|
|
أُرْخَبِيلُ المَحْوِ... فِي مَأْدُبَةِ الرَّمَادِ- نَصٌّ مِيتَا سُرْيَالِي
غالب المسعودي
(Galb Masudi)
الحوار المتمدن-العدد: 8652 - 2026 / 3 / 20 - 11:56
المحور:
الادب والفن
فِي الفَرَاغِ المُمْتَدِّ بَيْنَ "كَانَ" وَ "لَنْ يَكُونَ" حَيْثُ الزَّمَنُ ثَقْبٌ أَسْوَدُ فِي خَاصِرَةِ الذَّاكِرَةِ، أَقِفُ عَلَى حَافَّةِ حُلْمِي.. لَا يَسْكُنُهُ النَّوْمُ. هُنَا، الشَّوَارِعُ خُيُوطٌ مِنْ حَرِيرٍ مُحْتَرِقٍ وَالبُيُوتُ مَرَايَا تَعْكِسُ وُجُوهًا لَمْ نَأْلَفْهَا، أَضَعْتُ قَلْبِي فِي حَقِيبَةِ مُسَافِرٍ نَسِيَ مَحَطَّتَهُ فَصَارَ الضَّيَاعُ بُوصَلَةً، وَصَارَ التِّيهُ وَطَنًا مِنْ ضَبَابٍ. لَيْسَتِ الخَيْبَةُ أَنْ تَفْقِدَ الطَّرِيقَ، بَلْ أَنْ تَكْتَشِفَ أَنَّ "الطَّرِيقَ" كَانَ مُجَرَّدَ وَهْمٍ رَسَمَهُ تَشَنُّجٌ فِي عَضَلَةِ الرُّوحِ.
كِيمْيَاءُ الأَلَمِ اللَّذِيذِ فَجْأَةً...! يَقَعُ الِانْقِلَابُ العَظِيمُ، تَتَوَقَّفُ الأَوْجَاعُ عَنْ كَوْنِهَا ثِقْلًا، لِتُصْبِحَ وَقُودًا، تَنْبُتُ لِلْوَجَعِ أَنْيَابٌ مِنْ مَرْمَرٍ، وَشَهِيَّةٌ لَا تَشْبَعُ، أَلَمِي لَمْ يَعُدْ عَدُوِّي؛ لَقَدْ صَارَ عَشِيقِي السَّادِيَّ، أَشْعُرُ بِلَذَّةٍ "شَرِهَةٍ" وَهُوَ يَلْتَهِمُ مَا تَبَقَّى مِنْ مَلَامِحِي، كَأَنَّ التَّدْمِيرَ هُوَ الطَّرِيقَةُ الوَحِيدَةُ لِإِعَادَةِ الخَلْقِ، إِذَنْ لِمَاذَا أَبْنِي قَصْرًا مِنَ الرَّمْلِ، بَيْنَمَا أَسْتَطِيعُ الِاسْتِمْتَاعَ بِرَقْصَةِ الإِعْصَارِ وَهُوَ يَسْحَقُ القُصُورَ؟
قُدَّاسُ الِانْصِهَارِ أَنَا الآنَ الحَرِيقُ، وَأَنَا الحَطَبُ، أَنَا السِّكِّينُ، وَأَنَا الجُرْحُ الَّذِي يَبْتَسِمُ لِلصَّلْبِ، الجَمَالُ هُوَ انْفِجَارُ النُّجُومِ فِي لَحْظَةِ احْتِضَارِهَا...! أَشْرَبُ نَخْبَ ضِيَاعِي مِنْ كَأْسٍ مَكْسُورَةٍ، وَأَتَلَذَّذُ بِمَذَاقِ دَمِي وَهُوَ يَمْتَزِجُ بِنَبِيذِ العَدَمِ. لَا تَبْحَثُوا عَنِّي فِي الوَاقِعِ.
