أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - سهيل الزهاوي - حين يُحاكَم المخاطَب قبل الإمبراطورية:قراءة نقدية متعددة المناهج في قصيدة عبد الستار نورعلي -اليانكيز عادوا…-















المزيد.....

حين يُحاكَم المخاطَب قبل الإمبراطورية:قراءة نقدية متعددة المناهج في قصيدة عبد الستار نورعلي -اليانكيز عادوا…-


سهيل الزهاوي

الحوار المتمدن-العدد: 8651 - 2026 / 3 / 19 - 00:19
المحور: الادب والفن
    


حين يعود التاريخ بوجهه القديم
في زمن تتشابك فيه خرائط النفوذ وتعود القوى الكبرى لتتدخل في مسارح أمم أصغر، تبرز قصيدةُ اليانكيز عادوا… كنص يواجه هذا التكرار التاريخي. ليست القصيدة مجرد تعليق سياسي صارخ، بل خطاب مقاوم يعيد طرح سؤال العلاقة بين المركز والهامش، ويجعل من الذاكرة وسيلة للاحتجاج على التواطؤ.
ملاحظة افتتاحية عن النداء الأول
من السطر الأول يضعنا الشاعر أمام نداء معلق: «إلى الذين…؟»؛ هذا النداء المبتور ليس تفصيلًا ثانويًا بل يمثل بوابة داخلية للقراءة، لأنه يسبق العنوان في تحديد مخاطَبه. في الشعر السياسي، يكون المخاطَب محورًا للخطاب، وهنا يتحقق اختبار وعيه عبر علامة استفهام تضعه في موضع المساءلة.
العنوان: «اليانكيز عادوا…» وتأويل الإطار
العنوان يضع الإطار العام للنص لكنه لا يحدد موقع القارئ بداخله. كلمة «اليانكيز» ليست محايدة — هي تسمية محملة بدلالات استعمارية وحضور قهري — وفعل "عادوا" يؤشر إلى أن الهيمنة دورة تعود كلما سمحت الظروف. علامات الحذف في النهاية تشتغل كتهديد مفتوح: العودة ليست حدثًا مغلقًا بل استمرارًا يقتضي اليقظة.
مقدمة نظرية
نقترح قراءة النص من تقاطع ثلاث مناهج: البنيوي، التداولي، وما بعد الكولونيالي. هذا المزيج يساعد على فهم القصيدة كخطاب مضاد للهيمنة، حيث يصبح الشعر أداة لتفكيك السلطة الرمزية والخطاب الذي يدعمها — ما يتقاطع مع مقاربات تربط بين الثقافة والهيمنة، وبين إنتاج الخطاب والسلطة، وبين آليات تمثيل الذات المهيمنة.
نص القصيدة
اليانكيز عادوا...
إلى الذين...؟:
انا لم أثِقْ يوماً بيانكيزَ ولا:
راياتِهمْ،
أصدائِهِمْ،
ميثاقِهمْ،
و"الخيلُ والليلُ والبيداءُ"
لم تثِقِ.
همْ في الخباثةِ مِلَّةٌ
وحشيَّةٌ
ولدى الهزيمةِ..
همْ غزالُ.
فاسألْ بـ(ميكونغَ)
واسألْ بـ(توربورَ)
واسألْ بـ(مظلوم)*
وعليهِ خُذْ مَثَلاً!!!
فاهجرْ عقيرتَكمْ
عن نهجِ سيرتِهمْ،
واحفظْ عجيزتَكمْ
عنْ مقعدٍ خَرِقِ
في السَّفحِ والزَّلَقِ،
والْحَقْ بمُنطلِقِ
في ساحة الفَلَقِ
بالفيلقِ الطَلِقِ،
"وأعدِّوا ما اسْطعْتُمْ..."!
*ميكونغ: نهر في فيتنام
تورابورا: سلسلة جبال في أفغانستان
مظلوم: مظلوم عبدي
17 آذار/مارس 2026
العتبة الداخلية: قراءة بنيوية ودلالية لإشكالية "إلى الذين…؟"
البيت الافتتاحي يبدو بسيطًا لكنه بنيويًا معقّد: جملة ناقصة تقطع بناءً نحويًا ودلاليًا. حرف الجر «إلى» يتوقع جهة محددة، لكن الاسم الموصول "الذين" يبقي على عمومية معطوفة بعلامة استفهام تُجهض الاكتمال. هذه الناقصة ليست هفوة بل تقنية مقصودة: الشاعر يمتنع عن تسمية المخاطَب ليجعل الفراغ نفسه ساحة مساءلة، ويحوّل صيغة الإهداء إلى امتحان أخلاقي وسياسي يضع المخاطَب أمام مرآة موقفه.
تفكيك رموز السلطة: الرايات والأصداء والميثاق
