أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - ذياب فهد الطائي - مزامير الماء / رواية/ الفصل الحادي عشر















المزيد.....

مزامير الماء / رواية/ الفصل الحادي عشر


ذياب فهد الطائي

الحوار المتمدن-العدد: 8654 - 2026 / 3 / 22 - 02:50
المحور: الادب والفن
    


أشعرُ أنّي أُعمِلُ عقلي في مواضيعَ متباينةٍ، لا تقفُ عند حدودِ ما أُعانيه من وحدةٍ تُبعِثُ على الجنون، ولا عند مساحةِ المدّةِ التي سأقضيها هنا، بل في أمورٍ تتعلّقُ بمستقبلي أيضًا.
وأحيانًا أُحدِّثُ سوسن، وأشعرُ أنّي أسمعُها.
كان الوقتُ ثابتًا لديَّ، فالغرفةُ الضيّقةُ التي يعبرُها تيّارٌ ضعيفٌ من فتحةٍ في البابِ الحديديّة إلى شُبّاكٍ صغيرٍ، تسكنُها رائحةٌ عَطِنةٌ وصمتٌ ثقيل.
الفضلاتُ يُسمَحُ لي بتفريغها في المرافقِ الصحيّةِ مرّةً واحدةً في اليوم.
في البدايةِ كان الأمرُ عذابًا، وأتعرّضُ للتقيّؤ، والأصعبُ من ذلك كان الموافقةَ – بعد أكثرَ من شهرين – على توفيرِ غِياراتٍ.
أعطيتُ عنوانَ سوسن للحرسِ القومي، فأرسلوا أحدَ مُنتسبيهم برسالةٍ شفهيّة، إذ رفضوا أن أكتبَ رسالةً، حتّى لو كانت مفتوحة.
أشعرُ في كثيرٍ من الأوقاتِ أنّي أختنق؛ فالجدرانُ الإسمنتيّةُ تَنِزُّ حرارةً، وأُضطرُّ أن أبقى بالملابسِ الداخليّة.
أمس فقط انتبهتُ إلى أنّي خسرتُ نصفَ وزني تقريبًا، وأنّ وجهي بدَتْ عليه بوادرُ شيخوخةٍ مُبكّرة.
ماذا سأقولُ لسوسن؟
بعد أكثرَ من شهرين من التوسّلاتِ المُذلّة لتوفيرِ غِياراتٍ داخليّة، قالوا: "أعطِنا عنوانًا في بغداد لنتّصلَ بهم لتأمينِ ما تريد."
كتبتُ رسالةً إلى سوسن مع عنوانِ منزلِهم، ولكنّ الحرسَ القوميَّ المكلّفَ بالمهمّة قال: "لا رسائلَ مكتوبة، العنوانُ فقط، أمّا الرسالةُ فشفهيّة."

بعد يومين أعطاني رُزمةً من غِياراتٍ داخليّة وبيجامتَيْن كانتا أكبرَ من حجمي.
عذرتُ سوسن، فهي لا تعرفُ أنّي غيري الآن.
قال الحرسُ القوميّ: لقد كانت فرِحةً بأنّك ما تزالُ حيًّا... وجّهتْ لي أسئلةً مختلفةً، ولكنّي لم أُعلِمْها غيرَ أنّك ما تزالُ بانتظارِ المحاكمة.
ومن أجلِ توفيرِ الملابسِ ذهبنا إلى السوق، وبعد شرائها أصرّت أن نتناولَ الطعامَ في مطعمٍ صغير.
كانت لطيفةً في تعاملِها، وبدَتْ فرِحةً مع لمحةِ حُزنٍ عميقة.
سألتُه: في أيِّ يومٍ نحن؟
قال: "في نهايةِ أكتوبر.
قلتُ: "من عامِ 1963 نفسه؟
استغربَ بنظرةٍ متسائلةٍ وقال: نعم، بالتأكيد.
أتذكّرُ حين فُتح بابُ الزنزانةِ، كنتُ أجلسُ مقابلَ النافذةِ الصغيرةِ التي تُريني أشعّةَ الشمس، لا الشمسَ ذاتَها.
كنتُ أجلسُ على الأرضِ الخشِنة، أشعرُ بأنّ جسدي لم يعُدْ جسدي، بل غلافٌ مُتعبٌ تكدّسَ عليه الغبارُ ورائحةُ العزلة.
كانت القطعةُ الملتصقةُ بجلدي جزءًا منه، تحملُ عَرَقَه، وأنينَ لياليه، وصمتَه الطويل.