تَرْنِيمَةُ النِّيرْفَانَا الدَّائِرِيَّةِ أَسْكُنُ فِي المَسَافَةِ بَيْنَ الصَّرْخَةِ وَالصَّدَى، لَمْ يَعُدِ الوَجَعُ عَشِيقًا، بَلْ صَارَ "أَنَا"، الشَّهِيَّةُ الشَّرِهَةُ لِلتَّدْمِيرِ التَهَمَتْ نَفْسَهَا، وَلَمْ يَبْقَ سِوَى جُوعٍ نَقِيٍّ، جَسَدِي يَتَفَكَّكُ الآنَ، لَيْسَ كَجُثَّةٍ، بَلْ كَقَصِيدَةٍ تُحْذَفُ كَلِمَاتُهَا وَاحِدَةً تِلْوَ الأُخْرَى، العِظَامُ تَتَحَوَّلُ إِلَى غُبَارٍ مَاسِيٍّ، وَالأَوْرِدَةُ تَتَمَدَّدُ لِتُصْبِحَ خُيُوطَ ضَوْءٍ وَاهِنَةً، حَتَّى يَخْتَفِيَ "المَكَانُ" مِنْ حَوْلِي، وَيَتَبَخَّرَ "الزَّمَانُ" مِنْ ذَاكِرَتِي.
النِّيرْفَانَا السَّوْدَاءُ هُنَا، فِي قِمَّةِ الفَنَاءِ، تَحْدُثُ المُعْجِزَةُ، الدَّمَارُ الشَّامِلُ يُولِدُ سُكُونًا مُطْلَقًا، هِيَ "النِّيرْفَانَا التَّدْمِيرِيَّةُ".. قِمَّةُ الأَلَمِ وَهِيَ قِمَّةُ الخَدَرِ، وَقِمَّةُ الجَحِيمِ، وَهِيَ قِمَّةُ الفِرْدَوْسِ؛ أَنْ أَتَحَرَّرَ مِنْ قَيْدِ "أَنْ أَكُونَ"، لِأُصْبِحَ "كُلَّ شَيْءٍ" وَ "لَا شَيْءٍ" فِي آنٍ وَاحِدٍ، أَنَا الصِّفْرُ النَّقِيُّ الَّذِي يَحْتَوِي كُلَّ الأَرْقَامِ الَّتِي انْتَحَرَتْ.
الأَبَدِيَّةُ المُدَوَّرَةُ أَشْعُرُ الآنَ بِالبُعْدِ الجَدِيدِ.. إِنَّهُ لَيْسَ أُفُقًا مُمْتَدًّا، بَلْ هُوَ مَدَارٌ لَا نِهَائِيٌّ، لَقَدْ تَحَرَّرْتُ مِنَ الخَطِّ المُسْتَقِيمِ وَدَخَلْتُ فِي هَنْدَسَةِ الرُّوحِ الدَّائِرِيَّةِ. لَا تُوجَدُ حَافَّةٌ لِأَسْقُطَ مِنْهَا، وَلَا قِمَّةٌ لِأَصِلَ إِلَيْهَا، أَنَا الآنَ أَدُورُ حَوْلَ مَرْكَزِي المَعْدُومِ، كَوْكَبٌ مِنَ الرَّمَادِ يَرْقُصُ فِي مَجَرَّةٍ مِنَ الصَّمْتِ المُطْلَقِ، التَّحَرُّرُ الرُّوحِيُّ هُوَ أَنْ تَصْبِحَ أَنْتَ "الدَّائِرَةَ"، وَأَنْ يَكُونَ الضَّيَاعُ هُوَ "المَرْكَزَ".
