أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - البشير عبيد - نصر الدين العسالي...حين تصبح اللوحة دربا لمقاومة العتمة














المزيد.....

نصر الدين العسالي...حين تصبح اللوحة دربا لمقاومة العتمة


البشير عبيد

الحوار المتمدن-العدد: 8659 - 2026 / 3 / 27 - 16:45
المحور: الادب والفن
    


نصر الدين العسالي… حين تصبح اللوحة دربًا لمقاومة العتمة

* البشير عبيد / تونس

ليس الفن ترفًا عابرًا في حياة الإنسان، ولا هو مجرد انعكاس جمالي لواقعٍ قائم، بل هو في جوهره محاولة دؤوبة لإعادة صياغة هذا الواقع، أو على الأقل، لتخفيف وطأته على الروح. في الأزمنة التي تتكاثر فيها الشقوق داخل المعنى، ويتسع فيها الفراغ بين الإنسان وعالمه، تصبح اللوحة أكثر من مجرد سطحٍ ملون؛ تغدو ملاذًا، واحتجاجًا صامتًا، ونداءً خفيًا نحو استعادة التوازن المفقود. من هذا الأفق يمكن الاقتراب من تجربة الفنان التشكيلي التونسي نصر الدين العسالي، لا بوصفها تجربة فردية معزولة، بل باعتبارها أحد تلك الدروب المضيئة التي يشقها الفن في عتمة العالم.
في أعمال العسالي، لا يواجه المتلقي لوحات مكتملة المعنى بقدر ما يدخل في تجربة بصرية مفتوحة، تتداخل فيها الطبقات وتتشابك الإشارات. ثمة اشتغال واضح على التقنية، لكن هذه التقنية لا تُعرض كمهارة باردة، بل كجسرٍ نحو إحساس أعمق. اللون عنده ليس اختيارًا اعتباطيًا، بل موقفٌ جمالي، والضوء ليس مجرد عنصر تكويني، بل كاشفٌ داخلي لما يتوارى خلف الظلال. أما التوازن داخل اللوحة، فهو أقرب إلى حوارٍ خفي بين عناصر متوترة، تبحث عن انسجام لا يُمنح بسهولة.
ما يثير الانتباه في هذه التجربة أن صاحبها لم يأتِ من المسارات الأكاديمية الكلاسيكية للفن، ومع ذلك، أو ربما بسبب ذلك، تبدو أعماله متحررة من القوالب الجاهزة، ومن الانضباط المدرسي الذي قد يُطفئ أحيانًا شرارة الاكتشاف. هنا، يتحول النقص الظاهري إلى قوة خفية، وتغدو التجربة الذاتية، بما تحمله من حدس وتراكم وتأمل، مصدرًا حقيقيًا للخلق.
غير أن البعد التقني، على أهميته، لا يمثل سوى المدخل إلى عالم أوسع. فلوحات العسالي تنفتح على فضاءٍ روحي كثيف، حيث لا يعود الإنسان كائنًا يوميًا عالقًا في تفاصيله الصغيرة، بل يصبح كائنًا حالمًا، تائهًا، ساعيًا نحو معنى يتجاوز حدود الواقع المباشر. في هذا السياق، يمكن قراءة أعماله بوصفها محاولة مستمرة للانفلات من ثقل اليومي، ومن انكساراته المتكررة، نحو أفقٍ أكثر رحابة، حيث تتصالح الذات مع هشاشتها، دون أن تستسلم لها.
لكن هذا الهروب الظاهري من الواقع لا يعني القطيعة معه، بل على العكس، يكشف عن علاقة أكثر تعقيدًا. فاللوحة عند العسالي، بقدر ما تغرق في الجمال، تظل مشدودة إلى واقعٍ مثقل بالتشوهات. إنها لا تنكر هذا الواقع، بل تواجهه بطريقتها الخاصة: عبر إعادة تشكيله، وتفكيك قسوته، وتحويله إلى مادة قابلة للتأمل. هنا، لا يعود الجمال ترفًا، بل يصبح فعل مقاومة؛ مقاومة للرداءة، للابتذال، وللانحدار الذي يهدد المعنى في العمق.