حين دخل الحارسُ يحملُ الكيسَ الصغير، لم أُصدّقْ في البدايةِ أنّ تلك الأشياءَ البسيطةَ تخصّني.
تعلّقتْ نظراتي بالقماشِ النظيف كما لو أنّه نافذةٌ تُطلُّ على حياةٍ أخرى.
فتحتُ الكيسَ ببطء، أَشُمُّ رائحةَ سوسن التي رتّبتْها بعناية.
تأمّلتُ البيجامتَيْن وكأنّهما وعدٌ بالراحة، بالدفءِ، بشيءٍ من الكرامةِ التي سُلِبتْ منّي مع أوّلِ ليلةٍ في المعتقل.
لامستُ بأصابعي القطنَ الناعم، فأحسستُ كأنّي ألمسُ الحنانَ ذاته.
شعرتُ أنّ هذه القطعَ ليست مجرّدَ ثيابٍ، بل رسالةٌ صامتةٌ تقول: أنتَ ما زلتَ إنسانًا، وما زلتَ محبوبًا.
حين ارتديتُ الملابسَ الجديدة، شعرتُ أنّ جسدي يتنفّس، وأنّ جلدي يعودُ إلى الحياة.
وكأنّ في كلِّ خيطٍ منها دفعةَ أملٍ صغيرة، تبعثُه من رمادِه، وتُذكّرني أنّ خلفَ الأسوارِ هناك مَن ينتظرُني، ومَن يفكّرُ بي، ومَن يغسلُ وجعي بالصبر.
جلستُ بعدها، أُغمِضُ عينيَّ وأبتسمُ.
لم تكن ابتسامةَ فرحٍ، بل امتنانٍ عميقٍ لأنّ قطعةَ قماشٍ نظيفةٍ أعادتْ لي شعورَ الإنسانِ الذي كدتُ أنساه.
الاغتسالُ والملابسُ النظيفةُ بعثا فيَّ مشاعرَ هادئةً أقربَ إلى الرضا والارتياح.
شعرتُ أنّ ذهني أكثرُ صفاءً، وكنتُ أرى أنّ السياسةَ صناعةٌ، وأنّ لها رجالَها في اختصاصٍ، وكنتُ على قناعةٍ أنّ إنسانًا يبحثُ عن منافذَ لمساعدةِ المجتمعِ لن يكونَ بالضرورةِ من أولئك الرجال، مثلُ حالتي.
ولهذا لم أنخرطْ في أيِّ نشاطٍ سياسيّ، ولكنّي أرى اليومَ أنّ السياسةَ هي التي تقودُ المجتمعَ إمّا إلى الخرابِ أو إلى البناء.
وما حصل من خصامٍ دمويٍّ بين الصديقَيْن قاسم وعارف شاهدٌ على ما توصّلتُ إليه.
كما أنّ السياسةَ قد تتضمّنُ – أو بالأحرى تضمُّ – رجالًا يستفيدون منها في التنفيسِ عن عقدِهم النفسيّة، كما حصل معي، وأنّ يحيى واحدٌ من هؤلاء.
لهذا، السياسةُ شأنٌ عامّ، والطبيبُ مثلي لا بدّ أن يكونَ له موقف.
أدهشني ما توصّلتُ إليه، وشعرتُ أنّي بحاجةٍ إلى كتابةِ ذلك لئلّا أعودَ عنه.
لم يكن معي لا قلمٌ ولا ورقة، فتذكّرتُ أنّي قرأتُ مرّةً أنّ السياسيَّ الإيطاليَّ (غرامشي) كتب بأظافره معظمَ آرائه على حائطِ الزنزانة.
لأكتبْ أنا...
بعد أكثرَ من ساعةٍ لم أنجحْ بكتابةِ جملةٍ واحدة، فيما تَقَصَّفتْ أظافري وشعرتُ بالألم.
الأيّامُ تستنسخُ بعضَها كصفحاتٍ مكرّرةٍ في كتابٍ فقد العنوان.
لا شيء يتبدّلُ سوى درجةِ العتمة، ورائحةِ الرطوبةِ التي تتشبّثُ بجدرانِ زنزانتي كذاكرةٍ لا تريدُ أن تَمّحي.
الصمتُ هنا ليس غيابًا للأصوات، بل حضورًا خانقًا لما لا يُقال.
في الليلِ، يجيئني صراخٌ مفجوعٌ يثقبُ سكونَ الجدران، فأرتجفُ دون أن أدري: أهو من الخارجِ أم من داخلي؟
أُصغي إليه كما يُصغي الغريقُ إلى نبضِه الأخير، ثم أستسلمُ وأتركُ الليلَ يطوي صوتَه في الظلام.