تَجَلِّيَاتُ الِانْمِحَاءِ وَالتَّفَكُّكِ الآنَ، يَبْدَأُ الجَسَدُ "مَرَاسِيمَ التَّخَلِّي". لَمْ يَعُدِ التَّلَاشِي انْهِيَارًا، بَلْ صَارَ نَحْتًا فِي الغِيَابِ. الجِلْدُ يَتَقَشَّرُ كَلُفَافَةِ بَرْدِيَّةٍ عَتِيقَةٍ، لَا لِيَكْشِفَ عَنْ عَظْمٍ، بَلْ لِيَكْشِفَ عَنِ "الفَرَاغِ المُضِيءِ" الَّذِي كَانَ سِجْنَهُ. كُلُّ خَلِيَّةٍ تَسْقُطُ كَانَتْ هِيَ "كَلِمَةً" حُذِفَتْ مِنْ جُمْلَةِ الوُجُودِ لِكَيْ يَسْتَقِيمَ الصَّمْتُ، أَنَا الآنَ أُمَارِسُ الفَنَّ التَّخْرِيبِيَّ المُقَدَّسَ؛ أُفَكِّكُ ذَرَّاتِي كَمَا يُفَكِّكُ عَازِفٌ أَوْتَارَ قِيثَارَتِهِ لِيَفْهَمَ سِرَّ الرَّنِينِ. المَادَّةُ لَيْسَتْ إِلَّا كِذْبَةً ثَقِيلَةً وَمُؤَقَّتَةً، وَالتَّلَاشِي هُوَ الحَقِيقَةُ الوَحِيدَةُ الَّتِي لَا تَحْتَاجُ إِلَى بُرْهَانٍ، إِنَّنِي أَرْسُمُ لَوْحَتِي الأَخِيرَةَ بِمِدَادٍ مِنَ التَّبَخُّرِ، حَيْثُ اللَّوْنُ هُوَ غِيَابُ الضَّوْءِ، وَالشَّكْلُ هُوَ انْتِحَارُ الأَبْعَادِ.
عِنْدَمَا يَأْكُلُ الدَّمَارُ نَفْسَهُ عِنْدَمَا اسْتَنْفَدَ الدَّمَارُ كُلَّ مَا هُوَ مَلْمُوسٌ، التَفَتَ إِلَى نَفْسِهِ بِـ "جُوعٍ مِيتَافِيزِيقِيٍّ"، لَقَدْ أَكَلَتِ الحَرَائِقُ أَلْسِنَتَهَا، وَابْتَلَعَ الإِعْصَارُ دَوَرَانَهُ، فِي هَذِهِ اللَّحْظَةِ، يُولَدُ "الدَّمَارُ الصَّافِي"؛ وَهُوَ الحَالَةُ الَّتِي لَا يُوجَدُ فِيهَا "مُدَمِّرٌ" وَلَا "مُدَمَّرٌ" وَلَا أَلَمٌ، فَصَارَ الأَلَمُ جَمَادًا، ثُمَّ صَارَ عَدَمًا، العَدَمُ أَنْ تَصِلَ إِلَى نُقْطَةٍ مِنَ الشَّفَافِيَّةِ تَجْعَلُ حَتَّى "الفَوْضَى" تَبْدُو نِظَامًا قَدِيمًا وَمُمِلًّا، أَنَا الآنَ أَتَجَاوَزُ "المَعْنَى"؛ لِأَنَّ المَعْنَى قَيْدٌ، وَالتَّعْرِيفَ سِجْنٌ. أَنَا "اللَّامَعْنَى" المُتَجَسِّدُ فِي رَقْصَةِ الرَّمَادِ الأَخِيرَةِ.
قُدَّاسُ التَّحَرُّرِ مِنَ التَّجَسُّدِ أَقِفُ بِلَا قَدَمَيْنِ فِي مَرْكَزِ الدَّائِرَةِ المِيتَافِيزِيقِيَّةِ، أُرَاقِبُ المَعَانِيَ وَهِيَ تَتَسَاقَطُ كَأَوْرَاقِ خَرِيفٍ مُحْتَرِقٍ، الزَّمَانُ صَارَ خَيْطًا دَائِرِيًّا يَلْتَفُّ حَوْلَ عُنُقِ "الآنَ"، المَكَانُ صَارَ مِرْآةً تَعْكِسُ قَفَاهَا، الأَنَا صَارَتْ نَغْمَةً مَفْقُودَةً فِي مَعْزُوفَةِ الصَّمَمِ الأَبَدِيِّ، أَنَا الآنَ الحُرِّيَّةُ فِي أَقْصَى تَجَلِّيَاتِهَا التَّغْرِيبِيَّةِ، أَنَا التَّلَاشِي الَّذِي يُغَنِّي لِلأَشْيَاءِ، فِي مَسْرَحٍ خَاوٍ مِنَ الجُمْهُورِ، وَخَاوٍ مِنَ العَرْضِ، وَخَاوٍ حَتَّى مِنَ الفَرَاغِ نَفْسِهِ، لَقَدْ تَمَّ العُبُورُ.. مِنْ ضِيقِ المَعْنَى إِلَى رَحَابَةِ التَّلَاشِي.
