زعماء دينيون يتلون دعاء على ترامب في المكتب البيضاوي
- سباق لإنقاذ ناجين بعد انهيار دار لرعاية المسنين في البرازيل ...
- إسرائيل: حطام صاروخ اعترضته الدفاعات الجوية يشعل حريقًا قرب ...
- ترامب يدعو القوات الإيرانية إلى -إلقاء السلاح-: إرسال قوات ب ...
- ترامب ينهي مهام وزيرة الأمن الداخلي بعد انتقادات لأحداث ميني ...
- قيادة إيران المؤقتة تجتمع وترد على ترمب بشأن اختيار المرشد ا ...


المزيد.....

- أطلانتس / فؤاد أحمد عايش
- أطلانتس / فؤاد أحمد عايش
- حوار مع الشاعر و المفكر السياسي رياض الشرايطي. حاوره بشير ال ... / بشير الحامدي
- السياسة بعد موت الأقنعة: حين تتحول القوة إلى لغة وحيدة. / رياض الشرايطي
- مقاربة تقييمية لليسار التونسي بعد الثورة / هشام نوار
- من مذكرات شيوعي أردني جهاد حمدان بين عامين: 1970-1972 / جهاد حمدان
- المواطن المغيب: غلاء المعيشة، النقابات الممزقة، والصمت السيا ... / رياض الشرايطي
- حين يصبح الوعي عبئا: ملاحظات في العجز العربي عن تحويل المعرف ... / رياض الشرايطي
- الحزب والدين بوصفه ساحة صراع طبقي من سوء الفهم التاريخي إلى ... / علي طبله
- صفحاتٌ لا تُطوى: أفكار حُرة في السياسة والحياة / محمد حسين النجفي


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - البشير عبيد - مدريد تكسر الإصطفاف : تصدًع في جدار التحالف الغربي أم إعادة تموضع سيادي ؟