أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - ديار الهرمزي - ذاكرة الأرض الأخيرة قصة خيالية














المزيد.....

ذاكرة الأرض الأخيرة قصة خيالية


ديار الهرمزي

الحوار المتمدن-العدد: 8658 - 2026 / 3 / 26 - 20:50
المحور: الادب والفن
    


في زمنٍ لا تُقاس أيامه بالشمس ولا تُعدّ لياليه بالقمر، كانت الأرض تتنفس ببطء، ككائنٍ حيٍّ يعرف أكثر مما يقول. لم تكن هناك خرائط، ولا أسماء، ولا حدود تفصل بين إنسانٍ وآخر.

كان الجميع أبناء الرحلة.
لكن داخل هذا الاتساع، وُلدت أول ذاكرة، ثم ضاعت.

يقول الحكماء إن البداية لم تكن بداية، بل كانت بقايا.
بقايا عالمٍ قديم، حضارةٍ سابقة، زمنٍ انكسر ثم أعاد نفسه.

كانت هناك أرض عظيمة، يسميها البعض أرض الفجر الأول، حيث عاش الإنسان وهو يفهم لغة الرياح، ويقرأ حركة النجوم، ويصغي لنبض الأرض.

لم تكن المعرفة مكتوبة، بل كانت تُحفظ في الصدور، وتُنقل عبر الأرواح.

وفي تلك الأرض، وُلد طفل لم يكن كبقية الأطفال.
أسموه: ديار الهرمزي.

لم يكن مميزًا في ملامحه، لكن عينيه كانتا تحملان شيئًا غريبًا، كأنهما تريان ما لا يُرى، وتتذكران ما لم يحدث بعد.

كبر ديار بين قومٍ كانوا يؤمنون أن الإنسان ليس سيد الطبيعة، بل جزءٌ منها.

كانوا يزرعون دون أن يجرحوا الأرض، ويصطادون دون أن يُفسدوا التوازن، ويؤمنون أن لكل شيء روحًا، حتى الحجر.

لكن شيئًا ما كان يقترب.
في الليالي الأخيرة، بدأت السماء تتغير. النجوم لم تعد في أماكنها، والريح أصبحت أثقل، كأنها تحمل خبرًا لا يريد أحد سماعه.

وفي إحدى الليالي، رأى ديار حلمًا،
رأى نارًا تسقط من السماء، وبحارًا تغلي، وأرضًا تنقسم، وناسًا يركضون بلا اتجاه. سمع صراخًا، لكنه لم يكن خوفًا فقط، بل كان فقدانًا.

استيقظ وهو يرتجف.
ذهب إلى كبير الحكماء، شيخٍ يُقال إنه يتذكر أكثر مما ينبغي.

قال له ديار:
رأيت النهاية.
أجابه الشيخ بصوتٍ هادئ:
ليست نهاية، إنها بداية الهجرة.

لم تمر أيام حتى تحقق الحلم.
اهتزت الأرض، وسقط من السماء نورٌ مشتعل، فاشتعلت الجبال، وارتفعت أمواج لم يرَ مثلها أحد.

صرخ الناس، تفرّقوا، حملوا أطفالهم، وتركوا كل شيء خلفهم.

في تلك اللحظة، لم يعد هناك وطن،
بل أصبح هناك فقط نجاة.

قاد الحكماء مجموعاتٍ صغيرة في اتجاهات مختلفة. قالوا:
لا تبحثوا عن الأرض… ابحثوا عن الحياة.

وسار ديار مع مجموعةٍ نحو المجهول.
بدأت الرحلة الكبرى.

عبروا الغابات، حيث كانت الأشجار أطول من الذاكرة،
وعبروا الصحارى، حيث الشمس تذيب التفكير،
وعبروا البحار، حيث يصبح الإنسان نقطةً في فراغٍ لا ينتهي.

في الطريق، بدأ كل شيء يتغير.
بعضهم نسي اللغة القديمة،
بعضهم نسي القيم،
وبعضهم بدأ يخاف من كل شيء، حتى من نفسه.

وفي ليلةٍ قاسية، حين نفد الطعام، واشتد الجوع، جلسوا صامتين.

قال أحدهم:
هل نحن بشر… أم مجرد ناجين؟
لم يُجب أحد.

لكن ديار شعر بشيء ينكسر في داخله، ليس الجوع، بل المعنى.

مرت السنوات.
وصلت المجموعة إلى أرضٍ جديدة. لم تكن تشبه أرضهم الأولى، لكنها كانت كافية للحياة.

بدأوا من جديد.
بنوا أكواخًا، ثم قرية. تعلّموا الزراعة، وصنعوا أدوات، وبدأوا يتحدثون بلغة مختلفة.

لكن مع كل جيل، كانت الذاكرة تضعف.
أصبحت أرض الفجر الأول مجرد قصة،
ثم أصبحت أسطورة،
ثم أصبحت خرافة.

إلا عند ديار.
كان ديار يكبر، لكن شيئًا فيه لا يشيخ.
كان يرى في وجوه الناس خوفًا منسيًا، ويسمع في صمت الليل صدى الماضي.

بدأ يروي.
جمع الأطفال حوله، وقال:
نحن لم نولد هنا، نحن جئنا. وهذه الأرض ليست النهاية.
ضحك البعض.
وخاف البعض.
واتهمه البعض بأنه يزرع القلق.
لكن كان هناك دائمًا من يستمع.

