أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - سهيل الزهاوي - العشق المقدّس للكلمة بين النور والظلام: قراءة بنيوية‑سيميائية في قصيدة -من سيرة القلم البغدادي- عبد الستار نورعلي















المزيد.....



العشق المقدّس للكلمة بين النور والظلام: قراءة بنيوية‑سيميائية في قصيدة -من سيرة القلم البغدادي- عبد الستار نورعلي


سهيل الزهاوي

الحوار المتمدن-العدد: 8608 - 2026 / 2 / 4 - 22:12
المحور: الادب والفن
    


المقدّمة
تأتي قصيدة «من سيرة القلم البغدادي» لعبد الستار نورعلي بوصفها نصًا شعريًا مركّبًا يتجاوز حدود الغنائية الذاتية، ليؤسّس خطابًا رمزيًا تتداخل فيه السيرة الفردية مع الهمّ الجمعي، ويتحوّل فيه القلم من أداة كتابة إلى كيان أخلاقي وتاريخي فاعل. فالقصيدة لا تكتفي بتسجيل تجربة شخصية أو استعادة ذاكرة ذاتية، بل تنخرط في مساءلة عميقة لمعنى الكتابة في زمن التزييف، وتعيد تعريف الكلمة بوصفها موقفًا وجوديًا لا مجرّد ممارسة جمالية.
تنفتح القصيدة عبر قناع «الولد غير الشقي» على تجربة جيل عراقي تشكّل وعيه في ظلّ صدمات مبكرة من الحروب والقمع والحصار والاحتلال، غير أنّ هذا «السقوط» لا يُقدَّم بوصفه هزيمة نهائية، بل يُعاد تأويله دلاليًا ليغدو عشقًا واعيًا للكلمة. وهنا تتبدّى إحدى آليات النص المركزية، حيث ينتقل الفعل من «هَوِيَ» بوصفه عشقًا تأسيسيًا مبكرًا، إلى «هَوَى» بوصفه سقوطًا مقصودًا في وادي «العشق المقدّس (الكلمة)»، أي اختيارًا أخلاقيًا واعيًا يحوّل الألم إلى التزام، والصدمة إلى معنى.
وفي مواجهة هذا الاختيار، ترسم القصيدة صورة منظومة متشابكة من التحريف والتزييف، تتجلّى في «الأسطر الصفر» و«الألسنة السليطة» و«دهاليز الاستراتيجيات» المحلية والعالمية، وهي منظومة لا تكتفي بقمع الجسد، بل تعمل على مصادرة الوعي الجمعي، وتشويه الذاكرة النضالية، وإلقاء «إرث الحرية الحمراء» – أي تاريخ التضحيات والمقاومة – في «قمامات نهاية التاريخ». وبهذا المعنى، تغدو الكتابة في النص فعل مقاومة رمزية، وصراعًا على المعنى، لا مجرّد تعبير عن ذات مجروحة.
ومن هنا تتأسّس أهمية هذه القصيدة بوصفها فضاءً غنيًا للتحليل البنيوي والسيميائي والدلالي، إذ تتبدّى عبرها شبكة كثيفة من التقابلات (نور/ظلام، صدق/تحريف، عشق/تزييف، كلمة/سلطة)، تتداخل فيها الأبعاد النفسية والسياسية، بحيث تصبح بنية القصيدة ذاتها مرآةً لتمزّق الذات العراقية المعاصرة بين الإيمان الراسخ بقداسة الكلمة، و الإحساس المرير بتهالك الأحلام وتآكل السرديات الكبرى. إنّ هذا التوتر البنيوي والدلالي هو ما يمنح النص طاقته التأويلية، ويجعله قابلًا لقراءة نقدية تكشف عن عمقه الجمالي والفكري في آن، بوصفه سيرة وعي لا سيرة فرد، وموقفًا أخلاقيًا لا حنينًا ذاتيًا.
نص القصيدة
مِنْ سيرةِ القلم البغداديّ
ستٌّ مضيْنَ منَ الأحقابِ راحلتي
القلبُ والحرفُ والقرطاسُ والقلمُ
مشَتْ على دربِها زَهْواً بما حملَتْ
يسوقُها الكوكبُ الدُّريُّ والحُلُمُ
وأيُّ حُلْمٍ! فما زادَتْ نوافذُهُ
إلّا لِـتغمرَهُ الأنوارُ والحِكَمُ
* *
في زاويةٍ قصيَّةٍ
منَ الوادي المُحلَّى..
بالنخلِ
والنهرينِ
أطلقَ الولدُ (غيرُ الشقيِّ)
صرختَه الأولى....
ثمَّ هَوِىَ،
وهو في ربيعِ خُطاهُ!
لكنَّهُ لم ينتهِ،
فلم يلمْهُ عاذلٌ،
ولا نازلٌ..
مِنْ أدراجِ بُرجهِ العاجِّ
باللسانِ
والعينِ المُصيبةِ
قلبَ الولدِ الطّريّ.
الولدُ غيرُ الشّقيّ هوَىْ
في وادي العشقِ المُقدَّسِ
(الكلمة)،
فابتعدَ عن منازل التّحريفِ،
والأسطر الصُّفرِ،
والألسنةِ السّليطةِ التي
أدمنَتْ..
أوكارَ الظّلام،
ودهاليزَ الاستراتيجيات التي..
ألقَتْ بإرثِ الحريةِ الحمراءِ
في قماماتِ نهايةِ التاريخِ،
فأغفلَتْ
وتغافلَتْ
عن دربِ التَّبانةِ
في بيادي العشاق الذين..
لم يميلوا
عن قافلةِ الصّدقِ..
أنمُلةً،
والباحثين
عن نهاية النّفقِ
في رواياتِ الأحلامِ..
المتهالكةِ...؟
تعريف العنوان والأبيات (قراءة تفسيرية)
1- تعريف العنوان بوصفه عتبة نصية
يُعدّ عنوان القصيدة «مِنْ سيرةِ القلم البغداديّ» عتبةً نصيّةً أساسية ذات حمولة دلالية كثيفة، تؤدي وظيفة توجيه القراءة منذ اللحظة الأولى، وتؤسس الأفق التأويلي الذي يتحرك فيه النص. فالعنوان لا يقدّم معلومة محايدة، بل يعلن منذ البدء طبيعة الخطاب الشعري بوصفه خطاب سيرة، غير أنّ هذه السيرة لا تُنسب إلى ذات بشرية مباشرة، بل إلى «القلم»، بما يحمله من إيحاءات رمزية ومعرفية.
إنّ لفظة «سيرة» تحيل إلى التراكم الزمني والتجربة الممتدة، وتوحي بالمسار والتحوّل، لا باللحظة العابرة. غير أنّ إضافتها إلى «القلم» تنقلها من المجال البيوغرافي التقليدي إلى مجال رمزي، حيث يصبح القلم كيانًا فاعلًا، شاهدًا على التاريخ، وحاملًا للذاكرة والوعي. فالسيرة هنا ليست سردًا لحياة فرد، بل مسار كتابة وموقف، تتداخل فيه التجربة الشخصية مع التجربة الجمعية.
