فواد الكنجي
الحوار المتمدن-العدد: 8662 - 2026 / 3 / 30 - 09:12
المحور:
القومية , المسالة القومية , حقوق الاقليات و حق تقرير المصير
بمناسبة عيد رأس السنة (الآشورية)؛ يحتفل (الآشوريين) بهذا العيد القومي باسم (عيد اكيتوا) الذي يصادف في (الأول من نيسان) سنويا، وهذه السنة يمر على (الأمة الآشورية) العام ( 6776 الآشوري والذي يقابل عام 2026 الميلادي)؛ وهو أول يوم من (بداية أيام السنة الآشورية)؛ والذي يمثل كرمز لميلاد الأرض والحياة، ولعظمة وقدسية هذا اليوم لدى أبناء (الأمة الآشورية) تاريخيا – كانت وما تزال – هذه (الاحتفالات) من أعظم الاحتفالات تقام في بلادهم (بلاد الرافدين – بلاد آشور)؛ باعتبارها احتفالات لها طابع قومي يجتمع كل أبناء الشعب (الآشوري) في موقع الاحتفال للاحتفال والمشاركة إفراد الشعب في البلاد بهذه المناسبة (مناسبة رأس السنة الآشورية) .
الاحتفال بيوم (اكيتو) كمناسبة قومية (للآشوريين) مبدأ مقرر يعزز القيم الروحية في ذات الإنسان وهو يعيش في هذا العالم المتعدد الأجناس والأطياف؛ ليكون هذا اليوم فرصة لتقارب والبحث في أحاديث التاريخ ليعلم الأجيال المعاصرة جذورهم.. وأصولهم.. وعاداتهم.. وتقاليدهم.. ليحسنوا الاقتداء بالجوانب المشرق من حضارتهم (الآشورية) في (بلاد آشور – بلاد وادي الرافدين – العراق الحالي)؛ والذين مجدوا أعيادهم بشكل الذي يليق بأمجادهم الخالدة .
إنها حقا فرصة طيبة لتذكر ولتذكير من أجل بناء مقومات الأمة وتثقيف أبنائها وإشراكهم بما يتيح لهم تنمية مفاهيم متقدمة للحضارة لبناء مستقبلهم وتحقيق طموحاتهم في حق تقرير المصير والحرية وفي زيادة الوعي العام للمجتمع (الآشوري)، ليدركوا مدى أهمية ذلك لتطويره وتوسيع مدارك الإنسان (الآشوري) والحفاظ على أمنه وسلامته ومستقبلة بهدف الحصول علي شتى وسائل الدعم ومؤازرة المجتمعات الأخرى لتحقيق أهدافهم في الحرية والاستقلال وحق تقرير المصير .
ومن هنا لا بد من توعية أبناء الأمة والمجتمع (الآشوري) والتركيز على تعزيز عوامل تقوية الذات القومية؛ لان (لا) مستقبل للأمة بدون تعزيزها وإنمائها في النفوس إلى درجة الاعتزاز.. والتضحية.. والنضال من اجلها؛ لان الانتماء الحقيقي للأمة (الآشورية) هو التزام قومي لا مر منه؛ ولا يستطيع الفرد أن يخرج من هويته القومية؛ لأن القومية ليست كهوية فكرية أو دينية يستطيع خروج منها والتحول في أي وقت يشاء المرء، ومن هذه الحقيقية يجب تأهيل الأجيال الناشئة وإعدادهم فكريا وسلوكيا لأن مستقبل الأمة (الآشورية) مرهون بالأجيال القادمة ليقفوا في وجه المؤامرة والأعداء وهم مؤهلين نفسيا وسلوكيا بقيم الفكر القومي (الآشوري)، لان معطيات (الفكر الآشوري) كجزء من أيديولوجية لارتقاء الوعي المعرفي إلى مستوى المسؤولية كرؤية فكرية استمدت أصالتها في التماثل بين (الوعي) و(التاريخ)؛ لان تاريخ (الحضارة الأشورية) وهو تاريخ عريق ومشرف ومؤثر؛ وله هويته في تاريخ الحضارات العالم؛ فان (التاريخ) هو عنصر من أهم عناصر الهوية القومية؛ إضافة إلى (اللغة) و(التراث)، لان الوعي والفكر في كل مراحل التاريخ قابل للتطور.. والنقد.. والمراجعة.. والتحليل؛ للوصول إلى تجديد الرؤية.. وتحديثها.. ومعاصرتها بأفكار العصر.. والحداثة.. والمعاصرة.. وبالتوازي مع الأوضاع السياسية وتطورها مع مفاهيم العدالة الاجتماعية.. وحقوق الإنسان.. والحريات العامة؛ بما تلبي تطلعات الإنسان (الآشوري) في الحرية وحق تقرير المصير.
