هشام نوار
(Naouar Hichem)
الحوار المتمدن-العدد: 8635 - 2026 / 3 / 3 - 16:16
المحور:
مواضيع وابحاث سياسية
تأسست "شركة التبريد ومعمل الجعة بتونس" في 3 جوان 1925 زمن الاحتلال الفرنسي وهي شركة خفية الاسم بنيت تدريجيا حول شركة أم صغيرة انطلق نشاطها في بناء وتشغيل محطات تبريد لصناعة الثلج والحفاظ على المواد الغذائية.
سيطرت الحكومة التونسية على رأسمالها منذ بداية الستينات إلى حدود سنة 1979 تاريخ بيع حصتها لمجموعة بيار كاستل الفرنسية في ظروف مثيرة للجدل ولا يزال الغموض يلف حيثيات هذا التفويت.
اقترن اسم حمادي بوصبيع بدرجة كبيرة باسم الشركة وقد شغل في الستينات خطة مدير البنك المركزي تحت إشراف مؤسسه الهادي نويرة ثم تولى منصب نائب المحافظ ليغادر المؤسسة المركزية بعد رحيل نويرة من الوزارة الأولى عام 1980 ويكلف بإدارة شركة التبريد ومعمل الجعة بتونس وسيمتلك لاحقا 3 % من جملة أسهمها.
في جوان 2012، غيرت "شركة التبريد ومعمل الجعة بتونس" تسميتها التجارية لتصبح "شركة صنع المشروبات بتونس" وأدرجت بالبورصة منذ شهر ماي 2013 واندرج الهيكل العام للملكية كالآتي:
ــ كاستل جروب (61.52%)
ــ شركة شركاء الاستثمار (9.98%)
ــ الشركة التونسية للتامين وإعادة التأمين - ستار- (4.999%)
ــ البنك الوطني الفلاحي (3.82%)
ــ شركة الاستثمار ذات الرأس المال المتغير ذ(0.02%)
ــ شركة للاستثمار في الأوراق المالية (0.02%)
ــ البنك الوطني الفلاحي رؤوس أموال (0.01%)
تهيمن "شركة التبريد ومعمل الجعة بتونس" على قطاع الجعة في البلاد من خلال ماركتها التاريخية "سلتيا" وماركة "باكس" وعلى قطاع المشروبات الغازية من خلال إنتاجها لماركات "كوكاكولا" و"فانتا" و"أورونجينا" و"شويبس" إضافة لـ"بوقا" المحلية وسعى مجمع "شركة التبريد ومعمل الجعة بتونس" في السنوات الأخيرة إلى توسيع وتنويع نشاطه الذي شمل قطاعي العصير والمياه المعدنية وذلك من خلال استحواذه سنة 2000 على مصنع "مروى" وعلى "شركة سوستام" (ماركة "صافية" و"مليتي") سنة 2003 كما دخل قطاع الحليب من خلال شرائه لأصول تابعة لـ "الشركة التونسية لصناعة الحليب" ومصنع لماركة "بلدي" وأصبح بذلك يحتكر حوالي 85% من السوق المحلية للجعة و90% من سوق المشروبات الغازية بالإضافة إلى 40 - %50 من سوق المياه المعدنية وقد بلغ رقم معاملاته 8365 مليون دينار سنة 2024 وبذلك تضاعف إجمالي رقم المعاملات بأكثر من 400% بين 2010 و2024.
