علاء سامي
كاتب وباحث
(Alaa Samy)
الحوار المتمدن-العدد: 8649 - 2026 / 3 / 17 - 19:51
المحور:
العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني
«إنَّ أخطَر أشكَالِ الجَهل لَيس نَقص المَعلُومَة بَل هو الِامتِلَاءُ بالوَهم؛ إذ يَقضُون أعمَارَهُم في تَشيِيد جُدرَان زَيفِ اليَقِين، وعِندَمَا يَأتِي السُّؤَال الفَلسَفِيُّ والنَّقدِي ليَطرق البَاب، لا يَخشون على الحَقِيقَة.. بل يَخشون على أصنَامِهم الذِّهنِيَّة أن تَتَهَاوَى؛ فالحَقِيقَةُ لا تَخَاف السُّؤَال وإنَّمَا الوَهمُ وَحدَه هو الَّذِي يَرتَعِد.» ― علاء سامي
***
تَضِلُّ الرُّوح ويَقَعُ الإنسَانُ مَعَها فِي فَلَكِ الغَفلَةِ الوُجُودِيَّة حِينَ التَّوَهُّمِ بغُرُورٍ أنَّ الكَينُونَة تَكتَمِلُ بمُجَرَّدِ استِنشَاقِ هَوَاءِ العَادَةِ الرَّتِيب ومُجَارَاةِ المَألُوف؛ إذِ الوُجُود الحَقُّ لا يَتَجَلَّى نُورُه إلَّا مِن رَحِمِ المُسَاءَلَةِ النَّقدِيَّة والشَّكِّ الَّذِي يَسبِقُ شَهِيقَ الحَيَاة.. أو يَفُوقه.
فَمَا الهَيئَات السَّاكِنَةُ الخَالِيَةُ مِن الشَّكِّ سِوَى أطيَافٍ شَاحِبَة تَعِيشُ حَيَوَاتٍ مُعَارَة سَلَفًا، تَقتَاتُ ببَلَادَةٍ على أنسَاقٍ لَم يَصهَرها آتُون فِكرها وسُؤَالهَا وتُرَدِّدُ مَقَالاتٍ لَم تُعَمِّدها بِمَاءِ حِيرَتِهَا؛ مَسجُونَةً فِي زَنَازِين مُزَخرَفةٍ بالتَّقلِيدِ والتَّوَارُث تَتوَهَّمُهَا جُدرَانًا للطُّمَأنِينَة، بينَمَا هِي أصفَادٌ صَاغَتها يَد القَطِيع بوَقِيعَةِ الِاحتِكَار ونقش عَلَيهَا الجَهل أو التَّآمُر أو التَّوَاطُؤ عَبر العُصُور: خَتم المُقدَّسِ والصَّحِيحِ.. ليُضفِي على المُرَاد تَبجِيله طَابَع اللَّا جِدَال فِيه -أو التَّفَلسُف- لتَخلق وعَبر تَرَاكُمِ السِّنِين عَقلًا مُمتَلِئًا ومَيِّتًا في آنٍ وَاحِد!
أمَّا ذَلِك الِامتِلَاءُ المَعرِفِيُّ -المَزعُوم- المُتخَمُ بالإجَابَاتِ الجَاهِزَة لَيس سِوَى الحِجَاب الأكثَف والسِّتَار الأغلَظ بَين الذَّات المُلَقَّنَة وتَجَلِّي البَصِيرَة الحُرَّة؛ حَيثُ لا مَهرَب للسَّالِكِ في دَربِ التَّنوِير مِن حَتمِيَّة تَطهِيرِ الوَعي بعمَلِيَّةِ هَدمٍ شَاقَّة تُجَرِّدُ الإنسَانَ مِن أوهَامِه المُكتَسَبة.. لِيَغدُو وِعَاءً أثِيرِيًّا شَفَّافًا قابِلًا لاحتِضَانِ نُور الحَقِيقَة بَعد طَرد عَتمَةِ المَعلُومَات المَخزُونَة في قِيعَانِ الذَّاكِرَة كَنُصُوصٍ مُقَدَّسَة، وهِيَ لَيسَت إلَّا اجتِهَادًا بَشَرِيًّا أخطَأ أكثَر مِمَّا أصَاب، بل وضَلَّ وأضَلَّ أكثَر مِمَّا اهتَدَى أو حَتَّى دَعَا إلى الهُدَى!