كلُّ صباحٍ يأتي كنسخةٍ باهتةٍ من سابقِه، يحملُ ذاتَ الضوءِ الضعيف، وذاتَ الحُلمِ المكسورِ عند حافّةِ الذاكرة.
أعدُّ أنفاسي كما يُحصي السجينُ مواسمَ الغياب، وبودي أن أكتبَ على الجدار:
(ما يزالُ الوقتُ يمشي، لكنّي توقّفتُ منذ زمنٍ طويل.)
كان صباحًا نديًّا، شعرتُ بدفقةِ هواءٍ أنعشتْني حين فتح الحارسُ البابَ ليُعطيني وجبةَ الإفطار.
قلتُ
-ما هو تاريخُ اليوم؟
نظرَ إليَّ باستغرابٍ وقال:
-أنتَ كثيرًا ما تسأل عن التاريخ... هل حلمتَ بموعدٍ مع الملائكة الزرق؟
-لا، ولكن من باب الفضول.
– ربما تنتظرُ أحدًا... من يدري! اليوم هو السابع عشر من تشرين الثاني.
قلت في نفسي: لا أحد، ولكنني أنتظر أمرًا...
راق لي كثيرًا هذا التصوّر؛ لن ينقذني إلا أمرٌ قد يقع، مادامت الصداقاتُ عرضةً للتغيير.
حين جلستُ لتناولِ فطوري، توقّفتُ لحظة، وشاعت ابتسامةٌ على وجهي.
فكرتُ أني أنظرُ إلى الواقع السياسي مثل محلّلي الأخبار: عبد السلام لا يمكن أن يواصلَ المسيرة مع البعث الراغب في الاستيلاء على كامل السلطة، ولكن متى يبدأ الفراق؟ ثم كيف سيؤثّر ذلك على وضعي، ما دامت التهمة المعلقة فوق رأسي أنّي شيوعي، على الرغم منه
كانت هناك حركةٌ غير اعتياديةٍ في النادي الأولمبي طوال الليل.
أصواتٌ تتحدث بارتباكٍ وبعجالة، وحركة صعودٍ إلى سطح النادي، كانت الأحذية تضرب السلالم بقوّة كما لو كانوا يحملون أَثقالًا، كما سمعتُ توقف سيارات ثقيلة تُصدر صوت احتكاك الإطارات بالأسفلت بسبب التوقف المفاجئ.
دار بخاطري أنّهم يُنشئون تحصينات ربما درءًا لمخاطر متوقعة.
في الصباح، وعندما تسلّمتُ الأفكار، كان الحارسُ مرتبكًا، تبدو على ملامحه جديةٌ خائفة، ولا يُداري رجفة يديه.
– هل أنت مريض؟
– لا، وليتني كنتُ مريضًا، لئلّا يقع ما نخشاه.
– سلامتك، وأبعد الله كل مكروه.
– أنت رجلٌ غاية في الطيبة، وأنا أرتاح كلما حدثتك.
ارتفع منسوبُ الشك عندي؛ فهذه اللغة غريبةٌ تمامًا، ولم أسمعها طوال أشهر اعتقالي.
-لقد أقلقتني، ماذا سيحصل؟
قال: – قوات الجيش تتحرّك ضد الحرس القومي وقيادة الحزب.
على نحوٍ مفاجئ، ارتفع من ذاكرتي ما قلته يومًا: إني أنتظر أمرًا... لكن
أغلق الباب بسرعة، وركض نحو الصالة، فقد بدأت زخّات الرصاص المنطلقة من سطح النادي الأولمبي تُسمَع بوضوح في الزنزانة رقم 3.
كانت مشاعر مختلطة تتقاذفني... إلى أين سيقود هذا الصراع؟
فتح الباب فجأة، وعلى غير عادته. كان شابًا ربما في الثامنة عشرة من عمره، يرتدي الزي الرسمي للحرس القومي، لكن وجهه بدا شاحبًا، كأنه ليمونةٍ عُصرت بقوة.