تدير "شركة صنع المشروبات بتونس" مصنع جعة في باب سعدون وآخر لصنع المشروبات الغازية في بوعرقوب ولها فروع صناعية وأخرى متخصصة في اللف والنقل منها:
ــ شركة تصنيع و تنمية المشروبات
ــ شركة المحطات الاستشفائية والمياه المعدنية
ــ الرفاهة
ــ الشركة التونسية للمياه المعدنية
ــ الشركة التونسية للمشروبات الشمالية
ــ الشركة التونسية لمشروبات الغرب
ــ لا برفورم
ــ الشركة التونسية لجمع الحليب
ــ الشركة التونسية للمؤسسات والمبيعات
ــ الشركة العامة للمشروبات و الصناعات الغذائية
ــ الشركة التونسية للتوزيع
ــ علوم التكنولوجيات
ــ شركة نقل و توزيع السلع
ــ شركة تجارة الحليب
ــ شركة تعبئة الالمنيوم و المشروبات الغازية
ــ شركة التبريد و معمل الجعة بتونس للتوزيع
ــ SLD
ــ اس ام في دي اية رودها
ــ الشركة التونسية للمشروبات الغازية- اس تي بي جي
ــ الشركة العامة للمشلروبات أن جي
ــ شركة براسري طنجر
ــ SDB
ــ SINDT
ــ شركة إغلاق و تعبئة و تغليف البلاستيكية
كما تملك الحصة الرئيسية في "شركة الاستثمار والتنمية الصناعية والسياحية" التي
أطلقتها لاستثمار سيولتها المالية الهامة.
امتدت استثمارات "مجموعة كاستل"، منذ عدة عقود، لتعزو 21 بلدا أفريقيا منها السينيغال والكاميرون وجمهورية إفريقيا الوسطى وكوت ديفوار والكونغو الديمقراطية ومالي وبوركينا فاسو والنيجر وموريتانيا والبينين والجزائر والمغرب وغينيا ومدغشقر ومالاوي وسيطرت فيها على قطاع إنتاج الجعة والمشروبات الغازية والعصائر واستثمرت المجموعة أيضا في زراعة المحاصيل مثل قصب السكر والشعير، مما يساعد على تأمين المواد الخام اللازمة لإنتاج المشروبات كما احتكرت في جمهورية إفريقيا الوسطى مادة السكر وذلك منذ 20 عاما غير أن بوروندي ورواندا بقيتا عصيتين عليها بسبب السيطرة عليهما من طرف شركة "هينيكن" الهولندية.
لم يكن هذا التوسع ناتجا عن نجاعة الخطط الاقتصادية فحسب وما كان لمجمع كاستل أن يبسط سيطرتة لولا نسجه علاقات مريبة مع الرؤساء المحليين، تماما كما كانت علاقته مع عمر بانغو الذي حكم الغابون طوال 43 سنة وخوسي إدواردو دوس سانتوس الذي ظل رئيسا لأنغولا طيلة 38 سنة ومع الحسن واتارا رئيس كوت ديفوار منذ 2011 وحسب ما أفاد به الصحفي الفرنسي أنطوان غلازير، المتخصص في النفوذ الفرنسي بأفريقيا، فإن بيار كاستل لعب دورا مشبوها في وصول فرانسوا بوزيزي، الرئيس السابق لأفريقيا الوسطى، إلى الحكم سنة 2003 عبر انقلاب عسكري.
نظرا للعلاقات المريبة القائمة بين مجمع كاستل والميليشيات المسلحة فتح مكتب المدعي العام الوطني لمكافحة الإرهاب في فرنسا، سنة 2023، تحقيقا أوليا في تورط مجمع كاستل في تمويل ميليشيات مسلحة في جمهورية إفريقيا الوسطى لتأمين مواصلة نشاطها في البلاد وبالتلي التواطؤ في جرائم حرب ضد الإنسانية لما تقوم به هذه الميليشيات من عمليات تهجير وتعذيب وقتل المدنيين وتجنيد قسري للأطفال.