وتِلكَ الأصنَامُ المَفاهِيمِيَّة لا تَتبَدَّدُ بالتَّلقِين السَّاذجِ أو بِتَردِيدِ المَتُون على مَنابِر الِادِّعَاء، وإنَّمَا بانبِثَاقٍ جَدَلِيٍّ يَستَلُّ المَعنَى مِن مَضَايِق التِّيه استِلالًا كيَانِيًّا؛ فالفِكرُ الَّذِي لا يُزَلزِلُ أنسِجَةَ الرُّوحِ المُستَلبَة عِند بُزُوغِه ولَا يَترُك خَلفَهُ نَدبَةً مِن ارتِيَابٍ وحَيرَة أو صَدعًا فِي جِدَار الطُّمَأنِينَةِ الزَّائِفة.. هو مُجَرَّدُ صَدًى مُستَعَار لا يُعَوَّلُ عَليهِ في استِنهَاض المَاهِيَّة مِن غَيَابَاتِ الظِّلَال الآفِلَة.
ليُطِلَّ عَلينَا -إثرَ هَذَا الألَمِ الفَلسَفِيِّ المُبَرِّحِ- أسمَىٰ مَرَاتِب الإدرَاك مُتَجلِّيَةً فِي العَجزِ التَّامِّ والوُقُوف بوَجَلٍ وتَوَاضُعٍ أمَامَ هَيبَةِ العِلم المُطلَق؛ فِي جَهلٍ عَالِمٍ وتَجَرُّدٍ عِرفَانِيٍّ نَبِيل يَدُكُّ سُلطَة الأنَا المُتَضَخِّمَة الزَّائِفَة، مُعتَرِفًا بِنُقصَانِه المُقَدَّس الَّذِي يَفتَحُ مَسَامَّ الرُّوحِ مُشرَعَةً لعُبُور نُور المُطلَق إلى الدَّاخِل المُظلِم.. وهو النُّقصَان عَينُه الَّذِي تَرتَعِدُ مِنه أركَانُ العَوَامِّ المُتَدثِّرِين بثِيَاب اليَقِين الجَمعِيِّ الهَشَّة؛ خَوفًا مِن سُلطَان السُّؤال.
...
إذ يَرَون فِي الوَعيِ المُتَسَائِل المُتمَرِّد باجتِهَادٍ تَعرِيَةً فَجَّة لعَورَاتِ جَهلِهِم المُستَتِر وفَضحًا لهَشَاشَة بُنيَانِهِم؛ وَمُخَدِّرًا يَتَبَدَّدُ فَجأَة..!
ليَندَلِع القَلَقُ الوُجُودِيُّ الحَارِق الَّذِي يُحَارِبُه نَهجُ الجَمَاعَة بكُلِّ ضَرَاوَة؛ تَأمِينًا لِاستِقرَارِهَا القَطِيعِيِّ وَحِمَايَةً لِأصنَامِهَا مِن فُؤُوسِ حَقِّ التَّسَاؤُل..؟
اترُكُونَا؛ ألَسنَا نَحنُ مَن يَقتَفِي دَربَ التَّسَاؤُل والتَّفَكُّرِ والتَّدَبُّر! وإلى نَهج الأب إبرَاهِيم الإمَام ﷺ يَنتَمِي فِكرُنا.
...
ذَلِكَ الِاستِقرَارُ الزَّائِف الَّذِي يُسجَن غَالِبًا فِي قَوَالِب اللُّغَةِ الخَادِعَة وشِبَاكِهَا الوَهمِيَّة -كَمَا يَهدِف فِكرُ العَوَامّ- حَيثُ يَتوَهَّمُون بصَلَفٍ أنَّهُم "قَبَضُوا" على جَوهَر الأشيَاء بمُجَرَّد إطلَاقِ التَّسمِيَات -التَبجِيليَّة- عَلَيهَا وفَرضهَا في القَوامِيسِ الفِكرِيَّة، غَافِلينَ بِغُرُورِهِم المَعرِفِيِّ عن كَونِ الكَلِمَات مُجَرَّد مَقَابِر بَارِدةٍ للمَعَانِي الحَيَّة؛ يَفقِدُ فِيهَا الفِكرُ نَبضَه وحَيَاتَه متى ما سُجِن فِي لَفظٍ جَامِد ونسقٍ ضَيِّق.
مِمَّا يُحَتِّم عَلينَا -بضَرُورَةِ العَطَشِ المَعرِفِي- العُبُور إلى مَا وَرَاء الحَرفِ والنَّصِّ والمَقَال؛ حَيثُ السُّؤَال هُوَ التَّجَلِّي الأصدَق، واللُّغَةُ الوَحِيدَة الَّتِي لا تَكذِب ولا تُنَافِق أو تَخُون المَعنَى..