في هذا المستوى تحديدًا، تكتسب تجربة العسالي خصوصيتها. فهو لا يقدّم خطابًا مباشرًا، ولا ينخرط في الشعارات، بل يختار طريقًا أكثر وعورة: طريق الإيحاء. لوحاته لا تقول، بل تلمّح؛ لا تفسّر، بل تفتح. وهذا ما يجعل المتلقي شريكًا في إنتاج المعنى، لا مجرد متلقٍ سلبي. إنك أمام عمل فني يطلب منك أن تتأنى، أن تتورط، أن تعيد النظر، وأن تقبل بعدم الوصول إلى يقين نهائي.
ولعل هذا ما يفسر تلك العلاقة الخفية بين لوحاته وعالم الشعر. فكما أن القصيدة الحديثة لا تُفصح عن نفسها دفعة واحدة، بل تُراوغ القارئ وتستدرجه، كذلك تفعل أعمال العسالي. ثمة اقتصاد في المعنى الظاهر، يقابله فيض في الدلالة الممكنة. الرموز لا تُقدَّم كمفاتيح جاهزة، بل كأبواب مفتوحة على احتمالات متعددة. من هنا، يمكن القول إن العسالي يرسم كما لو أنه يكتب قصيدة، أو ربما يكتب قصيدة، لكن بأدوات اللون والضوء والظل.
تتجلى هذه الخاصية بوضوح في بعض أعماله التي تستلهم قضايا إنسانية كبرى. فحين يتناول موضوعًا مثل فلسطين، لا يسقط في المباشرة أو الخطابية، بل ينسج فضاءً بصريًا مشحونًا بالإحالة، حيث تتداخل الذاكرة بالألم، ويصبح الرمز أكثر قدرة على التعبير من أي تصريح. وكذلك الأمر في لوحات تستحضر مأساة الهجرة أو الحروب، حيث لا تُختزل التجربة في حدثٍ تاريخي، بل ترتقي إلى مستوى الإحساس الإنساني المشترك.
من هنا، لا تبدو تجربة نصر الدين العسالي مجرد إضافة إلى المشهد التشكيلي، بل أشبه بصوتٍ خاص، يسعى إلى أن يجد مكانه خارج التصنيفات الجاهزة. هو لا يشبه أحدًا بشكل مباشر، وربما لا يرغب في ذلك أصلًا. فالأصالة هنا لا تُبنى على القطيعة مع الآخرين بقدر ما تُبنى على الإنصات العميق للذات، وعلى الجرأة في تحويل هذا الإنصات إلى أثر مرئي.
إننا، ونحن نتأمل هذه التجربة، لا نقف فقط أمام فنانٍ يشتغل على أدواته بإتقان، بل أمام رؤية ترى في الفن إمكانية للنجاة. في عالمٍ يزداد صخبًا وفوضى، تظل مثل هذه الأعمال بمثابة فسحات للتأمل، ومساحات لاستعادة شيء من الصفاء الداخلي. وربما في هذا تحديدًا تكمن قيمة الفن: لا في قدرته على تغيير العالم بشكل مباشر، بل في قدرته على تغيير نظرتنا إليه.
ضمن هذا الأفق، يمكن القول إن تجربة العسالي تمثل بالفعل أحد تلك “الدروب المضيئة” التي لا تلغي العتمة، لكنها تجعل المرور عبرها أقل قسوة. دروب لا تعد بالخلاص الكامل، لكنها تفتح كوة صغيرة في جدار الواقع، تسمح بدخول بعض الضوء. وهذا، في زمنٍ كهذا، ليس بالأمر القليل.
ولعل ما يمنح هذه القراءة معناها المضاعف، أنها كُتبت على هامش معرض للفنان نصر الدين العسالي احتضنه رواق علي القرماسي بقلب العاصمة التونسية، وتواصل إلى غاية الثالث من أفريل / أبريل 2027. هناك، لم تكن اللوحات مجرد أعمال معلّقة على الجدران، بل كانت شذرات من روحٍ قلقة تبحث عن اتساعها، وتدعونا، نحن أيضًا، إلى إعادة النظر في علاقتنا بالفن، وبالعالم، وبأنفسنا. ومن تلك اللحظة العابرة في الزمن، وُلد هذا التأمل، ليبقى أثرها ممتدًا خارج حدود المناسبة، نحو أفقٍ أرحب، حيث يلتقي الجمال بالمعنى، ويصير الفن دربًا من دروب الضوء.