أما توصيف القلم بـ «البغدادي»، فيتجاوز الدلالة الجغرافية المباشرة ليؤسس انتماءً حضاريًا وثقافيًا. فبغداد، بوصفها رمزًا تاريخيًا للمعرفة واللغة والعقل، تمنح القلم بعدًا حضاريًا، وتجعله امتدادًا لإرث ثقافي طويل، لا مجرد أداة فردية. بهذا المعنى، يصبح القلم البغدادي حاملًا لذاكرة مدينة، بل لذاكرة حضارة، بكل ما شهدته من ازدهار وانكسار.
وتكتسب أداة الجر «مِنْ» في مطلع العنوان أهمية خاصة، إذ توحي بالانتقاء والجزئية، وكأن القصيدة لا تدّعي الإحاطة الكاملة بالسيرة، بل تقدّم مقطعًا أو شذرة منها. هذا الاختيار يعكس وعيًا شعريًا بطبيعة الكتابة بوصفها فعلًا ناقصًا بالضرورة، ومحاولة دائمة لالتقاط المعنى لا امتلاكه.
وعليه، فإن العنوان، بوصفه عتبة نصية، يهيّئ القارئ لقصيدة لا تُقرأ باعتبارها غنائية ذاتية خالصة، بل بوصفها نصًا تأمليًا ـ تاريخيًا، تتقاطع فيه الكتابة مع الذاكرة، والذات مع الجماعة، والجمالي مع الأخلاقي والسياسي. إنه عنوان يختزل مشروع القصيدة، ويعلن منذ البداية أن ما سيأتي هو كتابة عن الكتابة، وسيرة موقف قبل أن تكون سيرة حياة.
وبذلك، لا يقدّم العنوان سيرة سقوط أو انكسار، بل سيرة كتابة تتشكّل عبر الاختيار والعشق والوعي، وهو ما سيكشفه النص لاحقًا في تحوّلاته الدلالية.
تفسير الابيات
(ستٌّ مضيْنَ منَ الأحقابِ راحلتي القلبُ والحرفُ والقرطاسُ والقلمُ)
يفتتح الشاعر قصيدته بقوله: «ستٌّ مضينَ من الأحقابِ راحلتي القلبُ والحرفُ والقرطاسُ والقلمُ» في نبرةٍ تحمل طابع السيرة الذاتية الرمزية، حيث تُنزَع «الراحلة» من معناها المادي لتغدو استعارة لمسار الوعي والكتابة عبر الزمن. واختيار لفظ «الأحقاب» بدل «السنوات» أو «العقود» يضفي على الرحلة بُعدًا تاريخيًا كثيفًا، يوحي بأن التجربة ليست مجرد امتداد زمني، بل تراكم طبقات من الذاكرة الفردية والجمعية، حتى تكاد الرحلة تكتسب طابعًا أسطوريًا يتجاوز حدود الزمن العادي.
وتحديد مكوّنات الراحلة يكشف عن وعي الشاعر بطبيعة المسار الذي يخوضه:
فـالقلب يحيل إلى البعد الوجداني والأخلاقي، والحرف إلى الفكرة والمعنى، والقرطاس إلى الذاكرة والتدوين، والقلم إلى الفعل والالتزام.
بهذا لا يقدّم الشاعر قائمة أدوات، بل يشيّد تصورًا متكاملًا للكتابة بوصفها وسيلة عبور في التاريخ، لا مجرد تعبير ذاتي. فالرحلة ليست رحلة جسد في المكان، بل رحلة وعي في الزمن والمعنى، وليست بحثًا عن نجاة فردية، بل عن تثبيت أثر عبر الكلمة.
وفي ضوء القراءة التي تميّز بين العشق الأول (هَوِيَ) والسقوط الواعي في الكلمة (هَوَى)، يتضح أن هذا الافتتاح لا يقدّم مجرد بداية زمنية، بل يعلن منذ اللحظة الأولى عن مسار يتحوّل فيه العشق التأسيسي للكلمة إلى التزام وجودي. فالقلب والحرف والقرطاس والقلم ليست عناصر محايدة، بل مراحل في رحلة تبدأ بـهَوِيَ—عشقٍ بريء للكلمة—ثم تتطوّر عبر التجربة والصدمة والوعي لتبلغ لحظة هَوَى—سقوطٍ مقصود في الكلمة، أي انحيازًا أخلاقيًا واعيًا يجعل الكتابة موقفًا قبل أن تكون مهارة.
وعليه، يغدو هذا المقطع إعلانًا صريحًا عن «رحلة بالقلب والقلم»، رحلة تتأسس على عشقٍ أول يتحوّل تدريجيًا إلى التزام، وعلى وعيٍ بأن ما سيأتي لاحقًا ليس استذكارًا شخصيًا، بل سيرة كتابة وسيرة موقف، تُبنى عبر الزمن وتُختبر في مواجهة العالم.
(مشَتْ على دربِها زَهْواً بماحملَتْ يسوقُها الكوكبُ الدُّريُّ والحُلُم)
يقدّم الشاعر في قوله: «مَشَتْ على دربِها زَهْوًا بما حملَتْ» صورة لراحلةٍ تمتلك مسارها الخاص، لا تُقاد قسرًا ولا تنحرف تحت ضغط الخارج، بل تمضي في طريقها بوعيٍ بما تحمله من معنى وتجربة. والزهو هنا ليس غرورًا، بل اعتزازٌ أخلاقي بمعرفةٍ مُكتسَبة ومسارٍ مُختار، وهو الامتلاء ذاته الذي يرافق الذات حين تَهْوَى (تُحِبّ) الكلمة في بداياتها الأولى، أي حين يكون العشق (هَوِيَ) هو الطاقة الداخلية التي تمنح الخطى ثقتها الأولى.
أمّا قوله: «يسوقُها الكوكبُ الدُّرّيُّ والحُلُمُ» فيكشف عن ثنائية دلالية تتكامل فيها قوة العشق الأولى مع قوة السقوط الواعي لاحقًا. فـ«الكوكب الدري» نورٌ عالٍ ثابت، يمكن قراءته بوصفه رمزًا للحقيقة أو البوصلة القيمية التي تهدي المسير من الخارج، وهو الامتداد الطبيعي للعشق الأول (هَوِيَ) حين يتحوّل إلى معيار أخلاقي أعلى. في المقابل، يمثّل «الحلم» القوة الداخلية الدافعة، تلك الطاقة التي تجعل الذات تَهْوِي (تسقط) لاحقًا في وادي العشق المقدّس سقوطًا اختياريًا، أي انحيازًا واعيًا للكلمة بوصفها قدرًا ومسارًا.
