|
|
تونس: 17 ديسمبر 2010 14 جانفي 2011: ثورة أم انتفاضة؟
هشام نوار
(Naouar Hichem)
الحوار المتمدن-العدد: 8627 - 2026 / 2 / 23 - 14:59
المحور:
مواضيع وابحاث سياسية
إن التّطبيق المادّي الجدلي لدور العوامل الذّاتيّة والموضوعيّة للثّورة يعدّ من أهمّ القضايا المتعلّقة بالنّظريّة والممارسة وتمثّل العلاقة بينهما أهمّ المسائل المرتبطة بقضايا الاستراتيجيّة و التّكتيك في العمل السياسي. العوامل الذّاتيّة والعوامل الموضوعيّة تشير العوامل الذّاتيّة إلى العوامل المرتبطة بالوعي البشري مثل الأفكار والقيم والمعتقدات الّتي يحملها الأفراد والّتي تؤثّر على سلوكهم وقراراتهم، التّجارب الشّخصيّة الّتي تشكّل وعي الأفراد وتؤثّر على تفاعلهم مع واقعهم، الوعي الطّبقي الّذي يدرك من خلاله الأفراد والجماعات موقعهم الاجتماعي والاقتصادي ومصالحهم الطّبقيّة. لذا تعتبر العوامل الذّاتيّة مهمّة لأنّها تؤثّر على كيفيّة استجابتهم للظّروف الموضوعيّة الّتي يعيشون فيها وتلعب دورا في تحفيز الأفراد على العمل من أجل التّغيير الاجتماعي الثّوري. أمّا العـوامل المـوضوعيّة فهي تشيـر إلى الظّروف المادّيّـة والاقـتصاديّة الّـتي تـؤثّر على المجتمع مثل الـبنية الاقتصاديّة والعلاقات الإنتاجيّة، وهذه العـوامل تؤثّر على المجتمع مثل البنية الاقتصاديّة والعلاقات الإنتاجيّة وهي الّتي تحدّد الإطار الّذي يتحرّك فيه الأفراد والجماعات وغالبا ما تكون أكثر ثباتا من العوامل الذّاتيّة. تولّد الرّأسماليّة كلّ المقدّمات المادّيّة للثّورة وكذلك القوى الاجتماعيّة القادرة على تحقيقها ولكن من دون تدخّل العامل الذّاتي تنعدم إمكانيّة أيّ تحوّل جذري كما أن للعامل الذّاتي دور في الصّراع ضدّ محرّفي الماركسيّة الّذين يدّعون أن الاشتراكيّة ستنشأ تدريجيّا من تلقاء نفسها كنتيجة حتميّة للتطوّر الاقتصادي دون صراع طبقات ودون ثورة اشتراكيّة ولا دكتاتوريّة البروليتاريا ودون قيادة الحزب الماركسي. يُعتبر التّفاعل بين العوامل الذاتّيّة والموضوعيّة ضروريّا لفهم التّغيير الاجتماعي والثّورات، فبينما تعكس العوامل الموضوعيّة الظّروف المادّيّة تلعب العوامل الذّاتيّة دورا في كيفيّة استجابة الأفراد والمجموعات لهذه الظّروف. إنّ إعطاء قيمة مطلقة للعامل الذّاتي يؤدّي نظريّا إلى المثاليّة والنّزعة الذٌاتيّة والإراديّة ويؤدّي سـياسيّا إلى المغامريّة والجمود العـقائدي والانعزالـيّة كما أنّ إعطاء قيمة مطلقة للعامل الموضوعي يؤدّي نظريّا إلى المادّيّة المبتذلة والاقتصادويّة والعفويّة ويؤدّي سياسيّا إلى الإصلاحيّة والتّحريفيّة، فالعلاقة بين العـوامل الذّاتـيّة والموضوعـيّة ضروريّة لـفهم العـلاقة بين المادّة والـفكر، الكائن والوعي الاجتماعي، الاقتصادي وآلسّياسي، الممارسة والنّظريّة، الحركة العفويّة والنّشاط الواعي، البناء التّحتي والبناء الفوقي. البنية الفوقيّة والبنية التّحتيّة إنّ الخوض في مفهوم العوامل الذّاتيّة والموضوعيّة يحيلنا مباشرة إلى مسألة البنية الفوقيّة والبنية التّحتيّة. تشير البنية التّحتيّة إلى أسلوب الإنتاج، القاعدة الاقتصادية التي تشمل قوى الإنتاج (وسائل الإنتاج وقوة العمل) وعلاقات الإنتاج أما البنية الفوقية فهي تشمل الأفكار والنّظريّات الاجتماعيّة والمؤسسات القانونية والسياسية والثقافية والدينية إضافة إلى الإيديولوجيا التي تعزز وتبرر النظام الاقتصادي القائم. تشمل البنية الفوقية أيضًا الدولة والإعلام والنظام التعليمي والفنون… وتعتبر هذه البنية انعكاسًا للبنية التحتية تُستخدم للحفاظ على الوضع القائم وإن كانت الوضعيّة الاقتصاديّة هي القاعدة والمحدّد فإنّ مختلف عناصر البنية الفوقيّة (الأفكار والأحزاب والمؤسّسات…) تؤثّر أيضا، خلال تطوّر الصّراعات التّاريخيّة، وبصورة كبيرة بل وفي عديد المجالات هي التي ترجّح في تحديد شكلها. السّمات الرّئيسيّة للوضع الثّوري يتحدّد الوضع الثّوري بثلاثة عوامل: 1) ظهـور أزمة عامّة تـنخر الحياة السّياسيّة والاقـتصاديّة والاجتماعـيّة للبلاد وعجز الطّبقات السّائدة على الحكم بالطّريقة القديمة والحفاظ على سيطرتها دون أيّ تغيير، فتحتدّ الخلافات والصّراعات، داخل صفوف أجهزة الحكم، حول كيفيّة إنقاذ النظام. إزاء هذه الأزمة، يتوجّب على الحزب الثّوري لا تقديم برنامج إنقاذ بل العمل على تصعيد هذه الأزمة وتأجيجها عن طريق التّعبئة الفعّالة والنّشيطة للجماهير. 2) اشتداد وتفاقم الأزمة الاقتصاديّة وإفرازها لبؤس وفقر الجماهير الكادحة حيث ترتفع نسبة البطالة وتتدنّى المقدرة الشّرائيّة للغالبيّة العظمى من الشّعب وتتهرّأ الخدمات كالصّحّة والتّعليم والنقل... 3) تتحوّل الأزمة الاقتصاديّة والاجتماعيّة إلى أزمة ثوريّة يتكثّف فيها سخط الجماهير الشّعبيّة إزاء الطّبقة الحاكمة وأعوانها وتنتقل الجماهير من مجرّد التذمّر والاستياء إلى العصيان والتّمرّد على السّلطة القائمة لإنجاز فعل تاريخي مستقل وإسقاط المنظومة الحاكمة. بدون هذه التّغييرات الموضوعيّة (أزمة الحكم، تردّي أوضاع الفئات الشعبيّة، الهبّة الشّعبيّة ضد النّظام الحاكم) المستقلّة عن إرادة طبقات وأحزاب معيّنة، تكون الثّورة، عموما، مستحيلة. إنّ مجموع هذه التّغييرات الموضوعيّة هو بالضّبط ما يسمّى بالوضع الثّوري. حول الثّورة الثّورات عمليّات ديناميكيّة وديالكتيكيّة تنتج عن تراكم التّناقضات والتّوتّرات الاجتماعيّة الّتي تصل بها إلى الحدّ الفاصل وتنتقل، عند لحظتها الحرجة هذه، من الحالة الكمّيّة إلى الحالة النّوعيّة. اقتصار النظر إلى الثورة من زاوية تراكمها الكمي فحسب يؤدي إلى السقوط في اليمينية الإصلاحية، هذه النزعة التي يترتب عنها الاعتقاد بإمكانية زوال الرأسمالية بفعل التراكمات الكمية وإقرار تحولها السلمي، دون ثورة، إلى الاشتراكية مما يؤول، في النهاية، إلى مجرد ترقيع النظام الرأسمالي والإبقاء على