مع مرور الزمن، ظهرت فئة جديدة.
أناسٌ اكتشفوا أن الخوف قوة.
قالوا للناس:
نحن نعرف الحقيقة. نحن نملك الأسرار.

بدأوا يصنعون طقوسًا، ويُظهرون أشياء تبدو كالسحر، ويقنعون الناس أنهم وسطاء بين الإنسان والقوى الخفية.
بنى الناس لهم معابد،
وقدّموا لهم الطاعة،
ونشأ أول انقسام.

قال ديار:
الحقيقة لا تحتاج إلى خوف.
لكن صوته بدأ يضعف وسط الضجيج.
وفي ليلةٍ هادئة، صعد ديار إلى تلٍ مرتفع.
نظر إلى السماء.
كانت النجوم مختلفة، لكنها لا تزال تتحدث.
همس:

هل سننسى بالكامل؟
جاءه صوت داخلي، ليس صوتًا يُسمع، بل يُفهم:
الإنسان لا ينسى، هو فقط يغيّر طريقة التذكر.
ابتسم ديار.

في صباح اليوم التالي، اختفى.
لم يره أحد بعد ذلك.
قال البعض إنه مات،
وقال البعض إنه ضاع،

لكن قلةً قالت:
لقد عاد إلى الرحلة.
مرت قرون.

كبرت القرية، أصبحت مدينة، ثم حضارة.
كتبوا تاريخهم، ووضعوا أسماء لأنفسهم، وظنوا أنهم البداية.

لكن في زوايا بعيدة، وبين بعض العائلات، بقيت قصة تُروى:
عن رجلٍ اسمه ديار الهرمزي،
قال إن الإنسان ليس ابن أرض، بل ابن طريق،
وأن الحقيقة ليست ما نملكه، بل ما نبحث عنه.

وفي كل زمان، حين ينظر إنسان إلى السماء ويتساءل:
من أين جئنا؟
تتحرك الذاكرة القديمة في داخله
ذاكرة الأرض.
التي لا تنسى
حتى لو نسي الإنسان.



#ديار_الهرمزي (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- صراع الهوية وغياب الأمة
- التركمان في ديالى: جذور ضاربة في أعماق التاريخ منذ ما قبل ال ...
- السومريون والساميون وآناو، دراسة مركّزة شاملة
- الثورة الناعمة
- الهلال والذئب، فلسفة الوجود في الأسطورة التوركمانية
- الآشوريون والكلدان، حضارة خالدة وشعب تراجع حضوره
- كم أحبك يا خانقين
- فلسفة القراءة والكتابة
- لا يجوز إقصاء أي شعب من التاريخ
- احترام الزوجة… رسالة إنسانية وأخلاقية وشرعية
- الحضارات المندثرة، ألغاز الماضي التي تحرج علم الحاضر
- كيف نثق بالولايات المتحدة بينما نرى اعتداءها على إيران ومنشآ ...
- الأمة بين أنياب العدو وقيود العبيد
- بين صناديق الاقتراع والعقل، كيف تمارس أوروبا الانتخابات؟
- الإنجازات العلمية والعقلية للدولة العثمانية
- حين يصمت الجميع تتجمّد العقول
- صراع المركز والإقليم: بداية التغيير في النظام السياسي العراق ...
- فلسفة الروح النقية والقلب المطمئنة
- الفرق بين أن تكون قومي معرفي وقومي عنصري
- الكويت والعراق أنانية الجغرافيا وخرائط المؤامرة


المزيد.....




- تحول تاريخي.. الأوسكار يغادر هوليود إلى وسط لوس أنجلوس
- رصاص الصورة.. كيف تصنع السينما -الحروب الناعمة-؟
- اشتهر بأغانيه لفلسطين.. رحيل الفنان اللبناني أحمد قعبور
- أحمد قعبور: رحيل الفنان اللبناني وصوت -أُناديكم-
- -صوت القضية-.. رحيل الفنان اللبناني أحمد قعبور
- وفاة الفنان اللبناني أحمد قعبور عن عمر ناهز 71 عاما بعد صراع ...
- من غزة إلى إيطاليا.. حكايات الألم تتحول إلى كتب تُعيد الأمل ...
- رحيل الفنان اللبناني أحمد قعبور صاحب أغنية -أناديكم- عن 71 ع ...
- رعب وفانتازيا وخيال علمي.. 6 أفلام سينمائية جديدة تتحدى سطوة ...
- وفاة ابن الجنوب الناقد د مالك المطلبي...


المزيد.....

- رحلتي في ذاكرة الأدب / عائد ماجد
- فن الكتابة للعلاقات العامة من التحرير الى صياغة الحملات الال ... / أقبال المؤمن
- الرسائل الاعلامية و الادبية من المعنى الى التأثير / أقبال المؤمن
- إمام العشاق / كمال التاغوتي
- كتابات نقدية ماركسية(العمل الفني في عصر الاستنساخ الآلي) وال ... / عبدالرؤوف بطيخ
- المقدِّماتُ التحقيقيّةُ لشيوخِ المحقِّقين / ياسر جابر الجمَّال
- اعترافات السيد حافظ والأصدقاء ما وراء الكواليس الجزء الأو ... / السيد حافظ
- أحافير شاب يحتضر / المستنير الحازمي
- جدلية المنجل والسنبلة: مقولات وشذرات / حسين جداونه
- نزيف أُسَري / عبد الباقي يوسف


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - ديار الهرمزي - ذاكرة الأرض الأخيرة قصة خيالية