"وأيُّ حُلْمٍ! فما زادَتْ نوافذُهُ إلّا لِـتغمرَهُ الأنوارُ والحِكَم"
فصيغة التعجب في قوله «وأيُّ حلم!» تؤدي وظيفة تعظيمية لا تقف عند حدود الانفعال البلاغي، بل ترفع الحلم إلى مرتبة المبدأ المؤسِّس لمسار الكتابة والوعي، كأن الشاعر يعلن منذ هذه اللحظة أن التجربة لا تُقاس بما تُراكِمه من سنوات، بل بما تُنتجه من أفق ورؤية. ومن هنا تكتسب صورة «نوافذه» دلالتها المركّبة؛ فهي لا تحيل إلى حلم مغلق أو يقين جامد، بل إلى فضاء معرفي مفتوح تتسع فيه زوايا الإدراك، بحيث يصبح الاتساع نفسه شرطًا للإضاءة. فكلما ازدادت «نوافذ» الحلم اتساعًا—أي كلما تعمّقت التجربة الفكرية والكتابية—ازداد امتلاؤه بالأنوار والحِكم، في انقلاب دلالي يقوّض التصور الشائع الذي يربط تعدد الرؤية بالتيه أو الشك، ويجعل الانفتاح هنا طريقًا إلى مزيد من الحكمة لا إلى العتمة. وعلى هذا الأساس، لا يقدّم الشاعر حلمًا تعويضيًا أو هروبًا من الواقع، بل حلمًا منتجًا للمعنى، يرسّخ نموذجًا لوعي لا يخشى توسيع أفقه لأن مرجعيته الأخلاقية والمعرفية ثابتة. وبهذا يغدو هذا البيت محرّكًا لبنية القصيدة الدلالية، لأنه يؤسس منذ البدء لاقتران الحلم بالكلمة بوصفهما مصدرين للهداية، ومقدّمةً لموقف نقدي سيشتدّ لاحقًا حين تُقابل الأنوار بدهاليز التحريف والظلام.
"في زاويةٍ قصيَّةٍ منَ الوادي المُحلَّى بالنخلِ والنهرينِ أطلقَ الولدُ (غيرُ الشقيِّ) صرختَه الأولى... ثمَّ هَوِىَ، وهو في ربيعِ خُطاهُ!"
فافتتاح المقطع بعبارة «في زاويةٍ قصيّة» لا يحدّد مكانًا جغرافيًا فحسب، بل يوحي بالهامشية والعزلة، وكأن الولادة الأولى للذات أو الوعي حدثت بعيدًا عن المركز، في فضاء جانبي من التاريخ. أما توصيف الوادي بـ«المحلّى بالنخل والنهرين»، فهو إحالة شفافة إلى العراق، وبغداد تحديدًا، بوصفها مهدًا حضاريًا تتجاور فيه الخصوبة الطبيعية مع الذاكرة الثقافية العميقة. هذه الإحالة لا تأتي بوصفها خلفية وصفية محايدة، بل بوصفها شرطًا تأسيسيًا للهوية، حيث يتشكّل الوعي في تماسّ مباشر مع التاريخ والمكان معًا.
وتأتي عبارة «الولد (غير الشقي)» لتؤكّد براءة البداية ونقاء التكوين، سواء أُخذت بوصفها إحالة إلى طفولة الشاعر أو إلى الذات المبدعة في لحظتها الأولى. نفي الشقاء هنا لا يُقرأ توصيفًا نفسيًا بقدر ما يُفهم موقفًا أخلاقيًا، يعلن أن هذه الذات لم تدخل العالم محمّلة بالانحراف أو الشر، بل بالاستعداد للحلم والمعنى.
أما «صرخته الأولى»، فهي صورة متعددة الطبقات، تصح قراءتها بوصفها صرخة الميلاد البيولوجي، لكنها تتجاوز ذلك إلى دلالة الميلاد الرمزي: ميلاد الوعي، أو الكلمة، أو الاحتجاج الأول في وجه العالم. الصرخة هنا ليست فعل ضعف، بل إعلان وجود وبداية اشتباك مع الواقع.
وعند قوله «ثمَّ هَوِىَ، وهو في ربيع خطاه»، تتبدّى أهمية التفريق الدلالي بين العشق والسقوط؛ فالفعل هنا يُقرأ بوصفه هَوِيَ لا هَوَى، أي أحبّ وعشق، لا سقط وانكسر. العشق يحدث في «ربيع الخطى»، أي في زمن البدايات والغرارة، لكنه لا يقود إلى الفناء أو الانتهاء، بل يشكّل تجربة تأسيسية مبكرة تُدخل الذات في اختبارها الأول مع العالم دون أن تُنهيها. وبهذا المعنى، لا يقدّم الشاعر صورة انكسار مبكر، بل يرسم ملامح عشق مبكر أسهم في تشكيل الوعي، ومهّد لاحقًا لتحوّل هذا العشق إلى التزام وجودي واعٍ، حين سيهوي القلم – لا الذات – في وادي الكلمة المقدسة.
لكنَّهُ لم ينتهِ، فلم يلمْهُ عاذلٌ، ولا نازلٌ.. مِنْ أدراجِ بُرجهِ العالي باللسانِ والعينِ المُصيبةِ قلبَ الولدِ الطّريّ."
يأتي قوله «لكنَّهُ لم ينتهِ» بوصفه جملة استدراكية حاسمة تقطع مع منطق السقوط النهائي، وتعيد توجيه القراءة من الانكسار إلى الاختبار. فالنفي هنا لا يطال الجسد أو الحدث العابر، بل يمتدّ إلى التجربة والروح والوعي، بما يجعل الاستمرار ذاته فعل مقاومة، لا مجرّد نجاة. إنّ ما سبق من تعثّر أو عشق مبكر لا يُقدَّم بوصفه خاتمة، بل بوصفه لحظة تأسيس ستُبنى عليها ملامح الموقف اللاحق.
وفي نفي اللوم عن «العاذل» و«النازل من أدراج برجه العاجي» يتجلّى موقف نقدي واضح من أشكال الوصاية الفكرية والأخلاقية. فالبرج العاجي يحيل إلى نخبة متعالية أو مثقف منقطع عن الواقع، وربما إلى سلطة تتحدّث من موقع فوقي وتدّعي امتلاك الحقيقة. غير أنّ الشاعر يعلن بوضوح أن هذه الأصوات، مهما امتلكت من سلطة خطابية، لم تستطع أن تُخضع التجربة أو تُطفئ جذوتها الداخلية.
وتتكثّف أدوات هذا القمع الرمزي في عبارتي «اللسان» و«العين المصيبة»، حيث يحيل الأول إلى الخطاب الجارح والتجريح والتخوين، فيما تحيل الثانية إلى الرقابة والتربّص والنظرة السلطوية التي تستهدف كسر الداخل لا الجسد. غير أنّ هذه الأدوات، على شدّتها، لم تُصب «قلب الولد الطري»، وهو تعبير يجمع بين الهشاشة والنقاء، ويؤكّد أن البراءة هنا ليست ضعفًا، بل مصدر قوة أخلاقية ومناعة داخلية.