ليكون الاحتفال (بعيد اكيتو –عيد رأس السنة الآشورية) والتي انبثقت وبنت معالمها القومية وفق (الميثولوجيا الآشورية) المفعمة بالدلالات الفكرية والفلسفية؛ والتي تركت على الحضارات الأخرى أثرا كبير؛(*) وهذا التأثير نستشفه من خلال طقوس واحتفالات أسطورة الخلق (اكيتوا) التي كانت تمارس قبل سبعة ألاف سنة في المدن (الآشورية) في (بلاد الرافدين – العراق)، فان (الآشوريون) اليوم ما زالوا متمسكين بهذا الإرث التاريخي والحضاري للأمة (الآشورية) ويسعون دوما إلى إحياءه لرفع هذه الرؤية إلى حيز الصيرورة والفعل وإلى مستوى الطموح والمطالب لتشكيل مواقفهم السياسية.. والمعرفية.. والتاريخية؛ وبرؤية واضحة المعالم يعكسها (الفكر القومي الآشوري) بواقعية وبأيديولوجية متوازنة بين متطلبات الواقع والفكر، لتكون التجربة القومية للأمة (الآشورية) على طول مسارها التاريخي تجربة ثرية نابضة بالحياة مع متطلباتها وتطلعاتها وأهدافها ومضامينها الثقافية.. والسياسية.. والاجتماعية.. والنهضوية .
وبهذه المناسبة لابد من وقفة فكرية توجه للأمة (الآشورية) وهم يحتفلون بمناسبة قومية بحلول (العام الآشوري – 6776 أ) الجديد؛ لان تحديات التي تواجه الأمة هي تحديات مصيرية لابد من وقفة لوضع إستراتجية لنهضة الأمة.. ومن هنا نقول:
– القضية الآشورية هي قضية شعب وأرض .
– القضية (الآشورية) ليست قضية أقلية قومية أو مطلبا ثقافيا بل هي قضية شعب وأرض واجهت على مدى عقود سياسات الإقصاء.. والتهميش.. والإنكار.
التحديات التي تواجه (الأمة الآشورية) في المرحلة الراهنة لها تداعيات قومية خطيرة تؤثر على أفاق المستقبل للأمة، فـ(الأمة الآشورية) التي يربو عدد سكانها اليوم أكثر من ثلاثة ملايين نسمة مشتتين في دول العالم، بعد أن اغتصبت أراضيهم وحقوقهم التاريخية من أراضي الإباء والأجداد؛ في (العراق)؛ ومنعهم من إقامة دولتهم أو إقامة حكم ذاتي، رغم عمق جذورهم التاريخية ودورهم الحضاري في (العراق) وعموم المنطقة، فموقع أراضي (الأمة الآشورية) في (شمال العراق)؛ وبما تملك حدودها القومية والتاريخية من ثروات طبيعية وأهمية إستراتيجية؛ ورغم كل التحديات والاستهداف والمذابح الدموية التي ارتكبت بحق هذه الأمة منذ سقوط إمبراطوريتهم (الآشورية) في 612 قبل الميلاد والى يومنا هذا؛ ورغم ما تعرضت الأمة من تشتيت بين عدة دول في حقبة ما قبل وما بعد الاستعمار (البريطاني)؛ وما شهدت (العراق) خلال تلك الحقبة من تصاعد في حدة الخطاب السياسي والديني، واحتقان في الشارع والذي تزامن مع ضعف واضح في مؤسسات الضبط المجتمعي في (الدولة العراقية) و دخول البلاد مرحلة مواجهة مفتوحة مع موجة المستعمر (البريطاني) الذي استهدف مؤسسات الدولة إلى جانب حوادث متفرقة داخل المدن (العراقية).
