أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - قضايا ثقافية - منذر ابو حلتم - المقهى العالمي أم المصيدة الرقمية؟ تشريح لظاهرة وسائل التواصل الاجتماعي














المزيد.....

المقهى العالمي أم المصيدة الرقمية؟ تشريح لظاهرة وسائل التواصل الاجتماعي


منذر ابو حلتم
قاص وشاعر ، عضو رابطة الكتاب الاردنيين

()


الحوار المتمدن-العدد: 8655 - 2026 / 3 / 23 - 17:42
المحور: قضايا ثقافية
    


في البدء، كان الاتصال حاجة إنسانية نبيلة: رغبة في تقليص المسافات، وتخفيف العزلة، وجمع البشر في فضاء مشترك. ومع صعود وسائل التواصل الاجتماعي، بدا أن الحلم تحقق. لم تعد الجغرافيا عائقًا، ولم يعد الصوت الفردي مهمشًا. غير أن هذا الاتساع حمل في داخله مفارقة عميقة: فبينما اتسعت دوائر التواصل، نشأت منظومة مراقبة غير مسبوقة، تعمل بهدوء، وبموافقتنا.
لم ننتقل فقط من العزلة إلى الاتصال؛
بل من الخصوصية إلى الشفافية الدائمة.
من الاتصال إلى التمثيل
تُعرّف المنصات بأنها فضاءات تفاعلية تمنح المستخدم دور “الناشر”. لكن اجتماعيًا، تحوّلت إلى مسرح دائم العرض. لم يعد الفرد يعيش حياته فقط، بل يُعيد إخراجها بصيغة قابلة للنشر.
أعادت المنصات تعريف المجتمع؛ فاستبدلت الجغرافيا بالاهتمام، والانتماء بالمتابعة، والتأثير بالخوارزمية. وفي لحظات تاريخية، أثبتت قدرتها على الحشد، من الربيع العربي إلى #MeToo و#BlackLivesMatter. غير أن هذا الاتساع رافقه تحول خفي في معنى العلاقة الإنسانية: فالصداقة أصبحت رقمًا، والحضور أصبح قابلًا للقياس.
اقتصاد الانتباه: حين يصبح الإنسان هو المنتج
خلف الواجهة البراقة، تعمل المنصات وفق منطق “اقتصاد الانتباه”.
التطبيق ليس المنتج الحقيقي؛ بل المستخدم نفسه.
كل نقرة، كل توقف عابر، كل تفاعل، يتحول إلى بيانات تُحلل وتُباع ضمن سوق إعلاني معقد. هكذا يُختزل الوعي إلى أنماط قابلة للقياس، وتتحول الرغبات إلى ملفات تنبؤية.
ومع تطور الذكاء الاصطناعي، لم يعد الهدف فقط جذب الانتباه، بل تعميق الارتباط العاطفي. نحن أمام انتقال تدريجي من بيع الوقت إلى بيع الشعور بالفهم والرفقة. هنا يبرز سؤال فلسفي:
هل لا تزال رغباتنا “نابعة منا”، أم أنها نتيجة بيئة رقمية تتعلم كيف توجهنا؟
المراقبة البنيوية: التجسس كمنظومة لا كحدث
لم يعد التجسس في العصر الرقمي عملية سرية معزولة، بل بنية دائمة تعمل في الخلفية. ويمكن فهمها على مستويين متكاملين:
أولًا: المراقبة المؤسسية
الشركات تجمع البيانات السلوكية بدقة غير مسبوقة لبناء نماذج تنبؤية. الحكومات بدورها تستثمر البيانات في الأمن، والتحليل الاجتماعي، وأحيانًا في إدارة الخطاب العام. لا يتم الأمر عبر اقتحام مباشر للخصوصية، بل عبر تتبع “أنماط السلوك”.
بهذا المعنى، لا تُراقب أفكارنا بقدر ما تُرصد احتمالاتنا.
التحول الأخطر هنا أن السلوك البشري أصبح مادة قابلة للتوقع بدرجة عالية. وإذا كان الإنسان يُعرّف تاريخيًا بقدرته على الاختيار والمفاجأة، فماذا يتبقى من مفهوم الحرية حين تصبح قراراته قابلة للتنبؤ؟
