|
|
منطق الحرب « نحن - و - هم-
سعود سالم
كاتب وفنان تشكيلي
(Saoud Salem)
الحوار المتمدن-العدد: 8652 - 2026 / 3 / 20 - 13:36
المحور:
مواضيع وابحاث سياسية
الحرب على إيران "نحن ـ هم" 2 - منطق الهوية والعدو: السياسة بوصفها صناعة اختلاف جذري بين "نحن ـ هم" يمكن تعريف السياسة باعتبارها تمييزًا بين “الصديق” و“العدو” فيما يخص العلاقات الدولية، مما يسمح بعقد التحالفات والمعاهدات المختلفة. والحرب، في هذه الحالة ليست نتيجة خلاف مصالح مباشرة، بل تتويجٌ لبناءٍ هويّاتي تكون على مدى سنوات عديدة من قِبل منظومة فكرية وسياسية مهيمنة على كل وسائل التأثير والبناء الفكري والإعلامي، تكون الآخر كعدو أو كحليف أو كصديق. هذا البناء يكوّن العالم في محورين، "نحن وهم"، وبالتالي يكون الآخر كتهديد وجودي لا كمجرد منافس سياسي أو إقتصادي. في هذا الإطار، إسرائيل تُعرِّف أمنها بوصفه مسألة وجودية مرتبطة بذاكرة أسطورية، تحولت تدريجيا، عن طريق العمل المستمر والدائب للصهيونية، إلى ذاكرة تاريخية عميقة، وإن تناست أنها قائمة أصلا على نفي الفلسطيني الذي فقد وجوده وأرضه، وبالتالي تعتبر إسرائيل كل العرب أعداء لها، لأن وجودهم يهدد مشروعها الإستيطاني. أما إيران فتُعرِّف نفسها بوصفها مشروعًا حضاريًا ثوريًا يتحدى النظام الدولي السائد ويريد بناء مجتمع إسلامي قائم على أسطورة الإمام المنتظر الذي سينقذ البشرية من الظلم والإضطهاد، وتعتبر إسرائيل وأمريكا وحلفائها من الدول الإسلامية الأخرى الغير شيعية بمثابة الأعداء. أما الولايات المتحدة وأوروبا فإنها تؤطر الصراع ضمن ثنائية “النظام الرأسمالي الليبرالي” ضد “القوى الشمولية” أو الديموقراطية ضد الدكتاتورية المتمثلة في كل من لايقبل منطق الهيمنة الأمريكية الإقتصادية والعسكرية. وهكذا حين يتحول التعارض إلى اختلاف رمزي يتعلق بالهوية وبرؤية العالم، يصبح التنازل خيانة للذات، وتصبح الحرب دفاعًا عن معنى الوجود لا عن مصلحة محدودة. وتصبح الحرب العمود الفقري للمجتمع الذي يمكن تبرير كل المشاريع السياسية ويحدد إستراتيجية الدولة بإعتبارها صراع حضارات متناقضة. 3 - فلسفة الاعتراف الجيوسياسية الصراع المسلح إذا هو لحظة من لحظات العلاقات الدولية المعقدة، ينشأ حين تسعى ذوات سياسية لبناء علاقات دولية وإقتصادية مع كيانات سياسية اخرى وذلك للاعتراف المتبادل بشرعيتها وسيادتها وإمكانية التعاون والتبادل التجاري والفكري بينها. إذا فشل هذا الاعتراف لسبب م الأسباب، تتطور هذه العلاقات إلى صراع يتطلب ضرورة فرض هذا الاعتراف بواسطة قوة الجيش والمدافع. فإيران تطالب بالإعتراف بشرعية دورها الإقليمي كقوة مستقلة غير خاضعة، وحقها في إمتلاك الأسلحة المناسبة للدفاع عن كيانها وكذلك حقها في إدارة الدولة حسب المباديء والقيم الخاصة بها. أما إسرائيل فإنها لا تطالب باعتراف غير مشروط بشرعيتها وأمنها، بل تفرض هذا الإعتراف بالقوة متأكدة من عدم وجود من يعارض مشاريعها التوسعية لا في أوروبا ولا في أمريكا، مستغلة ما تعرض له اليهود من إضطهاد وإبادة جماعية أثناء الحرب العالمية من قِبل النظام الهتلري لتبرير غطرستها المدمرة. ودول الخليج تسعى للاعتراف بسيادتها واستقرارها في بيئة إقليمية مضطربة، وينبطح شيوخها وأمرائها وملوكها أمام أمريكا طلبا للحماية ولبقاء رؤوسهم المعممة فوق أكتافهم، متناسين أن مجرد إنحيازهم لأمريكا وإسرائيل يعرضهم لغضب وثورة شعوبهم الذين يرفضون هذا الإنحياز. وتبقى الولايات المتحدة تلعب دور « الشريف » كما في أفلام هوليوود، الوحيد الذي له حق حمل السلاح، ومساعده "إسرائيل" ليحل محل النظام الدولي ويفرض قوانينه على الكرة الأرضية قاطبة. فعندما لا يتحقق الاعتراف المتبادل بحق الوجود الشرعي، يتحول الصراع إلى “جدل سيادة”، من يحدد قواعد اللعبة؟ من يمتلك حق تعريف الشرعية؟ ومن هو القادر على فرض رؤيته بقوة السلاح؟ إنه بكل بساطة قانون الفتوة الأزلي أو البلطجية والذي يسمى بطريقة خاطئة « نظام الغابة ». 4 - الأخلاق السياسية بين الواقعية والمثالية يمكن أيضا قراءة الصراع المسلح من خلال التوتر بين وجهتي نظر متعارضتين من الناحية الأخلاقية. ما يسمى أخلاق المسؤولية (كما عند ماكس فيبر)، القرار السياسي يُقاس بنتائجه الواقعية، حتى لو استدعى استخدام وسائل مشبوهة وغير قانونية، وهو نوع من الميكيافيلية المعاصرة التي تهتم بالنتائج وتغض الطرف عن الوسائل المستعملة، حتى في حالة تناقضها الصارخ مع الأهداف المعلنة. مثل فرض ما يسمى بالديموقراطية بقوة القنابل وحاملات الطائرات والإحتلال العسكري، أو فرض « الحرية » على الشعوب بالإنقلابات العسكرية وقوة التدخلات الأجنبية. ثم هناك ما يمكن تسميته بأخلاق القناعة الأيديولوجية، حيث تُقدَّم المبادئ العقائدية أو الدينية أو الوطنية كمرجعية عليا للمجتمع وكخطوط حمراء لا يمكن تجاوزها، ويجب الدفاع عنها حتى ولو كانت هذه القناعات والمباديء مجرد أساطير وخرافات وتاريخ مزيف. حين تتواجه دول تُؤطِّر نفسها كمشاريع أيديولوجية متناقضة بالضرورة، تتطور تدريجيا هذه المشاريع العقائدية إلى مشاريع أمنية وجودية، ويصبح كل طرف مقتنعًا بأن « العنف » دفاع أخلاقي مشروع. 5 - الحرب بوصفها لحظة إعادة تأسيس للمعنى الصراعات الكبرى تكشف إرادة القوة الكامنة خلف الخطابات الأخلاقية - فريدريك نيتشه - ، وفي لحظات الأزمات الكبرى، تتعرّى الخطابات ويظهر السؤال الحقيقي العملي وهو من يملك الإرادة والقدرة على فرض تفسيره للواقع؟ الحرب - في هذا المنظور - ليست فقط صدام قوى عسكرية أو إقتصادية متناقضة المصالح، بل صدام تأويلات فكرية وفلسفية: تأويلٌ لمعنى العدالة، تأويلٌ لمعنى الأمن ومعنى الحرية ومعنى الديموقراطية ومعنى الإرهاب والمقاومة إلخ، ثم تأويل وإعادة صياغة السرد التاريخي ليتلائم مع الأهداف المعلنة للدولة. 6 - البعد النفسي-الرمزي المتمثل في ظاهرة الخوف والذاكرة المتعلقة بالسرد الذي ترتكز عليه الهوية الإجتماعية، وبالتالي لا يمكن فصل أي صراع وجودي عن الذاكرة الجمعية: ذاكرة الاضطهاد ونضالات التحرير والتهديد الوجودي. ذاكرة الهيمنة والتدخلات الخارجية. ذاكرة الثورات والانقلابات. وأيضا ذاكرة العصور الذهبية للأمجاد الغابرة المتخيلة والمبالغ في تقديسها. والفيلسوف بول ريكور يتحدث عن “سياسات الذاكرة”: حين تُستخدم الذاكرة لتشكيل الحاضر وتغييبه كما هو الحال في ذاكرة المحرقة بالنسبة لإسرائيل، أو ذاكرة الجيل الأول للعرب المسلمين. الحرب قد تكون - في عمقها- صراع سرديات حول الماضي بقدر ما هي صراع مصالح مؤقتة حول الحاضر. إذا تجاوزنا التحاليل الجيوسياسة والإقتصادية المباشرة، يمكن فهم الحرب التي شنتها إسرائيل - بدعم أمريكي وأوروبي وخليجي- على إيران بوصفها صراع هويات فكرية متناقضة غير قابلة للتوفيق، وأزمة تتعلق بغياب