وعليه، يرسّخ هذا المقطع حضور «الولد غير الشقي» بوصفه رمزًا للمبدع النقي والوعي المقاوم، في قراءة منسجمة مع المسار العام للقصيدة. فالنص لا يحتفي بالنجاة السهلة، بل يكرّس فكرة الصمود الداخلي في مواجهة القمع الرمزي، ويجعل من الاستمرار ذاته فعلًا شعريًا وأخلاقيًا، يمهّد للانتقال اللاحق من العشق إلى الالتزام، ومن التجربة الفردية إلى الموقف الوجودي.
(تسمية الجوهر: العشق والكلمة)
"الولدُ غيرُ الشّقيّ هوَىْ في وادي العشقِ المُقدَّسِ (الكلمة)،"
يأتي قوله «الولدُ غيرُ الشقيّ هوى» ليعيد توظيف فعل الهوى بعد أن كان قد ارتبط في السياق السابق بالانجذاب الأول، فيمنحه هنا دلالة مغايرة تمامًا. فالهوى لم يعد انكسارًا أو هزيمة، بل يتحوّل إلى انجذاب وجودي واعٍ، أشبه بالسقوط في الحب، حيث يفقد المرء توازنه لا ضعفًا، بل استسلامًا لقوة أعلى يختارها بإرادته. وبهذا المعنى، يعيد الشاعر تأويل السقوط لا بوصفه قسرًا أو إخفاقًا، بل بوصفه اختيارًا وانحيازًا، ينتقل فيه العشق من مستوى التجربة الوجدانية إلى مستوى القرار الوجودي.
أما عبارة «وادي العشق المقدس (الكلمة)»، فتشكّل لحظة كشف صريح يرفع فيها الشاعر الرمز إلى مستوى التسمية المباشرة. فالوادي، بما يحمله من إيحاءات العمق والاحتواء والمسار، يتحوّل إلى فضاء روحي، فيما يُوصَف العشق بالمقدّس، بما ينقل التجربة من حدود الموهبة أو التعبير الجمالي إلى أفق الالتزام الوجودي. ووضع كلمة «الكلمة» بين قوسين لا يأتي بوصفه شرحًا للرمز، بل تثبيتًا له، وتأكيدًا على أن المقصود ليس عشقًا عاطفيًا، بل عشق اللغة بوصفها جوهرًا ومعنى ورسالة.
ومن هنا يتبدّى البعد الصوفي في هذا المقطع بوضوح، حيث تتماهى الكلمة مع طريق الخلاص والمعرفة والوجود. فكما في التجربة الصوفية، لا يكون العشق غاية في ذاته، بل وسيلة للفناء في المعنى والاتحاد بالحقيقة. والكتابة، في هذا السياق، لا تُمارَس بوصفها حرفة أو تقنية، بل تُعاش بوصفها مسار تطهّر ومعرفة، يختار فيه الشاعر أن يهوي في الكلمة ليعيد بناء ذاته والعالم من خلالها.
وعليه، يشكّل هذا المقطع نقطة ارتكاز مركزية في القصيدة، إذ يحدّد بوضوح أن ما سبق من تعثّر أو صراع لم يكن إلا تمهيدًا لاختيار جوهري: الانتماء إلى الكلمة بوصفها قدرًا وموقفًا وطريقًا للنجاة، لا بوصفها أداة تعبير فحسب، بل بوصفها جوهر الوجود ومعناه.
فابتعدَ عن منازل التّحريفِ، والأسطر الصُّفرِ، والألسنةِ السّليطةِ التي أدمنَتْ.. أوكارَ الظّلام، ودهاليزَ الاستراتيجيات التي.. ألقَتْ بإرثِ الحريةِ الحمراءِ في قماماتِ نهايةِ التاريخِ،"
يعلن قوله «فابتعدَ عن منازل التحريف» موقفًا أخلاقيًا صريحًا من اللغة بوصفها مجال صراع لا حيّزًا محايدًا. فالتحريف هنا لا يُفهم بوصفه خطأ لغويًا عابرًا، بل ممارسة ممنهجة لتزييف الوعي، تتجلّى في الخطاب السياسي والإعلامي والثقافي على حدّ سواء. والابتعاد، في هذا السياق، لا يعني انسحابًا سلبيًا، بل رفضًا واعيًا للانخراط في منظومة تنتج المعنى المزيّف وتعيد تدويره بوصفه حقيقة.
وتتّسع دائرة هذا الرفض في صورة «الأسطر الصفر»، التي تحيل دلاليًا إلى الصحافة الصفراء والنصوص المتهافتة والخطابات المأجورة، أي إلى كتابة فاقدة لقيمتها المعرفية والأخلاقية، تُنتج الضجيج بدل المعنى، وتخدم السلطة بدل الحقيقة. فاللون الأصفر هنا لا يؤدي وظيفة وصفية، بل يحمل حكمًا قيميًا على خطاب استهلاكي مُفرغ من المضمون، يختزل اللغة في أداة ترويج لا وسيلة وعي.
وتتضافر صور «الألسنة السليطة» و«أوكار الظلام» و«دهاليز الاستراتيجيات» لتشكّل حقلًا دلاليًا متكاملًا للسلطة الخفية، حيث تتقاطع اللغة مع القمع، والتخطيط السياسي مع التضليل الإعلامي. هذه الصور لا تشير إلى سلطة واحدة بعينها، بل إلى منظومة مركّبة تعمل في الظل، وتنتج خطابها عبر غرف مغلقة، ثم تفرضه على المجال العام بوصفه حقيقة نهائية لا تقبل المساءلة.
ويبلغ هذا المقطع ذروته في صورة «إرث الحرية الحمراء» الذي أُلقي في «قمامات نهاية التاريخ»، وهي صورة ذات حمولة سياسية وفكرية عالية. فالحرية الحمراء تحيل بوضوح إلى الحرية المدفوعة بالدم والتضحيات، أي إلى تاريخ النضال والمقاومة، في حين يشكّل رمي هذا الإرث في قمامات «نهاية التاريخ» نقدًا لاذعًا للخطاب النيوليبرالي العالمي الذي سعى إلى إعلان نهاية الصراع، وتهميش قيم التحرر، وتحويل التضحيات إلى فائض تاريخي غير مرغوب فيه. هنا يفضح الشاعر آلية محو الذاكرة الثورية، وإعادة كتابة التاريخ من منظور المنتصر.
وعلى هذا الأساس، تكتسب القراءة التي ترى في «نهاية التاريخ» إحالة نقدية واعية مشروعيتها الكاملة، إذ لا يكتفي النص بالانحياز إلى الكلمة بوصفها عشقًا مقدسًا، بل يحدّد بوضوح ما يرفضه: كتابة السلطة، وخطاب التزييف، ومصادرة معنى الحرية. وبهذا يتأسس البعد السياسي للقصيدة دون انزلاق إلى المباشرة أو الشعارات.