ثانيًا: المراقبة الذاتية
لكن الوجه الأكثر تعقيدًا للمسألة لا يكمن في المؤسسات فقط، بل فينا نحن.
المستخدم يعيد صياغة ذاته وفق ما يظنه مقبولًا رقميًا. يحذف، يعدّل، ينتقي، ويتجنب. يمارس رقابة داخلية مستمرة خشية فقدان القبول أو التعرض للهجوم.
هنا تتحول الرقابة من سلطة خارجية إلى سلطة داخلية.
لا يعود الفرد مُراقَبًا فقط؛ بل يصبح مراقبًا لنفسه.
بهذا المعنى، لا تُفرض المراقبة علينا بالكامل… بل نشارك في بنائها.
الفقاعة الرقمية وإعادة هندسة الإدراك
تعتمد المنصات على خوارزميات تُخصص المحتوى بناءً على السلوك السابق. النتيجة ما يُعرف بـ “فقاعة التصفية”، حيث يتعرض الفرد لآراء تشبهه، فتتعزز قناعاته ويضعف الاحتكاك الفكري.
الدراسات تشير إلى أن هذه الآليات تُعمّق الاستقطاب. لكن التأثير الأعمق لا يقتصر على الانقسام السياسي، بل يمتد إلى تشكيل الإدراك ذاته. فالخوارزمية لا تعكس أهواءنا فقط؛ بل تساهم في صناعتها، عبر التكرار والترجيح والتضخيم.
السؤال هنا وجودي بقدر ما هو اجتماعي:
هل الهوية ما نعيشه في الداخل، أم ما تُعيد الخوارزمية عرضه علينا باستمرار؟
الصحة النفسية: القياس بدل المعنى
في فضاء التمرير اللامتناهي، يتحول الدماغ إلى متلقٍ دائم لمحفزات قصيرة الأمد. جرعات متكررة من المكافأة اللحظية تجعل التحقق من الهاتف سلوكًا شبه قهري.
تشير تقارير حديثة إلى تزايد إدراك المراهقين للآثار السلبية للمنصات، سواء على أقرانهم أو على صحتهم النفسية الشخصية. كما ترتبط الساعات الطويلة من الاستخدام بارتفاع احتمالات القلق والاكتئاب.
ظاهرة “FOMO” مثال واضح: مقارنة الحياة اليومية بلحظات استثنائية مُفلترة بعناية.
النتيجة ليست مجرد غيرة عابرة، بل إعادة تشكيل لصورة الذات وفق منطق القياس والمقارنة.
جيلٌ كامل يتعلم أن يقيس قيمته بعدد التفاعلات.
سؤال الحرية في عصر الخوارزمية
ليست المنصات شرًا مطلقًا، ولا نعمة خالصة. إنها بنية اجتماعية جديدة أعادت تعريف العلاقة، والهوية، والخصوصية. لكنها في الوقت نفسه نقلت المراقبة من كونها أداة استثنائية إلى كونها شرطًا بنيويًا للحياة الرقمية.
المفارقة أن الحرية الرقمية تبدو في أوجها — قدرة على التعبير، والنشر، والوصول — بينما تعمل في الخلفية أنظمة دقيقة ترسم حدود ما نراه وما يُبرز لنا.
هل الحرية هي القدرة على الكلام؟
أم القدرة على اختيار ما لا يُملى علينا؟
خاتمة: بين الوعي والمصفوفة
ربما لم تعد وسائل التواصل مجرد أدوات نستخدمها، بل أصبحت بيئة إدراكية نتشكل داخلها. نحن لا نحمل هواتفنا فقط؛ بل نحمل نسخًا رقمية منا تُقاس، وتُحلل، وتُتوقع.
المسألة لم تعد:
هل يتم التجسس علينا؟
بل أصبحت:
كيف نعيش في عالم تُرصد فيه احتمالاتنا باستمرار — ونشارك نحن في هذه المراقبة؟
الفرق بين “المقهى العالمي” و”المصيدة الرقمية” لا يكمن في التقنية ذاتها، بل في درجة وعينا بموقعنا داخلها.
فإما أن نظل فاعلين داخل المنظومة،
أو نتحول — بهدوء — إلى بيانات تتعلم كيف تتنفس وفق إيقاع الخوارزمية