* شاعر و كاتب صحفي مهتم بقضايا الفكر التنويري و آخر ارهاصات المشهد الثقافي العربي



#البشير_عبيد (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- إيران في مواجهة الهيمنة الأمريكية و الكيان الصهيوني : صراع ا ...
- حين يتحوًل المقال إلى مسار تفكير : قراءة في كتاب -بين السطور ...
- حين يصبح الزمن سلاحا : إيران و محور المقاومة في معركة الإستن ...
- لطيفة الدليمي..الكتابة كقدر إنساني في زمن مضطرب
- مدريد تكسر الإصطفاف : تصدًع في جدار التحالف الغربي أم إعادة ...
- العدوان الأمريكي - الصهيوني على إيران : اعادة رسم قواعد المع ...
- مأزق النخب العربية و انسداد الأفق التاريخي
- ما يراه الأعمى للسيد بوفايد : حين تبصر القصيدة ما تعجز عنه ا ...
- رواية - المهطوان- : رحلة وعي بين الحلم و الإنكسار
- في زمن التيه العربي : اسئلة المعنى و الوعي و المصير المشترك
- اليسار العربي : مراجعة موجعة في الوعي و الخيارات
- اليسار العربي في زمن الإنكسار العالمي : ازمة الدور و حدود ال ...
- الفكر و المواطنة : تحديات بناء الدولة في زمن الصراعات الإقلي ...
- الإمبريالية الأمريكية المتوحًشة : من اغتيال سلفادور الليندي ...
- تراكم الوعي و الإرادة في بناء الوطن العربي الجريح
- ما بعد الصًراخ : رحلة الوعي و الإرادة في بناء الأوطان
- الدولة التونسية و تغوًل رأس المال : حين تختبر الديمقراطية اج ...
- سوريا بين الفراغ و الهشاشة : سلطة انتقالية بلا مشروع تحرري
- إنهيار الأسطورة: المشروع الصهيوني بين تفكك الداخل و إستعصاء ...
- صناعة القوًة في الظلً : حين يعيد التاريخ دروسه بين المقاومة ...


المزيد.....




- من يحاسب الذكاء الاصطناعي؟!
- أفلاطون ولغز المحاكاة
- وقفة لبنانية تؤكد أن قرار رجي ترجمة للأجندة الصهيوأمريكية
- بنيامين وود: كيف تعيد الأبوة صياغة علاقتنا بالأدب والقراءة؟ ...
- -سلمان رشدي في بوتسدام-.. رقصة أدبية على حافة الموت وهزيمة ا ...
- رحيل الفنان اللبناني أحمد قعبور.. صوت -أناديكم- الذي خلد نضا ...
- رحيل حكواتي الواقع: تريسي كيدر الذي أنطق التفاصيل
- تحول تاريخي.. الأوسكار يغادر هوليود إلى وسط لوس أنجلوس
- رصاص الصورة.. كيف تصنع السينما -الحروب الناعمة-؟
- اشتهر بأغانيه لفلسطين.. رحيل الفنان اللبناني أحمد قعبور


المزيد.....

- رحلتي في ذاكرة الأدب / عائد ماجد
- فن الكتابة للعلاقات العامة من التحرير الى صياغة الحملات الال ... / أقبال المؤمن
- الرسائل الاعلامية و الادبية من المعنى الى التأثير / أقبال المؤمن
- إمام العشاق / كمال التاغوتي
- كتابات نقدية ماركسية(العمل الفني في عصر الاستنساخ الآلي) وال ... / عبدالرؤوف بطيخ
- المقدِّماتُ التحقيقيّةُ لشيوخِ المحقِّقين / ياسر جابر الجمَّال
- اعترافات السيد حافظ والأصدقاء ما وراء الكواليس الجزء الأو ... / السيد حافظ
- أحافير شاب يحتضر / المستنير الحازمي
- جدلية المنجل والسنبلة: مقولات وشذرات / حسين جداونه
- نزيف أُسَري / عبد الباقي يوسف


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - البشير عبيد - نصر الدين العسالي...حين تصبح اللوحة دربا لمقاومة العتمة