فأغفلَتْ وتغافلَتْ عن دربِ التَّبانةِ في بيادي العشاق الذين.. لم يميلوا عن قافلةِ الصّدقِ.. أنمُلةً، والباحثين عن نهاية النّفقِ في رواياتِ الأحلامِ.. المتهالكةِ...؟
يتقدّم المقطع: «فأغفلتْ وتغافلتْ عن دربِ التبانةِ…» بوصفه لحظة مواجهة بين مسار العشق الواعي الذي اختارته الذات، وبين منظومةٍ سلطوية تتعمّد إقصاء هذا المسار. فالفعلان «أغفلت» و«تغافلت» لا يشيران إلى جهل بريء، بل إلى تعمّد في تجاهل النور، وإلى فعل إقصاء موجّه ضد كل ما يمكن أن يهدّد بنية التزييف القائمة. إنّهما نقيض مباشر لحركة «الولد غير الشقي» الذي هَوِيَ الكلمة عشقًا في بداياته، ثم هَوَى فيها لاحقًا سقوطًا اختياريًا، أي انحيازًا واعيًا للصدق والمعنى. ومن هنا يصبح التغافل فعلًا مضادًا لهذا السقوط الواعي، ومحاولة لقطع الطريق على مسار الحقيقة.
أما صورة «درب التبانة» فتعمل بوصفها الامتداد الكوني لذلك العشق‑السقوط؛ فهي طريق نورٍ عالٍ، ثابت، لا يُرى إلا لمن رفع نظره فوق العتمة اليومية. إنّه المسار الذي يهتدي به من اختار الكلمة قدرًا، لا من اكتفى بالتماهي مع الظلام. وفي مقابل هذا الأفق الرفيع، تأتي «البيادي» لتجسّد قساوة الطريق الذي يسلكه عشّاق الكلمة: صحراء العطش والتيه، حيث لا سند إلا الإيمان الداخلي بالمعنى. ومع ذلك، فإن هؤلاء العشاق—الذين بدأوا بالعشق (هَوِيَ) وانتهوا بالالتزام (هَوَى)—«لم يميلوا عن قافلة الصدق أنملة»، في تأكيد على أن الصدق ليس بطولة فردية، بل مسار جماعي ينهض على الثبات الأخلاقي.
وتأتي صورة «الباحثين عن نهاية النفق» لتكشف عن أملٍ محاصر، لا منطفئ. فالبحث هنا فعل مقاومة داخل ظلمة ممتدة، لكنه يصطدم في النهاية بسؤال مرير: "في روايات الأحلام المتهالكة؟ "
حيث تتحوّل الأحلام إلى سرديات مستهلكة، فقدت قدرتها على التغيير، تمامًا كما فقدت منظومات الخطاب المزيّف قدرتها على إنتاج معنى حقيقي. إنّ علامة الاستفهام لا تطلب جوابًا، بل تكشف عن أزمة معنى في زمن تآكلت فيه الوعود الكبرى، وتحوّلت فيه الأحلام إلى بقايا نصوص.
وعليه، يقدّم هذا المقطع خاتمة مفتوحة على اللايقين، منسجمة مع مسار القصيدة كلّه: فالنص لا يقدّم خلاصًا جاهزًا، بل يضع القارئ أمام سؤال أخلاقي وفكري حاد: هل يمكن للنجاة أن تأتي من «روايات الأحلام المتهالكة»، أم أنّ الطريق الحقيقي يظلّ في قافلة الصدق، حيث العشق الأول (هَوِيَ) يتحوّل إلى التزام واعٍ (هَوَى)، مهما طال التيه؟
دراسة متكاملة (بنيوية – سيميائية – دلالية – نفسية – سياسية)
تقوم قصيدة «من سيرة القلم البغدادي» على معمار بنيوي حركي واضح يُنتج معنى السيرة بوصفها انتقالًا تدريجيًا من التجربة الفردية إلى الموقف الوجودي والأخلاقي. يبدأ النص بمقطع افتتاحي موزون مقفّى يؤسس لبلاغة «الراحلة» بوصفها استعارة عليا للزمن الإبداعي، حيث تتشكّل الكتابة باعتبارها مسارًا ممتدًا للوعي لا فعلًا آنيًا أو انفعالًا عابرًا. ثم ينتقل الخطاب إلى مقطع سردي‑مشهدي يلتقط لحظة النشأة والعشق المبكر، قبل أن ينفتح في المقطع الختامي على أفق احتجاجي‑تأملي يوسّع التجربة لتغدو سؤالًا عامًا عن الحقيقة والحرية في عالمٍ مُزوَّر.
ويتجلّى هذا التدرّج البنيوي أيضًا في التحوّل الدلالي للفعل «هوى»، الذي ينتقل من معنى العشق المبكر (هَوِيَ) بوصفه تجربة وجدانية تأسيسية، إلى معنى السقوط الواعي (هَوَى) بوصفه اختيارًا وجوديًا مقصودًا، بما يجعل الحركة من الحبّ إلى الالتزام جزءًا من منطق السيرة لا تناقضًا فيها.
ويتحكّم في هذا المعمار نسق تقابلي حاد يمنح القصيدة توترها الدرامي وطاقتها التأويلية، إذ تتقابل ثنائيات كبرى تشكّل العمود الفقري لبنيتها الدلالية: النور في مقابل الظلام، حيث يحضر «الكوكب الدري» و«الأنوار» و«درب التبانة» بوصفها علامات هداية، في مواجهة «أوكار الظلام» و«الدهاليز» بوصفها فضاءات قمع وتضليل؛ والحلم في مقابل التحريف، حيث يُقدَّم الحلم معيارًا ومحركًا للوعي، في مواجهة «منازل التحريف» و«الأسطر الصفر» بوصفها أدوات تزييف؛ والقداسة في مقابل الابتذال، حيث يتجسّد «وادي العشق المقدس (الكلمة)» في مواجهة «الألسنة السليطة» والخطابات المأجورة؛ وأخيرًا الذاكرة النضالية في مقابل المحو السردي، حيث يُقابَل «إرث الحرية الحمراء» بـ«قمامات نهاية التاريخ».
وعلى مستوى الضمائر، تتحقّق حركة بنيوية ذات دلالة عميقة، إذ يبدأ النص بـ«أنا» كامنة تتخفّى خلف سيرة القلم والراحلة، ثم ينتقل إلى قناع الغائب في صورة «الولد غير الشقي». هذا التحويل لا يخدم غرضًا أسلوبيًا فحسب، بل ينجز وظيفتين أساسيتين: حماية الاعتراف الذاتي من المباشرة، وتعميم التجربة لتغدو نموذجًا قابلًا لتمثيل جيل كامل أو نمط مثقف عاش الصدمة والعشق والاختيار.