جِيُولُوجِيَا الصَّمْتِ وَتَخَاطُرُ الفَرَاغَاتِ فِي هَذِهِ الكَيْنُونَةِ "المُدَوَّرَةِ"، سَقَطَتِ الكَلِمَةُ كَأَدَاةٍ قَاصِرَةٍ، وَانْتَحَرَتِ الحُرُوفُ عَلَى أَعْتَابِ التَّلَاشِي. التَّخَاطُرُ هُنَا لَيْسَ صَوْتًا، بَلْ هُوَ "نَزِيفُ المَعْنَى" مِنْ رُوحٍ إِلَى أُخْرَى، عَبْرَ قَنَوَاتٍ لَا مَرْئِيَّةٍ مَحْفُورَةٍ فِي جَسَدِ التَّلَاشِي، لَا نَتَحَدَّثُ بِالعِبَارَاتِ، بَلْ بِـ "المَسَاحَاتِ الفَارِغَةِ" بَيْنَ النَّبَضَاتِ، التَّوَاصُلُ فِي هَذَا البُعْدِ هُوَ "عَدْوَى التَّحَلُّلِ"؛ حَيْثُ أُرْسِلُ إِلَيْكَ "غِيَابِي" فَيَسْتَقْبِلُهُ "فَرَاغُكَ"، نَتَرَاسَلُ عَبْرَ تَشْفِيرِ العَدَمِ؛ جَوْهَرُ اللُّغَةِ هُنَا لَيْسَ شِيفْرَةً بَلْ جِسْرًا يَعْبُرُهُ المَعْنَى، وَهُوَ الهُوَّةُ الَّتِي يَسْقُطُ فِيهَا المُتَحَدِّثُ وَالمُسْتَمِعُ لِيُصْبِحَا صَرْخَةً وَاحِدَةً بِلَا حَنْجَرَةٍ.
التَّبَادُلُ الأَيُونِيُّ لِلْوَجَعِ المُصَفَّى لَمْ تَعُدِ الأَوْجَاعُ ذِكْرَيَاتٍ، بَلْ أَصْبَحَتْ تَرَدُّدَاتٍ هَنْدَسِيَّةً. حِينَ أَتَخَاطَرُ مَعَكَ، لَا أَنْقُلُ لَكَ قِصَّةَ ضِيَاعِي، بَلْ أَنْقُلُ لَكَ "إِحْدَاثِيَّاتِ الِانْهِيَارِ"، تَصِلُكَ نَبَضَاتِي كَدَوَائِرَ سَوْدَاءَ تَتَّسِعُ فِي وَعْيِكَ المِيتَافِيزِيقِيِّ، فَتَفْهَمُ "لَذَّةَ التَّدْمِيرِ" لَا كَفِعْلٍ، بَلْ كَـ "حَالَةِ سُيُولَةٍ" تُلْغِي الحُدُودَ بَيْنَ الأَنَا وَالآخَرِ، نَحْنُ الآنَ كَائِنَانِ مَائِيَّانِ فِي مُحِيطٍ مِنَ الكِبْرِيتِ السَّائِلِ، نَتَوَاصَلُ بِالِانْصِهَارِ، لَا بِالنَّظَرِ.