لُغَةٌ جَلِيلَة؛ تُؤَسِّسُ لتَطهِيرٍ عَقلانِيٍّ صَارِم وعلمَنَةٍ بَاطِنيَّةٍ لِلذَّات (تَرفُض رَفضًا قَاطِعًا) وَصَايَةَ أيِّ كَهَنُوتٍ فِكرِي أو حُرَّاس لِلنَّوَايَا؛ مُتجَرِّدَةً بيَقَظَةٍ تَامَّة مِن كُلِّ سُلطَةٍ خَارجِيَّة سِوَى سُلطَةِ العَقل الحُرّ القَادِر على الوُقُوف وحِيدًا أمَام حُجُبِ الغَيب والمَادَّة والنَّص -دُونَ وُسَطَاء يَسرِقُون دَهشَتَهُ أو يُمَرِّرُون لَهُ تَبجِيلَ مَذهَبٍ أو رَجُل، ولا أوصِيَاء يُصَادِرُونَ حَقَّهُ في السُّؤَالِ والِاجتِهَادِ والتَّفسِير- وطَرحِ رُؤيَته الخَالِصَة مُزِيلًا بلا هَوَادَةٍ هَالَاتِ الزَّيفِ والتَّقدِيس عن أولَئِكَ المُدَّعِين وسَدَنَةِ المَعَابِد الفِكرِيَّة الَّذِين يَطرَحُونَ طمَأنِينَة الوَهمِ بكَلِمَاتٍ مُنَمَّقَة سَارِقَة للعَقلِ والوَعي في أسوَاقِ الخَدِيعَة.
هَؤُلاء يَعتَقِدُونَ احتِكَارَ الحَقِيقَةِ فِي مَقَالَةٍ وَعظِيَّةٍ جَاهِزَة!؛ لِيُخمِدُوا نَار الحَيرَة المُتَّقِدَة! الَّتِي هِيَ -وَحدَها- مِقيَاسُ حَقِّ العِلمِ والذِّكرِ ومِعرَاجُ الِارتِقَاءِ نَحو المَعرِفَة..
وهِيَ حَيرَةٌ مَجِيدَة تَرفَعُ الشَّكَّ عَن كَونِه مُجَرَّد نَقِيضٍ لسَطحِيَّةِ الإِيمَانِ والِاتِّبَاعِ، إلى مَرتَبَةِ الجَوهَرِ النَّابِض في أعمَقِ أعمَاقِه، والمُحَرِّك الأوَّل لوُجُودِه المَعرِفِي واختِيَاره الحُرّ.
فالإيمَانُ الَّذِي لا يُصهَرُ في نِيرَانِ الِارتِيَاب ولا يُبنَى على التَّسَاؤُلِ المُستَمِرّ؛ هو مُجَرَّدُ إرثٍ بَاهِت، وعَادَةٍ بَلِيدَة تَمَّ تَورِيثُها كَمَا تُورَثُ التَّقَالِيد..
بَينَمَا السُّؤَالُ الوُجُودِيُّ في أبهَىٰ صُوَرِه هُوَ الحِكمَةُ الأعظَم؛ الَّتِي فِيهَا رَجَاء الرُّوحِ المُتَمَرِّدَة في بَحثِهَا النَّقدِي عَن مَقَامهَا الأصِيل وصِرَاطِهَا في تَنَاغُمِ الحَيَاةِ والنَّفس، و"رُوح السُّؤَال" مَقَامٌ رَفِيع يَتجَلَّىٰ فِيه العِلم لا كقَيدٍ يُفرَض بالتَّرهِيب أو الوَعدِ والوَعِيد! بل كفِعلٍ مَعرِفِيٍّ بَاطِني يَنبَع مِن عُمقِ الإدرَاك.. وفَيضٌ طَبِيعِيٌّ وإشرَاقٌ ذَاتِي لِنَفسٍ استَنَارَت بِنُورِ بَصِيرَتِهَا، وتَحَرَّرَت مِن أغلَالِ التَّبَعِيَّة، وأبطَلَت شَهوَةَ التَّلقِين الَّتِي تَشُدُّهَا إلى طِينِ العَدَم -ومَوتًا تَمُوت-..