#منذر_ابو_حلتم (هاشتاغ)       #          


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- سؤال الأرض
- وأزرع ثورتي فيكم
- صافرات الموت في ليل المرافئ
- عندما ينام البرق في الجبال
- شيء اسمه الشمس
- وعد الشرق
- جغرافيا -الديكور-: حينما يرحل السيد ويبقى الصراع على الفتات
- مقبرة الضوء
- طبول الحرب في الشرق الأوسط استراتيجية -الضغط الأقصى العسكري- ...
- على حافة الانفجار: مغامرة ترامب أم رهان طهران على الزمن؟
- ليل طويل .. وقصص اخرى
- جرينلاند: جزيرة الجليد التي أشعلت صراع القوى الكبرى
- انت .... مرة أخرى
- افول عصر الورق : من الكيان العضوي الى المكتبة الكونية
- مدن الماء
- ما روته الظلال
- غيم رمادي وشمس باردة
- زلزال 2026: هل يشهد الشرق الأوسط ولادة نظام عالمي جديد من رح ...
- وجوه الغيم
- ما رواه الصداع


المزيد.....




- إعلام إيراني: الحرس الثوري يعد -خططًا خاصة- لإسرائيل وحلفائه ...
- إيران: لسنا بحاجة لزرع ألغام لنؤكد سيطرتنا على مضيق هرمز
- مسؤول باكستاني: إسلام آباد -مستعدة- لاستضافة محادثات تضم إير ...
- إسرائيل توسّع هجماتها في لبنان.. استهداف جسر -الدلافة- الحيو ...
- قتلى في مستشفى الضعين بالسودان وتبادل اتهامات بين الجيش والد ...
- ترامب يؤكد وطهران تنفي إجراء محادثات.. مع من تتفاوض واشنطن إ ...
- إيـران: هل قـرر تـرامـب تـخـفـيـف الـتـصـعـيـد؟
- بعد حديثه عن اتفاق محتمل مع إيران.. دبلوماسي مصري يحذّر من - ...
- لبنان.. إسرائيل تدمر جسور الليطاني وحزب الله يرد بالصواريخ و ...
- السوداني: التحالف الدولي سينسحب من العراق في سبتمبر المقبل


المزيد.....

- قواعد الأمة ووسائل الهمة / أحمد حيدر
- علم العلم- الفصل الرابع نظرية المعرفة / منذر خدام
- قصة الإنسان العراقي.. محاولة لفهم الشخصية العراقية في ضوء مف ... / محمد اسماعيل السراي
- الثقافة العربية الصفراء / د. خالد زغريت
- الأنساق الثقافية للأسطورة في القصة النسوية / د. خالد زغريت
- الثقافة العربية الصفراء / د. خالد زغريت
- الفاكهة الرجيمة في شعر أدونيس / د. خالد زغريت
- المفاعلة الجزمية لتحرير العقل العربي المعاق / اسم المبادرتين ... / أمين أحمد ثابت
- في مدى نظريات علم الجمال دراسات تطبيقية في الأدب العربي / د. خالد زغريت
- الحفر على أمواج العاصي / د. خالد زغريت


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - قضايا ثقافية - منذر ابو حلتم - المقهى العالمي أم المصيدة الرقمية؟ تشريح لظاهرة وسائل التواصل الاجتماعي