إلا أن هذا الواقع لم ينجح في تفكيك الهوية (الآشورية) للأمة أو كسر المشتركات القومية بين أبناء الأمة الواحد؛ لان – وكما قلنا سابقا – (القضية الآشورية) ليست قضية أقلية قومية أو مطلبا ثقافيا فحسب؛ بل هي قضية شعب وأرض واجهت على مدى عقود سياسات الإقصاء والتهميش والإنكار، ورغم ما واجهته (حركات التحرر الآشورية) من قمع.. وإبادة جماعية.. ومجازر دموية؛ راح ضحيتها أكثر من مليونين ونصف مليون شهيد (آشوري) من عام 1847 و1918 و1933 والى يومنا هذا، وهذه المجاز أتت من اجل محاولات تعطيل نهضة الأمة والقضاء على أي نشاط تحرري.. وقومي.. ونهضوي؛ ولكن رغم ذلك واصلت نضال الأمة بأشكال مختلفة وقدم أبناء (الأمة الآشورية) تضحيات كبيرة في سبيل الحرية القومية.. وحق تقرير المصير.. وتقدم المجتمع، لان هدف أبناء الأمة ظل مرتبطا بتحقيق وجود كيان سياسي ودولة (آشورية) مستقلة على كافة أرضيها التاريخية وحضارتها العرقية (حضارة آشور)؛ رغم تعدد الحركات التحرر واختلاف وجهات نظر كل جهة؛ إلا أن الجميع بقى نضاله يتمحور تاريخيا حول آليات وسبل الوصول إلى هدف الحرية.. وحق تقرير المصير.. والاستقلال .
لان قيام (الدولة الآشورية) تضم جميع أراضي الأمة التاريخية في (شمال العراق)؛ قد يبدو صعبا في ظل المعادلات الإقليمية والدولية الراهنة وتشتت أبناء الأمة في دول العالم؛ إلا أن ذلك لا يبرر التخلي عن النضال المشروع من أجل الحقوق القومية بما في ذلك السعي إلى صيغ دستورية متقدمة كالفيدرالية أو الكونفيدرالية.
واليوم بما تملك (الأمة الآشورية) طليعة من المفكرين.. وأساتذة.. وحقوقيين.. ومناضلين.. يعملون في مختلف مجالات الحياة السياسية.. والاجتماعية.. والاقتصادية؛ يستطيعون إيصال أصواتهم ومطالب (الأمة الآشورية) إلى المنظمات الدولة والحقوقية وهيئات الأمم المتحدة .
وخاصة بان الأمة تتعرض باستمرار من مراكز القرار في دول المنطقة التهميش.. والإقصاء.. واستهداف الهوية القومية للأمة (الآشورية).. وبانتهاج سياسات استبدادية وشوفينية، وخاصة آذ علمنا بأن منطق (سايكس– بيكو) الذي حكم المنطقة خلال القرن الماضي أثبت فشله؛ وأن المنطقة وتحديدا (الشرق الأوسط) بات بحاجة إلى ترتيب سياسي جديد يضمن حقوق الشعوب المظلومة؛ وفي مقدمتها (الشعب الآشوري).
لذلك يتطلب من أحرار الأمة.. ومثقفيها.. وحركات الأمة القومية.. وأحزاب الأمة.. اعتماد الواقعية.. والبراغماتية.. والوحدة.. والاستفادة من دروس الماضي وعدم التفريط بالفرص التاريخية المتاحة اليوم على الساحة الدولية.. والإقليمية.. لمنطقتنا تحديدا، لان الدروس التي كشفتها تلك المرحلة بأن الفوضى واضطراب الأوضاع السياسية.. والاجتماعية.. والاقتصادية؛ ليست مجرد خلاف في الرؤى، بل مناخ قد يسمح بتسلل أفكار العنف والخطاب المتشدد، والذي يمكن أن يهيئ أرضية نفسية تبرر الفعل العنيف لاحقا، لذلك فإن معالجة الظاهرة لا تقتصر على المواجهة رغم ضرورتها لان حق من حقوق الأمة في الحرية وحق تقرير المصير؛ بل تمتد إلى إعادة بناء الإنسان (الآشوري) وبناء وعي يحصن الشباب، لأن التجربة (الآشورية) بما شاهدته الأمة من تحديات خلال تلك الحقبة وهذه الحقبة؛ تضع أمامنا حقيقة واضحة بأن تماسك المجتمع هو خط الدفاع الأول، فحين يشعر (الفرد الآشوري) بأنه جزء من كيان أوسع تسمع فيه صوته وتحترم فيه كرامته؛ لأن المعركة ضد من يستهدف تطلعات (الأمة الآشورية) لتحرير والاستقلال؛ لا تحسم بالسلاح وحده بل تحسم ببناء إنسان متوازن.. وفضاء مجتمعي مسؤول.. ودولة قادرة على الجمع بين الحزم والعدالة، فحين ينتصر (الوعي) يخسر (العنف) معركته قبل أن تبدأ.