كما لم يسلم بيار كاستال، المصنف ضمن أغنى الشخصيات في فرنسا بثروة تقدر بـ 13.5 مليار يورو، من التورط في قضايا مالية كبرى إذ بدأت السلطات السويسرية بالتحقيق معه سنة 2017 للاشتباه في تضليله للسلطات الجبائية في سويسرا، حيث استفاد من نظام "الضريبة على النمط المعيشي" بدلاً من التصريح بمداخيله الحقيقية. كما اتهم بإخفاء هويته كرئيس لإمبراطورية مشروبات النبيذ العالمية التي تضم 215 شركة موزعة على 40 دولة وتزوير التصاريح الجبائية وتقديم إقرارات ضريبية تحت اسم مختلف بين الفترة ما بين 1982 و1994 بدلاً من اسمه الحقيقي واستخدم كاستل شركات في سويسرا وجبل طارق ومؤسسة في ليختنشتاين وصندوق ائتماني مقره سنغافورة لبناء إمبراطوريته وإبعاد نفسه تدريجياً عن العمليات ويُشار إلى أن المحكمة الفيدرالية السويسرية أدانته بدفع غرامات مالية تجاوزت 400 مليون يورو.
أما شركة صنع المشروبات بتونس، فقد بقيت لأكثر من أربعة عقود، فوق كل محاسبة أو مراقبة سواء من قبل وزارة المالية أو البنك المركزي أو لجنة التحاليل المالية وهي تعيش اليوم على وقع جدل واسع بعد تداول معلومات عن مداهمة مقرها من قبل السلطات الجبائية، يوم 6 أوت 2025، واتهامها بارتكاب جرائم مالية متشعبة أضرت بخزينة الدولة التونسية.
وتحدثت بعض المصادر الإعلامية عن استدعاء إلياس الفخفاخ الذي تم تعيينه مديرا عاما جديدا لشركة صنع المشروبات بتونس في سبتمبر 2023 للتحقيق معه في القضية وقد شغل الفخفاخ سابقا منصب وزير للمالية ورئيس للحكومة واستقال من هذا المنصب بسبب شـبهة تـضارب مصالح لحقت به لعدم تخليه عن حصص يمتلكها في شركة متخصصة في رسكلة النفايات تمكنت من الفوز بمناقصات حكومية مما يزيد من خطورة ملف شركة صنع المشروبات وتبعاته المحتملة على الساحة السياسية والاقتصادية علما أن قباض مالية تابعين للدولة يشتغلون في شركة صنع المشروبات مهمتهم الأساسية جباية الضرائب المستحقة على الشركة نيابة عن الدولة ويشمل دورهم جمع الضرائب المختلفة المستحقة على الشركة (ضريبة الشركات وضريبة القيمة المضافة وغيرها من الضرائب المطبقة على قطاع المشروبات) ومراقبة الالتزام الضريبي (التأكد من أن الشركة تلتزم بالقوانين واللوائح الضريبية وأنها تدفع الضرائب المستحقة عليها في الوقت المحدد) وإعداد التقارير المالية المتعلقة بالضرائب وتقديمها إلى الجهات الحكومية المختصة والمشاركة في عمليات التدقيق الضريبي التي تجريها الدولة على الشركة لضمان دقة البيانات المالية والالتزام الضريبي.
في ظل التعتيم الإعلامي، تداولت أخبار مفادها تورط شركة صنع المشروبات بتونس في شبهات تحيل وفساد مالي تتعلق بعمليات تهرّب ضريبي وتحويلات مالية غير مشروعة إلى الخارج لصالح رجل الأعمال الفرنسي بيار كاستال ومغالطات وتزوير في التصاريح الجبائية والديوانية واستغلال ثغرات قانونية وإدارية لتحقيق أرباح غير مصرح بها وعدم الالتزام بالمنافسة الشريفة والإضرار بالمالية العمومية.
في مواجهة هذه الأجواء المشحونة، اكتفت الشركة بنشر تقريرها العاشر حول البيئة والمجتمع والحوكمة في محاولة لإبراز الجانب الإيجابي من نشاطها من خلال التزامها بالانتقال البيني والتنمية المستدامة والمساهمة الفعلية في دفع الاقتصاد المحلي.
بماذا يفسر صمت السلطة وتواصل التعتيم لإعلامي الذي تسلكه وسائل الإعلام العمومية والخاصة حول هذه القضية؟
#هشام_نوار (هاشتاغ)
Naouar_Hichem#
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