عبر تفكيك الشاعر لمنظومة السلطة إلى "رايات"، "أصداء"، و"ميثاق"، يبرز النص مستويات متعددة للهيمنة: القوة المادية، الخطاب الإعلامي، والشرعية القانونية. هذا التفكيك يؤكد أن السلطة لا تقتصر على القمع المادي بل تمتد إلى شبكات تنتج المعنى وتفرض قراءاته.
قلب الرموز التراثية
الفصل بين "الخيل والليل والبيداء" ودلالته البطولية التقليدية يمثل إزاحة قوية: الشاعر يفصل الرمز عن معناه التاريخي ويعيد توظيفه داخل مشهد سياسي معاصر، محذرًا من خطر استعمال الرموز الثقافية لتبرير تحالفات غير متكافئة.
الاستعارة الأخلاقية وبنية العنف
وصفُ الشاعر للآخرين بأنهم "ملة وحشية في الخباثة" يشيع تجريد الفعل السياسي إلى حكم أخلاقي يطال منظومة كاملة. بهذا يُحمّل النص الكيان السلطوي مسؤولية عنف منظّم، في خط قراءة ترى السلطة كنسق يمارس العنف ويبرّره باسم النظام أو الحضارة.
التقليل من قداسة القوة: تشبيه الغزال
تحويل صورة القوة إلى "غزال عند الهزيمة" يعمل سخريةً تهدّم عباءة القوة المطلقة. هذه الصورة تعيد تشكيل وعي القارئ بفضح التناقض بين الخطاب الذي يروّج للقوة ووقائع الانكسار التي تكشف هشاشتها.
التاريخ كذاكرة مضادة
بأسماء مثل (ميكونغ) و(تورابورا) و(مظلوم)، لا يستدعي الشاعر التاريخ بوصفه أرشيفًا للأحداث، بل بوصفه ذاكرة حيّة. تتحول هذه الأسماء إلى علامات دلالية تختزن تجارب الهزيمة، وتكشف عن التواطؤ الكامن فيها، حيث يُعاد إنتاج الخيانة في كل مرة تحت صيغ مختلفة. وبهذا، لا يكتفي النص باستحضار الوقائع، بل يعمل على قلب السردية المهيمنة، عبر إعادة كتابتها من موقع الضحية لا المنتصر، كاشفًا ما تُخفيه من تناقضات وانكسارات.
نقد اللغة الموالية والتحرر عبر القطيعة
دعوةُ الشاعر لترك "عقيرتكم" عن نهجهم تشكّل نداءً لقطع الوصل اللغوي مع خطاب القوة. فاللغة التي تستعملها الأنظمة تصبح ناقلًا لرؤيتها، والقطع معها خطوة أولى نحو التحرر السياسي والمعرفي.
الجسد كموقع سياسي معرض للخطر
صور مثل "عجيزتكم" والمقعد الخَرِق تُجسد هشاشة الجماعة المتحالفة وتكشف تعرّض أجسادها للانكشاف والتحكم بسبب تحالفات هشّة. الجسد هنا يتحول إلى خريطة السياسة التي تُعرّض المتبوعين لصالح قوى أكبر.
اقتراح البديل: الفيلق الطلق واستعادة الفاعلية
الانتقال من التشخيص إلى اقتراح "الفيلق الطلق" يصوّر فكرة قوة مستقلة غير مرتهنة — استعادة للقدرة على الفعل التاريخي من موقع الذات. هذه ليست دعوة إلى العنف بقدر ما هي دعوة لاستعادة الفعالية السياسية والكرامة الجماعية.
المرجعية الأخلاقية الختامية
استدعاء العبارة القرآنية "وأعدّوا ما استطعتم..." لا يتجه إلى الوعظ بل يمنح الخطاب شرعية أخلاقية تتجاوز اللحظة الآنية. بهذا يضع النص المقاومة في إطار أخلاقي واسع يربط بين الوعي والالتزام المسئول بدل الانفعال اللحظي.
الخاتمة: الشعر كفعل مقاوم
تُظهر القصيدة قدرة الشعر على التحول من وصف سياسي إلى ممارسة نقدية تفكك خطاب الهيمنة من الداخل. عبر عتبة "إلى الذين…؟" تصبح المحاكمة داخلية: الشاعر يضع المخاطَب في موضع المساءلة قبل أن يُقوِّض الإمبراطورية نفسها. النص لا يكتفي بتسمية العدو، بل يعمل على زعزعة شروط إنتاج الخطاب ذاته، معلنًا أن التحرر يبدأ باستعادة اللغة والذاكرة وموقع الفاعلية في التاريخ.