في وقت الذي نحذر من أن استمرار التشتت والتشرذم المذهبي والكنسي سيبقي (الشعب الآشوري) أسير المعاناة نفسها لسنوات طويلة مقبلة، لذلك لابد من وعي والتيقن بحقائق الأمور والتحولات التي تحدث في دول العالم والإقليم لمنطقتنا بضرورة وضع المصلحة القومية (الآشورية) في صدارة الأولويات وعدم تحويل (القرار الآشوري) إلى أداة لخدمة مصالح القوى المحلية.. والإقليمية.. أو الدولية.
لان التجربة (الآشورية) وما مرت الأمة من ظروف صعبة؛ تؤكد أن الاستقرار ليس مجرد شعار سياسي بل شرط أساسي لحماية (المجتمع الآشوري) من التحول إلى بيئة حاضنة للضياع والاغتراب، لأن معركة الأمة الحقيقية تبدأ من (العقل) ومن القدرة على تحليل الأوضاع والمخاطر التي تحيط بـ(الأمة الآشورية)؛ وإذا كانت الأمة قد واجهت موجات عنف صعبة في تلك السنوات، فإن الدرس الأهم هو أن صيانة حقوق الأمة لا ينفصل عن صيانة الوعي وحماية المجتمع .
فواقع المنطقة والتطورات المتلاحقة هو ما يدعونا لإطلاق دعوة لبلورة مطالب (الأمة الآشورية) القومية وتوجيهها إلى المنظمات الدولة والأمم المتحدة؛ لنظر والاجتماع من اجل إيجاد صيغة قانونية وشرعية لحقوق امتنا (الآشورية) ومستقبلها في المنطقة؛ ضمن إطار مشروع قومي ديمقراطي بهدف بلورة مفهوم (حق تقرير لمصير).. و(التحرر).. و(الاستقلال).. و(إيجاد وطن لأبناء (الأمة الآشورية) المشتتين في دول العالم)؛ لان في ذلك سيكون مخرجا لتشكيل وتنسيق المواقف وتكوين مرجعية قومية (آشورية) موحدة.. ومشتركة.. ومتوازنة.. من اجل رفع سقف المطالب القومية باتجاه ترسيخ الكيان للأمة وبناء (الدولة الآشورية)؛ لان بغياب ذلك؛ أي غياب الدولة أو وطن للأمة (الآشورية) تبقي الهوية القومية والاجتماعية (الآشورية) في حالة تشتت.. والتشرذم.. والتبعية؛ وتستمر معانات أبناء (الأمة الآشورية) في الضياع والتشتت في دول العالم.
....................
((*))
لمزيد عن الميثيولوجيا (الآشورية) راجع مقالاتنا ؛
1- (( اكيتو والميثولوجيا الآشورية وتأثيرها الإبستمولوجي والأنثروبولوجيا في ثقافة المجتمعات والحضارات الأخرى.. بقلم فواد الكنجي)).
2- (( استقصاء تأثيرات الميثولوجيا الآشورية على ثقافة الأقوام والشعوب والأمم الأخرى.. رأس السنة الأشورية (اكيتو). بقلم .. فواد الكنجي)).
3- (( الميثولوجيا الآشورية عمق تاريخي لتجذير الهوية القومية. بقلم .. فواد الكنجي)) .
4- (( الميثولوجيا الأشورية وتأثيراتها على الأمم الأخرى..عيد رأس السنة الأشورية (اكيتو)، نموذجا. بقلم .. فواد الكنجي)) .
5- (( الميثولوجيا الأشورية وتأثيراتها على الأمم الأخرى.. أعياد (اكيتو) والدلائل التاريخية لميثيولوجيا الأشورية. بقلم .. فواد الكنجي)) .
وهناك الكثير من مقالات عن هذا الموضوع تم كتابتها.. بقلم.. فواد الكنجي .
#فواد_الكنجي (هاشتاغ)
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