إذ إنَّ الشَّر فِي جِذرِه الأعمَق والأخفَى لَيس سِوَى عَمًى بَصِيرِيٍّ عَن إدرَاكِ الجَمَالِ الكُلِّي.
فالنَّفسُ المُتَقبِّلَةُ فِي مَسِيرَتِهَا التَّنوِيرِيَّة (كُلَّ أطوَارِ المُعَانَاة) لا تَعتَبِرُهَا عِقَابًا عَبَثِيًّا مَقدُورًا ولا خَطِيئَةً أصلِيَّة مُجَرَّدَة مِن التَّجرِبَةِ الخَاصَّة؛ بل تَعتَبِرُهَا أدَوَاتٍ إلٰهِيَّة تُشَكِّلُ وتَصقُل وَعيًا حُرًّا في أتُونِ التَّجرِبَة.. وتُؤَسِّسُ لتَدَبُّرٍ جَرِيءٍ في الذَّات، تَفسِيرًا واجتِهَادًا في فَهمِ قَانُونِ الوُجُود؛ بَدَلًا مِن السُّكُونِ لغَيبُوبَةِ النَّقل -والمُسَكِّنَاتِ الشَّعبَوِيَّة- الَّتِي تُطفِئُ يَقَظَةَ العَقل.
...
وكُلُّ هَذَا كَاستِعدَادٍ مَهِيب وَتَدرِيبٍ شَاق لِلمَوتِ الفَلسَفِيِّ الطَّوعِي الَّذِي يَسبِقُ فَنَاء الجَسَدِ الحَتمِي..
مَوتًا إرَادِيًّا عن الهُوِيَّاتِ الضَّيِّقَة، والأفكَارِ المُتَصَلِّبَة والتَّعَصُّبِ الأعمَى لِكُلِّ مَا هو أرضِي!؛ لِينسَابَ الوَعيُ المُتَدَبِّر في تِيَارِ السُّؤَال الأعظَم ويَتَّحِد فِيه، ويُصبِح هو ذَاته الحَقِيقَة الَّتِي أفنَى عُمرهُ الأرضِي في تَحقِيقِ أثَرهَا.
وهُنَا -وفي ذروَةِ هَذَا الِانعِتَاقِ الفَلسَفِي المُشتَرَك- تَلُوحُ في أُفُقِ الوَعي المُتَسَامِي تِلكَ النُّبُوءَةُ الخَالِدَة الَّتِي تُلَخِّصُ مَأسَاتنَا ومَلحَمَتنَا.. صَارِخَةً فِي بَرِّيَّةِ العَالَم.
...
وَنَجِدُ أنفُسَنا في نِهَايَةِ الرِّحلَة نَقِفُ بأَيدٍ فَارِغَةٍ تَمَامًا مِن الإجَابَاتِ المُعَلَّبَة أو مُطلَقِ الصَّحِيحِ! وصُدُورٍ تَشتَعِلُ بِشَغَفِ نَار الأسئِلَة الَّتِي لا تَنطَفِئ.. ومِن ثَمَرَةِ المَعرِفَة؛ البِدَايَة.
نَنتَصِرُ فِي مَعرَكَتِنَا الكُبرَى -الوَعي- بهَزِيمَة ذَوَاتِنَا المُدَّعِيَةِ للعِلم أمَامَ هَيبَةِ حَقِّ السُّؤَال الَّذِي لا يَقبَلُ المُسَاوَمَة ولا أنصَاف الأجوِبَة.. وأمَّا تَهَافُت اليَقِينِ الزَّائِف أمَامَ البَصِيرَةِ والوَعي والسُّؤَال فهُوَ أمرٌ حَتمِي؛ لأنَّهُ لا إنسَان ذَا وَعيٍ حُرّ يَسكُنُه فَرَاغٌ أو تَلقِينٌ وتَقلِيد أو عَادَة؛ مُستَعِد فِي كُلِّ لَحظَةٍ لِتَقبُّلِ السُّؤَالِ والِاجتِهَاد -والمَعرِفَةِ السَّرمَدِيَّة- مُنفَتِحًا على الوُجُود والرُّؤَى حَيثُ لا نُقطَةَ في آخِر السَّطرِ تُنهِي الكَلَام، بل طَرِيقُ الفِردَوسِ يَبدَأ بالتَّسَاؤُل الَّذِي لا يُحَدُّ -ولَو حَتَّى بوَصِيَّةِ الرَّبِّ الإِلٰه!- وكَذَلِكَ يَنتَهِي.
#علاء_سامي (هاشتاغ)
Alaa_Samy#
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