#سهيل_الزهاوي (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)

الكاتب-ة لايسمح بالتعليق على هذا الموضوع


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- حلبجة: صرخة من السليمانية
- ازدواجية المعايير وصراع النفوذ: لماذا يتصاعد التوتر الأمريكي ...
- الاحتراق الدلالي وتمثّلات الوجع الجمعي في ومضة يحيى السماوي
- تفكيك روژآفا وإعادة هندسة الدولة: كيف تُدار القضية الكردية ع ...
- العشق المقدّس للكلمة بين النور والظلام: قراءة بنيوية‑سي ...
- عودة المالكي في زمن الأزمة: هل يحتمل العراق إعادة تدوير الما ...
- -غَمٌّ وسَأمٌ-: دراسة نقدية متعددة المناهج في شعر جواد غلوم
- الزمن المؤجَّل واكتمال الوجود قراءة نقدية في قصيد -يومان في ...
- -اللحاف المنسوج-: مقاربة سيميائية وبنيوية في بنية الوجع وتمث ...
- الهويّة والمدينة في شعر عبد الستار نورعلي: مقاربة بنيوية - س ...
- قصة قصيرة.. فجر في مدينةٍ مخنوقة
- حاجي ژن.. حين تغدو المرأة وطناً يُؤوي الأرواح
- بين الرغبة والتمرد: قراءة بنيوية وسيميائية ونفسية ونسوية لقص ...
- من الغزل إلى الالتزام: الحبيبة كقناع للوطن والفكر: في قصيدة ...
- الشوق والغياب في رباعية الشاعر القدير يحيى السماوي: قراءة نق ...
- قالوا: تدلّل! قلتُ: لا! - الشعر كفعل مقاومة أخلاقية دراسة ما ...
- الألم و العشق والفناء والخلود: مقاربة وطنية وفلسفية لومضة يح ...
- بين الظلال والنور: قراءة نقدية في قصيدة -لا تكن معتما…- للشا ...
- ومضة الهوية: صراع الذات والوطن في النص الشعري للشاعر الكبير ...
- تموز: انبعاث الثورة وانبثاق الحرية من قلب المعاناة، في قصيدة ...


المزيد.....




- سينما ضد الموت والدمار.. 10 أفلام صورت بشاعة الحرب
- أسماء المدير تتصدر الفائزين بدعم صندوق مهرجان روتردام السينم ...
- التشيع العربي والفارسي: كتاب يشعل الجدل ويكسر المحرّمات
- وفاة الكاتب والمترجم المغربي عبد الغني أبو العزم
- -فاميلي بيزنس- و-برشامة- و-إيجي بيست-.. أفلام عيد الفطر في م ...
- يعرض في صالات السينما السعودية بعيد الفطر.. -شباب البومب 3- ...
- لودريان: التفاوض هو المخرج الوحيد للحرب في لبنان وإسرائيل فش ...
- نازحون على خشبة مسرح صور.. قصة ملجأ ثقافي في زمن الحرب
- -لا للحرب-... -الحرية لفلسطين-. كيف تحول حفل الأوسكار الـ98 ...
- أزياء لمصممين عرب تخطف الأنظار في حفلي الأوسكار و-فانيتي فير ...


المزيد.....

- رحلتي في ذاكرة الأدب / عائد ماجد
- فن الكتابة للعلاقات العامة من التحرير الى صياغة الحملات الال ... / أقبال المؤمن
- الرسائل الاعلامية و الادبية من المعنى الى التأثير / أقبال المؤمن
- إمام العشاق / كمال التاغوتي
- كتابات نقدية ماركسية(العمل الفني في عصر الاستنساخ الآلي) وال ... / عبدالرؤوف بطيخ
- المقدِّماتُ التحقيقيّةُ لشيوخِ المحقِّقين / ياسر جابر الجمَّال
- اعترافات السيد حافظ والأصدقاء ما وراء الكواليس الجزء الأو ... / السيد حافظ
- أحافير شاب يحتضر / المستنير الحازمي
- جدلية المنجل والسنبلة: مقولات وشذرات / حسين جداونه
- نزيف أُسَري / عبد الباقي يوسف


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - سهيل الزهاوي - حين يُحاكَم المخاطَب قبل الإمبراطورية:قراءة نقدية متعددة المناهج في قصيدة عبد الستار نورعلي -اليانكيز عادوا…-