ومن منظور سيميائي، تشتغل القصيدة بوصفها منظومة علامات متآزرة، تتحوّل فيها المفردات إلى وحدات دلالية تتبادل الإحالة داخل النص. فالمكان، في صورة «الوادي المحلّى بالنخل والنهرين»، لا يُقدَّم خلفية وصفية، بل علامة هوية وذاكرة تستدعي تاريخ الرافدين وبغداد بوصفهما مهدًا حضاريًا، قبل أن يُقابَل هذا الفضاء الخصيب لاحقًا بفضاءات مظلمة من «الأوكار» و«الدهاليز»، في ما يشبه انقلاب المكان من خصوبة الأصل إلى عتمة الواقع السياسي.
كما تُبنى علامة الأداة في سلسلة «القلب/الحرف/القرطاس/القلم» بوصفها مسارًا من الداخل إلى الفعل: من الوجدان إلى المعنى، ومن الذاكرة التدوينية إلى الالتزام الكتابي، بحيث يتحوّل القلم من أداة إلى ذات فاعلة. ويشتغل «الولد غير الشقي» بوصفه علامة مزدوجة تجمع بين البراءة التأسيسية وقابلية التمثيل الجمعي، فيما يفتح القيد «غير الشقي» ضمنيًا على نقيضه دون تسميته، عبر آلية الحذف الإيحائي.
أما وضع كلمة «(الكلمة)» بين قوسين، فلا يؤدي وظيفة تفسيرية بسيطة، بل يثبّت المرجع الأعلى للتجربة: الكلمة بوصفها قيمة أخلاقية ومعرفية، ما يضع النص على تماس مع معجم صوفي‑قيمي يتقاطع فيه العشق مع القداسة والمسار الوجودي. وفي المقابل، تتشكّل علامات التزييف في حقل سيميائي واحد يضم «الأسطر الصفر» و«الألسنة السليطة» و«أوكار الظلام» و«دهاليز الاستراتيجيات»، حيث يحدّد اللون والفضاء طبيعة السلطة بوصفها رخيصة، سرّية، وتحت‑أرضية.
وتبلغ هذه الشبكة ذروتها في علامة «قمامات نهاية التاريخ»، التي تحوّل مصطلحًا فكريًا إلى جهاز محو، يُقصي الذاكرة النضالية خارج السردية المنتصرة، ويحوّل التضحيات إلى فائض تاريخي غير ذي قيمة. وبهذا، لا تكتفي القصيدة بتشييد عالم رمزي، بل تنخرط في مساءلة سياسية وأخلاقية عميقة لآليات إنتاج المعنى ومصادرة الذاكرة.
بهذا التماسك البنيوي والسيميائي والدلالي، تتكشّف القصيدة بوصفها سيرة كتابة وموقف، لا سرد تجربة شخصية فحسب، حيث يتداخل النفسي بالسياسي، والذاتي بالجمعي، والعشق بالالتزام، في نصّ يرفض الخلاص السهل، ويترك القارئ أمام سؤال مفتوح عن الصدق والحرية في زمن التزييف.
الانزياح الدلالي والاستعارة في ضوء الإحالات النظرية
يمكن مقاربة الانزياح الدلالي في قصيدة «من سيرة القلم البغدادي» في ضوء ما يطرحه جان كوهن في تنظيره للغة الشعرية، حيث يرى أن الشعر يقوم أساسًا على خرق النظام الدلالي المألوف للغة، وإحداث توتّر بين الدال ومدلوله، بما يسمح بإنتاج معنى جديد لا يمكن بلوغه عبر اللغة التداولية. فالانزياح، وفق كوهن، ليس تزيينًا أسلوبيًا، بل هو جوهر الشعرية ذاتها، لأنه ينقل الخطاب من مستوى الإخبار إلى مستوى الرؤية.
وانطلاقًا من هذا التصور، يتضح أن الانزياح في القصيدة لا يقتصر على مفردات معزولة، بل يشمل البنية الدلالية العامة للنص. فانتقال السيرة من بعدها الفردي إلى بعدها الجمعي يمثّل خرقًا متعمّدًا لأفق التلقي الأولي، حيث يُعاد تعريف “الأنا” بوصفها ذاتًا رمزية تمثّل جيلًا أو وعيًا جمعيًا. وهذا التحوّل ينسجم مع مفهوم كوهن للانزياح بوصفه انتقالًا من الدلالة المرجعية المباشرة إلى دلالة شعرية مركّبة، تتجاوز الإحالة الفردية إلى أفق تمثيلي أوسع.
وفي هذا السياق، تبرز إعادة تأويل فعل «الهوى» بوصفها مثالًا دقيقًا على الانزياح السياقي المركّب، حيث يُستثمر التفريق الدلالي بين «هَوِيَ» و«هَوَى» بوصفه آلية شعرية واعية. فـ«هَوِيَ» يحيل إلى العشق المبكر بوصفه تجربة وجدانية تأسيسية، لا سقوطًا ولا انكسارًا، فيما يُعاد شحن «هَوَى» بدلالة مغايرة، ليغدو سقوطًا واعيًا ومقصودًا في الكلمة، أي اختيارًا وجوديًا لا قسرًا. هنا لا يُلغى المعنى الأول، بل يُستوعَب داخل معنى أسمى، حيث يتحوّل السقوط من دلالة سلبية إلى فعل التزام، وهو ما يمنح التجربة بعدها التراجيدي‑الأخلاقي، ويجعل الانزياح الدلالي جزءًا من منطق السيرة لا تناقضًا فيها.
ومن جهة أخرى، يمكن قراءة الاستعارات المركزية في القصيدة في ضوء نظرية الاستعارة المفهومية كما بلورها جورج لايكوف ومارك جونسون، والتي ترى أن الاستعارة ليست مجرد أداة بلاغية، بل آلية معرفية تنظّم طريقة تفكير الإنسان بالعالم. فالقصيدة تبني عددًا من الاستعارات المفهومية الكبرى، من قبيل: الحياة/الكتابة بوصفها رحلة (الراحلة)، والالتزام بالكلمة بوصفه عشقًا مقدّسًا، والسلطة بوصفها فضاءً مظلمًا تحت أرضي (أوكار، دهاليز)، والتحرّر بوصفه خروجًا من نفق إلى نور. هذه الاستعارات لا تعمل على مستوى الصورة فحسب، بل تؤسس شبكة تصوّرية كاملة تُعيد تنظيم العلاقة بين الذات والتاريخ والسلطة، بحيث تُعاد صياغة الكتابة معرفيًا بوصفها فعل انتماء وجودي، لا ممارسة تقنية أو مهنية.
أما على مستوى السيمياء الثقافية، فيمكن النظر إلى القصيدة بوصفها نظامًا من العلامات المشبعة بذاكرة ثقافية وتاريخية. فالمكان، في صور النخل والنهرين والوادي، لا يُقرأ بوصفه فضاءً جغرافيًا محايدًا، بل بوصفه علامة ثقافية تحيل إلى العراق بوصفه مهد حضارة وموضع جرح تاريخي. وبالمثل، فإن «إرث الحرية الحمراء» لا يكتسب دلالته من اللون وحده، بل من حمولة ثقافية تربط الأحمر بالتضحية والشهادة، ما يجعل رمي هذا الإرث في «قمامات نهاية التاريخ» فعلًا رمزيًا لمحو الذاكرة الجمعية وإقصائها خارج السردية المنتصرة.