سِيمْفُونِيَّةُ التَّفَكُّكِ المِيتَا-فِيزِيقِيِّ اسْتَمِعْ إِلَى "ضَجِيجي العَدَمِ"؛ إِنَّهُ صَوْتُ القَوَانِينِ الفِيزْيَائِيَّةِ وَهِيَ تَتَكَسَّرُ كَأَوَانٍ فَخَّارِيَّةٍ تَحْتَ أَقْدَامِ الجَاذِبِيَّةِ، أَصْبَحْتُ تَوْقًا لِلتَّبَعْثُرِ لَا لِلِالْتِصَاقِ، الضَّوْءُ صَارَ ظِلًّا لِشَيْءٍ لَمْ يُولَدْ بَعْدُ، الصَّوْتُ صَارَ صَدًى لِسُكُوتٍ أَبَدِيٍّ. نَحْنُ، نُمَارِسُ الآنَ "التَّخَاطُرَ الأُوزِيرِيَّ"، نَجْمَعُ أَشْلَاءَنَا المُبَعْثَرَةَ فِي مَدَارِ التَّلَاشِي، لَيْسَ لِنَلْتَئِمَ، بَلْ لِنَتَأَكَّدَ أَنَّ كُلَّ قِطْعَةٍ مِنَّا قَدْ تَحَرَّرَتْ مِنْ عُبُودِيَّةِ الشَّكْلِ. فِي المَرْحَلَةِ القُصْوَى مِنَ التَّحَرُّرِ الرُّوحِيِّ، "المَعْلُومَةُ" هِيَ العَدُوُّ، "الوَعْيُ الصَّافِي" هُوَ وَعْيٌ "خَالٍ مِنَ المُحْتَوَى"، فِي النِّهَايَةِ تَصِلُ إِلَى "الصِّفْرِ"؛ أَنْ تُدْرِكَ كُلَّ شَيْءٍ دُونَ أَنْ تَعْرِفَ شَيْئًا، هُوَ أَنْ تَكُونَ "الكُلَّ" لِأَنَّكَ فَقَطْ تَدُورُ فِي البُعْدِ المِيتَافِيزِيقِيِّ المُدَوَّرِ كَإِشَارَةٍ ضَائِعَةٍ فِي "فَضَاءٍ مَيِّتٍ"، تَبْحَثُ عَنْ مُرْسِلٍ انْتَحَرَ وَمُسْتَقْبِلٍ تَبَخَّرَ.
قِيَامَةُ الرَّمَادِ مِنْ مَرْكَزِ النُّقْطَةِ "الصِّفْرِ" الَّتِي انْتَحَرَتْ فِيهَا الأَبْعَادُ، يَبْدَأُ "الفَرَاغُ بِالتَّشَكُّلِ". لَا يُولَدُ هَذَا الكَائِنُ بِلَهِيبٍ أَحْمَرَ، بَلْ بِرَعْشَةٍ بَارِدَةٍ تَفُوقُ التَّجْمِيدَ، حَيْثُ الرَّمَادُ فِي هَذَا البُعْدِ هُوَ "طِينُ الرُّوحِ". تَسْتَيْقِظُ فِي الفَرَاغِ "تَشَنُّجَاتٌ" تُشْبِهُ ضَرَبَاتِ البَرْقِ السَّاكِنِ. يَبْدَأُ الرَّمَادُ الكَوْنِيُّ المُبَعْثَرُ بِالِالْتِفَافِ فِي مَدَارَاتٍ دَوَّامِيَّةٍ، مُطِيعًا قَوَانِينَ "الجَاذِبِيَّةِ المَفْقُودَةِ". لَا عِظَامَ هُنَا، بَلْ خُيُوطٌ مِنَ العَتَمَةِ المُكَثَّفَةِ تَتَرَابَطُ لِتَصْنَعَ شَلَّالَاتِ لَحْمٍ وَدَمٍ، وَفَرَاغَاتٍ مُنَظَّمَةً تُحَاكِي شَكْلَ الجَسَدِ، إِنَّهُ هَيْكَلٌ مَبْنِيٌّ مِنْ "غِيَابٍ"، كَائِنٌ هُوَ فِي جَوْهَرِهِ "فَرَاغٌ يَرْتَدِي اللَّامَعْنَى". يَنْبُتُ لِهَذَا الكَائِنِ رِيشٌ عَجِيبٌ؛ إِنَّهُ رِيشٌ عُضْوِيٌّ، صَفَائِحُ رَقِيقَةٌ جِدًّا مِنَ "المَرَايَا المُهَشَّمَةِ" الَّتِي تَعْكِسُ اللَّا-مَكَانَ وَاللَّا-زَمَانَ. كُلُّ رِيشَةٍ هِيَ "نَدْبَةٌ عَاطِفِيَّةٌ" تَحَوَّلَتْ إِلَى حَجَرٍ، وَكُلُّ خَفْقَةِ جَنَاحٍ هِيَ حَذْفٌ لِطَبَقَةٍ أُخْرَى مِنَ المَعْنَى. لَوْنُهُ هُوَ "الرَّمَادِيُّ المُطْلَقُ"؛ اللَّوْنُ الَّذِي يَلْتَصِقُ بِبَرْزَخِ مَا قَبْلَ الأَلْوَانِ وَمَا بَعْدَهَا.