اعتراف متبادل حول الشرعية والسيادة والعدالة. وك,لك كتصادم أخلاقي بين رؤى مختلفة للعلاقات الدولية بخصوص العدالة والأمن والشرعية. تنافسًا على تعريف المعنى الإقليمي للأمن والنظام الدولي. إعادة إنتاج لذاكرات جماعية وتاريخ مشترك غير واضح المعالم. الحرب، في هذا التحليل، ليست حادثًا طارئًا بل نتيجة بنية ذهنية - رمزية تتغذى على الخوف، والكراهية والعنصرية، والهوية المزيفة، والإقصاء. فالعروبة والصهيونية، هويات حديثة مصطنعة وظفتها فرنسا وبريطانيا من أجل السيطرة على المنطقة فكريا وإقتصاديا، وماتزال تستحضر يوميا في السرد الثقافي والإعلامي العربي والإسلامي والصهيوني. بغض النظر عن هذه الإعتبارات السيكولوجية، يبدو من الضرورة التسائل عن ماهية هذه البنية السلطوية ـ الرأسمالية التي تجعل الحرب خيارًا عقلانيًا ممكنا؟ يتبع
#سعود_سالم (هاشتاغ)
Saoud_Salem#
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟
رأيكم مهم للجميع
- شارك في الحوار
والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة
التعليقات من خلال
الموقع نرجو النقر
على - تعليقات الحوار
المتمدن -
|
|
|
|
نسخة قابلة للطباعة
|
ارسل هذا الموضوع الى صديق
|
حفظ - ورد
|
حفظ
|
بحث
|
إضافة إلى المفضلة
|
للاتصال بالكاتب-ة
عدد الموضوعات المقروءة في الموقع الى الان : 4,294,967,295
|
-
إسرائيل وعقدة إيران
-
الأشياء الصغيرة
-
فشل التمرد
-
ثورة ديسمبر
-
الإعداد لتمرد ديسمبر
-
الرؤيا
-
الكتابة
-
الموجيك والثورة العدمية
-
رقصة الموت
-
بوغاتشيف وتمرد القوزاق
-
قلعة بطرس وبول المرعبة
-
عيون اوفيليا
-
مقاطع
-
ثمن العودة
-
الجيش الأمريكي والسيطرة على الكرة الأرضية
-
كل عام وأنتم بخير
-
مزايا الجيوش وصناعة الحرب
-
الصفحة البيضاء
-
حوار مع سعود سالم
-
الثقب السادس
المزيد.....
-
جاستن تمبرليك يواجه صعوبة في اختبار الرصانة بعد توقيف مروري.
...
-
السعودية تطلب من الملحق العسكري الإيراني وأعضاء في البعثة -ا
...
-
فيديو منسوب لـ-حريق في ديمونا جراء صاروخ باليستي إيراني-.. م
...
-
موقع أمريكي يكشف عن شروط أمريكا وإيران لإنهاء الحرب
-
طهران تؤكد أن استهداف ديمونة رد على الهجوم على منشأة نطنز
-
الإخوة أبو شعر.. مدرسة الإنشاد الشامي
-
هل تمتلك أوروبا وأمريكا القدرة على مواجهة الألغام الإيرانية
...
-
خبيران عسكريان: ديمونة هدف إستراتيجي في معادلة الردع الجديدة
...
-
ترمب يناقض ترمب بشأن إيران خلال 24 ساعة
-
حزب الله يوسّع نطاق هجماته ويضرب مواقع عسكرية بإسرائيل
المزيد.....
-
بين نار الإمبريالية وقيد السلطة: مهمة الماركسيين في زمن الحر
...
/ رياض الشرايطي
-
أطلانتس
/ فؤاد أحمد عايش
-
أطلانتس
/ فؤاد أحمد عايش
-
حوار مع الشاعر و المفكر السياسي رياض الشرايطي. حاوره بشير ال
...
/ بشير الحامدي
-
السياسة بعد موت الأقنعة: حين تتحول القوة إلى لغة وحيدة.
/ رياض الشرايطي
-
مقاربة تقييمية لليسار التونسي بعد الثورة
/ هشام نوار
-
من مذكرات شيوعي أردني جهاد حمدان بين عامين: 1970-1972
/ جهاد حمدان
-
المواطن المغيب: غلاء المعيشة، النقابات الممزقة، والصمت السيا
...
/ رياض الشرايطي
-
حين يصبح الوعي عبئا: ملاحظات في العجز العربي عن تحويل المعرف
...
/ رياض الشرايطي
-
الحزب والدين بوصفه ساحة صراع طبقي من سوء الفهم التاريخي إلى
...
/ علي طبله
المزيد.....
|