كان يحمل على كتفه رشاشًا صغيرًا أسود، وعلى خصره مسدسًا أوتوماتيكيًا، وحزامًا من الرصاص، كأنه متوجه إلى معركة.
قال بصوتٍ متوتر: – دكتور، جميع المعتقلين مطلوب جمعهم في الصالة.
لفت انتباهي أنّه للمرة الأولى منذ اعتقالي يُنادى عليّ بصفتي الرسمية، وبشيءٍ من الاحترام.
ارتديت ملابسي على عجل وتبعته.
في صالة النادي، كان هناك أحد عشر معتقلاً تقريبًا، يجلسون على كراسٍ موزّعة على شكل دائرة.
دار أحد رجال الحرس بينهم، يحمل صينيةً عليها استكانات شاي يتصاعد منها البخار.
لم نتبادل الحديث؛ كنا نتطلّع في وجوه بعضنا، نحاول أن نقرأ في العيون مقدار الألم.
بدت المجموعة منهكة الأجساد، شاحبة الوجوه، غائرة النظرات، كأنهم معتقلون في أقبية سرية منذ قرون.
كنا نشترك جميعًا في شعورٍ غامضٍ بالشك، نخاف أن تكون خدعةً جديدة.
ومع ذلك، بدأ دفءٌ غريب يتسرّب إلى صدري، كأن إنسانيتي التي كادت تموت بدأت تتنفس من جديد، لكن ظلّ في داخلي وجعٌ دفين.
كنا نترقّب الخطوة التالية، إلى أن دوّت رشقةُ رصاصٍ أصابت واجهة النادي الأولمبي، فارتدّ الخوف إلينا من جديد.
قال أحد الحراس: – ستخرجون من الباب الخلفي، وسيرافقكم اثنان من الحرس القومي لإيصالكم إلى معتقلٍ آمن إلى أن ننهي أمر هذا التمرّد.
كان أحد الحراس يحمل مذياعًا يذيع بيانًا عن سقوط المقر العام للحرس القومي واعتقال بعض أعضاء القيادة وهروب آخرين.
ارتسمت على وجوهنا علامات ارتياحٍ حذر، وتبادلنا نظراتٍ متواطئة لا تحتاج إلى كلام.
أشار إلينا الحارس بالتحرك، فرافَقنا شابان من الحرس، واضحٌ عليهما الخوف.
كان أحدهما في المقدمة، والآخر خلف المجموعة بخطوتين، وأنا أسير في آخرها.
انفتح البابُ الخلفيُّ على زقاقٍ خالٍ تمامًا من المارّة، وعند الباب كانت تقفُ سيارةٌ صغيرةٌ تتّسعُ لأحدَ عشرَ راكبًا. كُنّا أربعةَ عشرَ مع الحارسين، فحُشِرنا حشرًا داخلها.
سلك السائقُ أزقّةَ الأعظميّة، ثمّ اتّجه إلى الشارعِ العامِّ المؤدّي إلى حيِّ الصليخ.
فوجئنا بالشارع مكتظًّا بسيّاراتِ شحنٍ عسكريّةٍ تتقدّمُ نحو مركزِ بغداد ببطءٍ بسبب الزحام.
الجنودُ يُلوّحون للجماهير الواقفة على الجانبين، والناسُ تردّ بفرحٍ ظاهر، وأحيانًا تمرّ شاحناتٌ تحملُ دباباتٍ يجلسُ طاقمُها على الجوانب.
أكثرُ من نصفِ ساعةٍ ونحن لم نقطعْ سوى نصفِ كيلومترٍ واحد.
التفت أحدُ الحارسين نحونا وقال:
– أنا مضطرٌّ للمغادرة... أمي وحدها في البيت، وقد تسمع الأخبار، ولهذا عليَّ أن أذهب.
لم نعلّق، لكن السائق قال بهدوء:
-يمكنك ذلك، فقد تقلق عليك.
قال الحارسُ متردّدًا:
-وماذا عن الرشّاش؟
ردّ السائق مبتسمًا:
-اتركه عند رفيقك.
شعرتُ بالدهشة من برودةِ أعصابِ السائقِ وعدمِ جديّته في موقفٍ كهذا.