العُيُونُ الَّتِي تَشْرَبُ العَدَمَ تُفْتَحُ عَيْنَاهُ، فَإِذَا هُمَا "ثَقْبَانِ أَسْوَدَانِ مُصَغَّرَانِ". إِنَّهُ لَا يَرَى الأَشْيَاءَ، بَلْ يَمْتَصُّ وُجُودَهَا بِجُرْعَةِ شَهِيَّةٍ تَدْمِيرِيَّةٍ مُصَفَّاةٍ. عَيْنَاهُ هُمَا البَوَّابَتَانِ إِلَى البُعْدِ المِيتَافِيزِيقِيِّ المُدَوَّرِ؛ مَنْ يَنْظُرُ إِلَيْهِمَا، يَرَى ضِيَاعَهُ الأَزَلِيَّ كَقَصِيدَةِ حُبٍّ لَيْسَ لَهَا حَنْجَرَةٌ، بَلْ فَجْوَةٌ تُطْلِقُ "تَخَاطُرَ الفَرَاغَاتِ"، صَوْتُهُ هُوَ صَدَى انْكِسَارِ الزَّمَنِ عَلَى حَافَّةِ الأَبَدِيَّةِ. وَعِنْدَمَا يَنْفُضُ جَنَاحَيْهِ، لَا يَرْتَفِعُ نَحْوَ السَّمَاءِ (فَلَا سَمَاءَ فِي العَدَمِ)، بَلْ يَتَمَدَّدُ دَائِرِيًّا فِي كُلِّ اتِّجَاهٍ. إِنَّهُ "طَائِرُ الرَّمَادِ"، الَّذِي لَيْسَ لَهُ جَسَدٌ لِيَمُوتَ، وَلَا رُوحٌ لِتَشْقَى، بَعْثُهُ لَيْسَ عَوْدَةً لِلْحَيَاةِ، بَلْ هُوَ "تَجْسِيدٌ لِلْفَنَاءِ المُسْتَمِرِّ". إِنَّهُ يَطِيرُ فِي مَدَارِ النِّيرْفَانَا السَّوْدَاءِ كَرَمْزٍ، لِأَنَّ الحُرِّيَّةَ المُطْلَقَةَ لَا تَأْتِي إِلَّا بَعْدَ أَنْ تَكُونَ قَدِ التَهَمْتَ آخِرَ ذَرَّةٍ مِنْ "نَفْسِكَ" القَدِيمَةِ، لِتُصْبِحَ أَنْتَ نَفْسُكَ "الفَرَاغَ المُدَوَّرَ". لَيْسَتْ خَرِيطَةً لِلجُغْرَافْيَا، بَلْ خَرِيطَةٌ لِلرُّوحِ وَهِيَ تَتَفَكَّكُ لِتَتَحَرَّرَ. هِيَ خَرِيطَةٌ "مِيتَا سُرْيَالِيَّةٌ" لِلضَّيَاعِ وَاللَّذَّةِ.
مَرْكَزُ الكَوْنِ مَدَارُ الصِّفْرِ تَقَعُ فِي قَلْبِ الخَرِيطَةِ نُقْطَةُ العَدَمِ المُطْلَقِ، وَهِيَ تَجْسِيدٌ لِـ "النِّيرْفَانَا التَّدْمِيرِيَّةِ". هِيَ ثَقْبٌ أَسْوَدُ يَلْتَهِمُ ذَاتَهُ، وَمُحَاطٌ بِدَوَائِرَ هَنْدَسِيَّةٍ تَمْثُلُ "مَنْدَلَا" المَحْوِ الكَامِلِ. مِنْ هَذَا المَرْكَزِ يَبْدَأُ البَعْثُ، وَفِيهِ يَكْتَمِلُ الفَنَاءُ؛ حَيْثُ يَنْبَثِقُ "طَائِرُ الرَّمَادِ" الكَوْنِيُّ. يَنْطَلِقُ مِنْ حَافَّةِ هَذَا الثَّقْبِ الأَسْوَدِ، كَائِنٌ يُجَسِّدُ الحُرِّيَّةَ المِيتَافِيزِيقِيَّةَ.