وفي هذا السياق، تتحوّل مفردات مثل «الأسطر الصفر» و«روايات الأحلام المتهالكة» إلى علامات ثقافية على خطاب الهيمنة المعاصرة، حيث يُعاد إنتاج الوهم في صيغ سردية مستهلكة تُفرغ الحلم من طاقته التحررية. وهنا تتقاطع السيمياء الثقافية مع النقد السياسي، إذ لا تُفهم العلامة بمعزل عن السياق الأيديولوجي الذي ينتجها ويعيد توظيفها.
خلاصة نظرية
يتبيّن، في ضوء هذه الإحالات، أن الانزياح الدلالي والاستعارة في القصيدة لا يؤديان وظيفة جمالية فحسب، بل يشكّلان آليتين معرفيتين وثقافيتين لإعادة بناء المعنى. فالقصيدة، عبر خرقها للمعنى المباشر، واستثمارها للاستعارة المفهومية، وتشغيلها للعلامات الثقافية، تنجح في تحويل التجربة الفردية إلى خطاب جمعي مقاوم، يجعل من الكلمة أفقًا أخلاقيًا في مواجهة التزييف ومحو الذاكرة، ويحوّل العشق من حالة وجدانية (هَوِيَ) إلى التزام وجودي واعٍ (هَوَى).
البعد النفسي والبعد السياسي: نفسية جيل داخل آلة تزييف
1- البعد النفسي:
يتشكّل البعد النفسي في القصيدة عبر خطّ تحوّل واضح يعكس مسار وعي جيلٍ كامل، لا تجربة ذاتية معزولة. تبدأ هذه النفسية بـ«الصرخة الأولى»، التي لا تُقرأ بوصفها حدثًا بيولوجيًا فحسب، بل بوصفها دهشة الوعي الأول واصطدام الذات بالعالم. غير أنّ هذه البداية لا تلبث أن تُواجَه بـ«سقوط مبكر»، لا يُنتج انكسارًا نهائيًا، بل صدمة تُفضي إلى هشاشة واعية، تميّز الذات عن البراءة الساذجة، وتفتحها على إدراك مبكر لقسوة الواقع.
وفي هذا السياق، يكتسب التفريق الدلالي بين «هَوِيَ» و«هَوَى» بعده النفسي العميق؛ فالعشق المبكر (هَوِيَ) لا يُمثّل سقوطًا نفسيًا، بل تجربة وجدانية تأسيسية تُدخل الذات في اختبارها الأول مع العالم. أمّا التحوّل اللاحق إلى «العشق المقدس (الكلمة)»، فيمثّل انتقالًا من العشق بوصفه حالة شعورية إلى السقوط الواعي (هَوَى) بوصفه اختيارًا وجوديًا مقصودًا. هنا تتحوّل الصدمة إلى التزام، ويغدو الألم مادة للتسامي، تُعاد صياغته في معنى ومسؤولية، لا في انسحاب أو يأس.
ويتعمّق هذا المسار النفسي مع تشكّل وعي مرير بمنظومات التحريف والتزييف، التي تتجسّد في صور «الأسطر الصفر» و«الألسنة السليطة»، حيث تدرك الذات أن الخطر لم يعد في القمع المباشر وحده، بل في إنتاج خطاب مزيّف يُفرغ المعنى من قيمته. ويأتي القلق الخاتمي، في صيغة الاستفهام الأخير، بوصفه ذروة هذا الوعي؛ فهو لا ينفي الأمل، لكنه يشكّك في السرديات المتهالكة، ويطالب بأفق حقيقي يتجاوز أوهام الخلاص الجاهز.
2- البعد السياسي
أما البعد السياسي، فلا يتجلّى في القصيدة بوصفه تصريحًا مباشرًا أو خطابًا شعاريًا، بل يتشكّل عبر بنية خصومة رمزية بين خطابين متقابلين يتنازعان إنتاج المعنى. فمن جهة، يبرز خطاب الكلمة والصدق، الذي تمثّله صور «قافلة الصدق» و«العشاق» و«درب التبانة» و«نهاية النفق»، بوصفها علامات على رغبة تحرّرية تسعى إلى الخروج من العتمة، وتؤمن بإمكان استعادة المعنى عبر الالتزام الأخلاقي بالكلمة. ومن جهة أخرى، يتشكّل خطاب السلطة والتزييف من خلال صور «دهاليز الاستراتيجيات» و«الأوكار» و«الألسنة السليطة» و«الأسطر الصفر» و«البرج العاجي»، وهي صور تُجسِّم منظومة الهيمنة بوصفها فضاءً معتمًا يعمل على إنتاج خطاب مزيّف، وإقصاء الحقيقة، وتدجين الوعي الجمعي.
وتبلغ هذه الخصومة ذروتها في صورة «إرث الحرية الحمراء» الملقى في «قمامات نهاية التاريخ»، حيث تكشف القصيدة عن آلية مزدوجة تمارسها السلطة الرمزية: تشويه الماضي النضالي عبر تفريغ التضحيات من معناها التاريخي، وإغلاق أفق المستقبل عبر سردية تزعم أن التاريخ قد انتهى وأن المقاومة لم تعد ذات جدوى. وبهذا، لا تكتفي القصيدة بإدانة القمع المباشر، بل تفضح البنية الخطابية التي تعمل على محو الذاكرة وإلغاء إمكان التغيير، مؤكدة أن الصراع الحقيقي هو صراع على المعنى، وعلى حق الكلمة في أن تظل أفقًا للتحرّر لا أداة للتزييف.
خلاصة تركيبية
تتجلّى القصيدة، في ضوء هذا التحليل، بوصفها بناءً سرديًا‑رمزيًا يحوّل «سيرة القلم» إلى سيرة وعي عراقي/بغدادي يتكوّن بين براءة الأصل وعنف التاريخ. وعبر تقابلات النور والظلام، وإزاحة السقوط من دلالته الانكسارية إلى العشق الواعي، واستعارات المكان السفلي للسلطة، تتبلور «الكلمة» بوصفها قيمة عليا: ليست أداة تعبير، بل معيار نجاة ومقاومة. وتبقى النهاية الاستفهامية وظيفة جمالية‑سياسية في آن، لا تُغلق المعنى، بل تُحرّض القارئ على مساءلة ما إذا كان الخلاص ما زال ممكنًا خارج «روايات الأحلام المتهالكة»، أم أن الطريق الحقيقي يظل في السقوط الواعي في الكلمة، لا في الهروب منها.