قال الحارسُ الثاني:
-رفيقي محمّد، الرشّاش تحت المقعد.
غادر الحارسُ مسرعًا وضاع في الزحام.
التفت السائقُ، وكان شابًّا في الثلاثين تقريبًا، حنطيَّ البشرة، وسيمَ الملامح، في عينيه نظرةٌ ثابتةٌ تُنبئُ بجرأةٍ غريبة.
قال موجِّهًا كلامه إلى الحارسِ الآخر:
-رفيقي، أعتقدُ من أجل سلامتك يجب أن تغادر. الأجواءُ عدائيّة، سواءٌ من العسكر أو من الجمهور، ولن يتركوكم وشأنكم، خصوصًا وأنت ترتدي زيَّ الحرسِ القوميّ.
التَمَعَتْ عينا الحارس بخوفٍ حادٍّ وقال:
-ولكن كيف أغادر؟ ملابسي تفضحني، وهذا السلاح، ماذا أفعل به؟
قال السائقُ بعد تفكيرٍ قصير:
-حسنًا، السلاحُ تتركه عندي، والملابسُ يمكنك تغطيتُها بجاكيت أحد الإخوة، ولا أظنّهم يبخلون عليك بها.
بدا الحارسُ متردّدًا ومرتبكًا.
-هل تعدني بإعادةِ السلاح إلى الحرس القوميّ؟ إنّه مُسجَّلٌ باسمي.
– طبعًا، أعدك.
ترك الرشّاشَ والمسدّسَ تحت المقعد، وارتدى الجاكيتَ على مضضٍ، فقد كان أكبرَ من حجمه.
تحرّكنا باتجاهِ الصليخ، وعند التقاطع أشارَ جنديٌّ بإيقاف السيارة وهو يُلوّحُ ببندقيته:
– على اليمين، وأطفئِ المحرّك، لأنّ سريّةَ الدبّابات تتقدّم إلى بغداد.
قال السائق بهدوء:
-شباب، يمكنكم المغادرة.
حتّى تلك اللحظة كان كلّ شيءٍ مُربكًا، ولم نتبادل أيّ كلمة.
تبادلنا نظراتٍ متسائلةً، وبدأنا بالنزول.
تأخّرتُ حائرًا.
قال السائق مبتسمًا:
-وأنتَ يا ابنَ العم؟
قلتُ:
-لا أعرفُ إلى أين أذهب. كنتُ أسكن في مدينةِ الطبّ، وبعد اعتقالي شغَل مكاني طبيبٌ آخر.
التفت نحوي بدهشةٍ وقال:
-هل أنتَ دكتور؟
-نعم.
-وأين أهلك؟ فقد أستطيعُ إيصالك إليهم.
-في الناصرية.
ضحك بخفّةٍ وقال:
-عطشان وأشربك ماي باثنين إيديه! لا أستطيع ذلك، المسافة بعيدة. لكن، أَلديكَ أصدقاءُ هنا؟
قفز إلى ذهني اسمُ سوسن، وتذكّرتُ أنّ أخاها باسل لم يكن متعاطفًا مع البعث.
-نعم، لديّ عائلةٌ صديقةٌ في الأعظميّة.
-لا بأس، استرح، وعندما يُفتحُ الطريقُ نعود.
-وماذا عن الأجرة؟
-لا عليك، ما حصلتُ عليه يُعادلُ أجرةَ أسبوعٍ كامل.
ثمّ أضاف وهو يبتسم:
-انتبه، فقد يوقفُنا بعضُ رجالِ السيطرة الذين أُنشئت نقاطُهم على عَجَل، وقد يسألونك عن هويتك. هل تملك أيَّ مستندٍ رسميّ؟
قلتُ بأسفٍ:
-لا، فقد جُرِّدتُ منها أوّلَ يومٍ لاعتقالي.
-هل أنتَ شيوعيّ؟
-لا.
صمتَ السائقُ لحظةً، ثمّ قال:
-حسنًا، إذا سُئلتَ عن الهويّة فقلْ إنك كنتَ في عجلةٍ لاستئجارِ سيارةٍ لنقلِ زوجتك التي فاجأها الطلقُ إلى المستشفى... فكرةٌ مدهشة، أليس كذلك؟
ثمّ ضحك وأضاف:
-السواقُ أيضًا مفكّرون.