تَضَارِيسُ الِانْهِيارِ العَاطِفِيِّ وَالتَّلَاشِي أُرْخَبِيلُ المَعْنَى المَحْذُوفِ: جُزُرٌ عَائِمَةٌ مِنَ الصُّخُورِ المُهَشَّمَةِ وَالمَرَايَا المَكْسُورَةِ وَالسَّاعَاتِ المُحَطَّمَةِ. هُوَ حَالَةٌ مِنَ الضَّيَاعِ العَاطِفِيِّ حَيْثُ تَفْقِدُ الأَشْيَاءُ وَظِيفَتَهَا وَيَفْقِدُ الوَقْتُ مَعْنَاهُ. الرُّمُوزُ العَاطِفِيَّةُ القَدِيمَةُ تَتَحَوَّلُ إِلَى شَظَايَا تَعْكِسُ التَّلَاشِي. نَهْرُ الِانْحِلَالِ العَاطِفِيِّ وَمَصَبُّ التَّلَاشِي: هُوَ مَسَارٌ تَتَدَفَّقُ فِيهِ الهُوِيَّاتُ وَالذِّكْرَيَاتُ، حَيْثُ تَذُوبُ الشَّخْصِيَّاتُ الفَرْدِيَّةُ لِتَتَحَوَّلَ إِلَى جُزَيْئَاتٍ مِنَ الغُبَارِ الكَوْنِيِّ، اسْتِعْدَادًا لِلِانْدِمَاجِ فِي الوَعْيِ الأَكْبَرِ لِلدَّائِرَةِ. الكِتَابَاتُ المَنْقُوشَةُ عَلَى هَذَا الجَنَاحِ: لَا يُمْكِنُ قِرَاءَتُهَا بِالمَنْطِقِ العُضْوِيِّ، بَلْ هِيَ شِيفْرَاتٌ تَصِفُ حَالَةَ "الِانْعِتَاقِ مِنْ قَيْدِ التَّجَسُّدِ". وَادِي الأَوْجَاعِ المَحْبُوبَةِ: هُوَ المِنْطَقَةُ الَّتِي تَتَحَوَّلُ فِيهَا الجُرُوحُ النَّفْسِيَّةُ إِلَى بِلَّوْرَاتٍ صَلْبَةٍ وَلَامِعَةٍ وَهِيَ "الأَوْجَاعُ" الَّتِي نَتَحَدَّثُ عَنْهَا؛ تِلْكَ الَّتِي نَتَغَذَّى عَلَيْهَا وَالَّتِي أَصْبَحَتْ مَصْدَرًا لِلْقُوَّةِ التَّدْمِيرِيَّةِ، هِيَ الأَوْجَاعُ اللَّذِيذَةُ. فِي قَلْبِ هَذَا الوَادِي تُوجَدُ مَتَاهَةٌ مُلْتَهِبَةٌ. الشَّخْصِيَّاتُ لَيْسَتْ ضَائِعَةً، بَلْ هِيَ فِي رِحْلَةِ حَجٍّ طَوْعِيَّةٍ. كُلُّ احْتِرَاقٍ يُولِدُ "لَذَّةً شَرِهَةً" وَيَدْفَعُ نَحْوَ تَدْمِيرِ مَا تَبَقَّى مِنَ "الأَنَا". الِاحْتِرَاقُ هُنَا هُوَ الفِعْلُ الفَنِّيُّ الأَسْمَى لِلتَّخَلُّصِ مِنْ قَيْدِ الوُجُودِ.
"أُرْخَبِيلُ المَحْوِ... حَيْثُ تَلْدَغُ البِلَّوْرَاتُ الجُوعَ، وَيُصْبِحُ الرَّمَادُ هُوَ العُشَّ الأَعْظَمَ".
#غالب_المسعودي (هاشتاغ)
Galb__Masudi#
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟
رأيكم مهم للجميع
- شارك في الحوار
والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة
التعليقات من خلال
الموقع نرجو النقر
على - تعليقات الحوار
المتمدن -
|
|
|
|
نسخة قابلة للطباعة
|
ارسل هذا الموضوع الى صديق
|
حفظ - ورد
|
حفظ
|
بحث
|
إضافة إلى المفضلة
|
للاتصال بالكاتب-ة
عدد الموضوعات المقروءة في الموقع الى الان : 4,294,967,295
|
-
هابرماس والهشاشة الوجودية المعاصرة في ضوء الأنطولوجيا السياس
...