الخاتمة
تكشف قراءة قصيدة «من سيرة القلم البغدادي» في ضوء المناهج البنيوية والسيميائية، وتحليل الانزياح الدلالي والاستعارة، عن نصّ شعري مشحون بدلالات تتجاوز حدوده الغنائية إلى مستوى السيرة الرمزية للقلم العراقي في زمن الاضطراب التاريخي. فقد تبيّن أن البنية التقابلية التي تحكم القصيدة—من قبيل العشق/السقوط، الكلمة/التحريف، النور/الظلام، إرث الحرية/قمامات نهاية التاريخ—لا تؤدي وظيفة زخرفية، بل تعبّر عن تمزّق ذات نفسية‑سياسية تسعى إلى حماية قداسة الكلمة في مواجهة سلطة متعدّدة الوجوه: قمعية، وإعلامية، واستراتيجية.
ومن خلال قناع «الولد غير الشقي»، والاستعارات الكبرى للراحلة، ووادي العشق، ودرب التبانة، ينجح الشاعر في تحويل تجربته الفردية إلى نموذج جمعي يختزل سيرة جيل عراقي وقع في فخاخ الحروب والخيبات، لكنه ظلّ منتميًا إلى «قافلة الصدق» ومشدودًا إلى البحث عن «نهاية النفق». وفي هذا السياق، لا يُقدَّم السقوط بوصفه هزيمة نهائية، بل يُعاد تأويله ليغدو عشقًا واعيًا للكلمة، واختيارًا أخلاقيًا يحوّل الألم إلى التزام، والصدمة إلى معنى.
وهكذا تغدو القصيدة شهادة جمالية‑فكرية على قدرة الشعر على مقاومة التزييف، وعلى إعادة بناء المعنى في زمن تُدفع فيه أحلام الحرية نحو الهامش، وتُختزل في «روايات أحلام متهالكة». وبرغم ذلك، يظلّ القلم—بوصفه ذاتًا واعية لا أداة صامتة—يحاول إنقاذ جوهر الكلمة، مؤكدًا أن الصراع الحقيقي ليس على الوقائع وحدها، بل على المعنى، وعلى حق الذاكرة واللغة في أن تظلّ أفقًا للتحرّر لا مادة للإلغاء..
وهكذا تغدو القصيدة شهادة جمالية‑فكرية على قدرة الشعر على مقاومة التزييف، وعلى إعادة بناء المعنى في زمن تُدفع فيه أحلام الحرية نحو الهامش، وتُختزل في «روايات أحلام متهالكة». وبرغم ذلك، يظلّ القلم—بوصفه ذاتًا واعية لا أداة صامتة—يحاول إنقاذ جوهر الكلمة، مؤكدًا أن الصراع الحقيقي ليس على الوقائع وحدها، بل على المعنى، وعلى حق الذاكرة واللغة في أن تظلّ أفقًا للتحرّر لا مادة للإلغاء.



#سهيل_الزهاوي (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)

الكاتب-ة لايسمح بالتعليق على هذا الموضوع


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- عودة المالكي في زمن الأزمة: هل يحتمل العراق إعادة تدوير الما ...
- -غَمٌّ وسَأمٌ-: دراسة نقدية متعددة المناهج في شعر جواد غلوم
- الزمن المؤجَّل واكتمال الوجود قراءة نقدية في قصيد -يومان في ...
- -اللحاف المنسوج-: مقاربة سيميائية وبنيوية في بنية الوجع وتمث ...
- الهويّة والمدينة في شعر عبد الستار نورعلي: مقاربة بنيوية - س ...
- قصة قصيرة.. فجر في مدينةٍ مخنوقة
- حاجي ژن.. حين تغدو المرأة وطناً يُؤوي الأرواح
- بين الرغبة والتمرد: قراءة بنيوية وسيميائية ونفسية ونسوية لقص ...
- من الغزل إلى الالتزام: الحبيبة كقناع للوطن والفكر: في قصيدة ...
- الشوق والغياب في رباعية الشاعر القدير يحيى السماوي: قراءة نق ...
- قالوا: تدلّل! قلتُ: لا! - الشعر كفعل مقاومة أخلاقية دراسة ما ...
- الألم و العشق والفناء والخلود: مقاربة وطنية وفلسفية لومضة يح ...
- بين الظلال والنور: قراءة نقدية في قصيدة -لا تكن معتما…- للشا ...
- ومضة الهوية: صراع الذات والوطن في النص الشعري للشاعر الكبير ...
- تموز: انبعاث الثورة وانبثاق الحرية من قلب المعاناة، في قصيدة ...
- حين يضحك الشهيد قبل المقصلة
- رمزية المرأة وقضية التحرر في قصيدة -العنقاء- للشاعر عبد الست ...
- من -خبز أمي- إلى -قضبان الضلوع-: قراءة رمزية في ومضة شعرية - ...
- بين الهبة والسُّلطَة: قراءة في قصيدة -إنّما الدنيا لِمن وَهَ ...
- عهدي وكلمتي


المزيد.....




- نقابة المهن التمثيلية في مصر توقف مسلسلا وتمنع عرضه في رمضان ...
- الأضخم في تاريخه.. 6 ملايين زائر مع ختام معرض القاهرة للكتاب ...
- صور|تحضيرات معرض -المدى- الاستثنائي لدعم ثقافة القراءة
- 6 روايات في القائمة القصيرة للجائزة العالمية للرواية العربية ...
- فساتين بزهور ثلاثية الأبعاد وسلاسل معدنية وريش..فنانة أمريكي ...
- جائزة -غرامي 2026- لكتاب الدالاي لاما تثير غضب الصين
- رواية -أصل الأنواع-.. القاهرة في مختبر داروين
- الدب الذهبي المحاصر.. كيف همّش مهرجان برلين أفلام غزة؟
- خمسون دولارًا مقابل مشاهدة فيلم ميلانيا ترامب؟
- عائلة الفنانة هدى شعراوي تكشف تفاصيل صادمة حول مقتلها ومحاول ...


المزيد.....

- تشريح الذات: كانَ شتاءَ الشحّ / دلور ميقري
- ذاكرة لا تصافح أحداً. حكايات وذكريات الكاتب السيد حافظ الجزء ... / ياسر جابر الجمَّال
- دراسة تفكيك العوالم الدرامية في ثلاثية نواف يونس / السيد حافظ
- مراجعات (الحياة الساكنة المحتضرة في أعمال لورانس داريل: تساؤ ... / عبدالرؤوف بطيخ
- ليلة الخميس. مسرحية. السيد حافظ / السيد حافظ
- زعموا أن / كمال التاغوتي
- خرائط العراقيين الغريبة / ملهم الملائكة
- مقال (حياة غويا وعصره ) بقلم آلان وودز.مجلةدفاعاعن الماركسية ... / عبدالرؤوف بطيخ
- يوميات رجل لا ينكسر رواية شعرية مكثفة. السيد حافظ- الجزء ال ... / السيد حافظ
- ركن هادئ للبنفسج / د. خالد زغريت


المزيد.....


الصفحة الرئيسية - الادب والفن - سهيل الزهاوي - العشق المقدّس للكلمة بين النور والظلام: قراءة بنيوية‑سيميائية في قصيدة -من سيرة القلم البغدادي- عبد الستار نورعلي