#ذياب_فهد_الطائي (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- مزامير الماء /رواية / الفصل العاشر
- مزامير الماء/رواية /الفصل التاسع
- النتائج العملية لتراكم رأس المال في صناعات تكنولوجيا المعلوم ...
- مزامير الماء / رواية /الفصل القامن
- مزامير الماء /رواية / الفصل السابع
- مزامير الماء /رواية / الفصل السادس
- مزامير الماء /رواية /الفصل الخامس
- مزامير الماء/رواية /الفصل الرابع
- مزامير الماء / رواية / الفصل الرابع
- مزامير الماء /رواية / الفصل الثالث
- مزامير الماء / رواية / الفصل الثاني
- مزامير الماء رواية /الفصل الاول
- قمري
- النبوءة السوداء
- رواية البحث عن بطل للكاتب السعودي خالد سعيد الداموك
- لماذا هزمنا
- قراءة في كتاب
- . الممهدات الاجتماعية والسياسية والفكرية لولادة الحزب- الحزب ...
- الرجل الذي نظر الى قدميه
- شيئ قد لايكون حقيقة


المزيد.....




- ألف حكاية شعبية من الفيوم.. سر الذاكرة المصرية المنسية
- الحرب كـ -لعبة فيديو-.. كيف يسوق البيت الأبيض الصراع مع إيرا ...
- التشيع العربي والفارسي تاريخياً
- من “أسلحة الدمار الشامل” إلى “النووي الإيراني”.. بعد 23 عام ...
- معركة الكرامة: حكاية آخر مواجهة اتحد فيها المقاتلون الفلسطين ...
- الروبوت أولاف.. كأنّه قفز من شاشة فيلم لشدة واقعيّته
- يورغن هابرماس.. فيلسوف الحوار الذي صمت حين كان الكلام أوجب
- وفاة نجم أفلام الحركة والفنون القتالية تشاك نوريس
- ماذا يفعل الأدباء في زمن الحرب؟
- حينما أنهض من موتي


المزيد.....

- رحلتي في ذاكرة الأدب / عائد ماجد
- فن الكتابة للعلاقات العامة من التحرير الى صياغة الحملات الال ... / أقبال المؤمن
- الرسائل الاعلامية و الادبية من المعنى الى التأثير / أقبال المؤمن
- إمام العشاق / كمال التاغوتي
- كتابات نقدية ماركسية(العمل الفني في عصر الاستنساخ الآلي) وال ... / عبدالرؤوف بطيخ
- المقدِّماتُ التحقيقيّةُ لشيوخِ المحقِّقين / ياسر جابر الجمَّال
- اعترافات السيد حافظ والأصدقاء ما وراء الكواليس الجزء الأو ... / السيد حافظ
- أحافير شاب يحتضر / المستنير الحازمي
- جدلية المنجل والسنبلة: مقولات وشذرات / حسين جداونه
- نزيف أُسَري / عبد الباقي يوسف


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - ذياب فهد الطائي - مزامير الماء / رواية/ الفصل الحادي عشر