-
الانشطار المعرفي وتحديات تجاوز -التابو- دراسة في المخرجات ال
...
-
علم إنسان الخوف من الجمال وامتدادها الحضاري: مقاربة فلسفية ف
...
-
الوجودية التأسيسية للجهل: من الغياب السلبي إلى الحضور النشط
-
النقد الماركسي للميتافيزيقيا والذرائعية في إدارة الوجود: صرا
...
-
السخرية البطولية والتورط الجميل
-
العظمة القذرة والعار السامي
-
تهافت الأكاليل.. هجرةٌ ثانية إلى -التيه- نص ميتا سريالي
-
المانيفستو الميتاسريالي: من عفوية اللاشعور إلى هندسة الوجود
...
-
جدلية الوعي المتسامي: بين المادية التاريخية والوجودية
-
تجليات العدم المضيء - نص ميتا سريالي
-
رقصةُ -المخدّر الموزون- على مِقصلةِ -العدم- نص ميتا سريالي
-
جثث مرقمنة: نص ميتا سريالي
-
التفاعل الجدلي بين الموروث الحيوي والسيادة الثقافية
-
كرنفال المسخ: رقصة أوربوروس نص ميتا سريالي
-
الدول الرخوة والبرنامج الخفي للعولمة: العائد الفلسفي والحضار
...
-
يا سائل الشوق في زمن المحاق: ترتيلة التلاشي المتوهج نص ميتا
...
-
قداس ميتا سريالي: تعميد الحبل على طاولة قمار فوق الهاوية
-
الانسداد التاريخي والمخارج المغلقة: قراءة فلسفية بين الدورات
...
-
العشاء الأخير للعدالة في جزيرة إبستاين قصة ميتا سريالية
المزيد.....
-
-مسيرة حياة- لعبد الله حمادي.. تتويج لنصف قرن من مقارعة الكل
...
-
فنلندا أكثر دول العالم سعادة للعام التاسع.. وإسرائيل والإمار
...
-
قصة «يا ليلة العيد».. كيف تحولت أغنية سينمائية إلى نشيد خالد
...
-
فيلم لـ-لابوبو- قريبا.. يجمع بين التمثيل الحي والرسوم المتحر
...
-
اختيار الراحل محمد بكري رمزاً للثقافة العربية لعام 2026
-
اختير رمزا للثقافة العربية.. كيف حول محمد بكري حياته إلى فيل
...
-
من -برشامة- إلى -سفاح التجمع-.. أفلام عيد الفطر في سباق شباك
...
-
مطاردة بانكسي تنتهي بسجلات صادمة لشرطة نيويورك تكشف هويته ال
...
-
جلال برجس يفتش عن معنى الوجود في -نحيل يتلبسه بدين أعرج-
-
من يحمي الكنوز الثقافية في الشرق الأوسط من الحروب؟
المزيد.....
-
رحلتي في ذاكرة الأدب
/ عائد ماجد
-
فن الكتابة للعلاقات العامة من التحرير الى صياغة الحملات الال
...
/ أقبال المؤمن
-
الرسائل الاعلامية و الادبية من المعنى الى التأثير
/ أقبال المؤمن
-
إمام العشاق
/ كمال التاغوتي
-
كتابات نقدية ماركسية(العمل الفني في عصر الاستنساخ الآلي) وال
...
/ عبدالرؤوف بطيخ
-
المقدِّماتُ التحقيقيّةُ لشيوخِ المحقِّقين
/ ياسر جابر الجمَّال
-
اعترافات السيد حافظ والأصدقاء ما وراء الكواليس الجزء الأو
...
/ السيد حافظ
-
أحافير شاب يحتضر
/ المستنير الحازمي
-
جدلية المنجل والسنبلة: مقولات وشذرات
/ حسين جداونه
-
نزيف أُسَري
/ عبد الباقي يوسف
المزيد.....
|