سلطة البورجوازية كما أن الاقتصار على رؤية الثورة من زاوية تحولها النوعي فحسب يؤدي إلى السقوط في اليسراوية المغامرية، هذه النزعة التي تقوم على إنكار ضرورة تراكم التحولات الكمية وتدعو إلى الهجوم الآني على سلطة البورجوازية لإسقاطها وفي كلتا الحالتين، أيمينية كانت أم يسراوية، فإنهما تتطابقان في أصولهما إذ تنكران دور الثورة في التحولات الاجتماعية. وإذ كانت الثّورة تحلّ جملة من القضايا المتعلّقة بالتغيير الاجتماعي وتهدم القديم لتبني الجديد فإنّ أبرز قضيّة تواجهها هي الاستيلاء على سلطة الحكم. فالثّورة مقدّمة ووسيلة لافتكاك السّلطة الشّرط الضّروري للتّغييرات الجذريّة الّـتي يجب تحقـيقها في المجتمع من خلال السّلـطة الجديدة الّتي تجسّد مـصلحة الجماهير وتعمل على تحقيق أهدافها. يختلف طابع الثّورة في البلدان الرّأسماليّة عن طابعها في البلدان الرّأسماليّة التّابعة ففي الأولى يكمن محرّك الثّورة في التّناقض بين قوى الإنتاج وعلاقات الإنتاج الّتي لم تعد قادرة على استيعاب التّطوّر الّذي طرأ على قوى الإنتاج ممّا يستوجب تغيير علاقات الإنتاج القديمة بعلاقات إنتاج جديدة تتمكّن من استيعاب هذا التّطوّر ويمثّل التّناقض بين الطّبقة العاملة وطبقة البورجوازيّة التّناقض الرّئيسي للمجتمع الرّأسمالي ويقع حلّ هذا التّناقض عبر الثّورة الاشتراكيّة وإرساء دكتاتوريّة البروليتاريا. أمّا في البلدان الرّأسماليّة التّابعة فإنّ الامبرياليّة تمثّل العائق الأكبر لتطوّر القوى المنتجة في مستعمراتها ومستعمراتها الجديدة إذ تقتصر، معيّة البورجوازيّة العميلة المحلّيّة، على إرساء صناعة تحويليّة هشّة موجّهة نحو التّصدير بما في ذلك الأرباح كما أن القوى الامبرياليّة لا تتوانى عن نهب الثّروات الطّبيعيّة ومقدّرات البلدان المهيمن عليها لن ينجم عنه إلاّ الإمعان في تخريب الاقتصاد المحلّي. لذلك، يمثّل التّناقض بين الشّعب (عمّال وعمّال احتياطيّون وفلاّحون فقراء وصغار الفلاّحين وشرائح بورجوازيّة صغيرة مدينيّة) من جهة والامبرياليّة وعملائها المحلّيّين من جهة أخرى ويقع حلّ هذا التّناقض عبر الثّورة الوطنيّة الشّعبيّة وإقامة الجمهورية الشّعبيّة الديمقراطية. وإن كنا بيّنّا أن الثّورة تندلع بالضّرورة من وضع ثوري لن يكتمل إلاّ بتوفّر ثلاثة عوامل (أزمة الحكم، تردّي أوضاع الفئات الشعبيّة، الهبّة الشّعبيّة ضدّ النّظام الحاكم) وأنّ الثّورة حدث عفوي وفجئي رغم أهمّيّة العامل الذّاتي للتّعجيل بها فمن البديهي أن الحركة الاحتجاجيّة تأخذ، خلالها، حيزا هامّا في الانتشار والتّوسّع في مختلف أنحاء البلاد وتتكثّف شعارات الجماهير المحتجّة في شعار مركزي يدعو إلى إسقاط النّظام السّياسي. إلى هذا الحدّ تكتمل مقوّمات ومفهوم مصطلح الثّورة أمّا مآلاتها في نجاحها أو تحقيق جزء من أهدافها أو انتكاسها فتلك مسألة أخرى لا تدخل في التّعريف الاصطلاحي للثّورة فكم من ثورة في تاريخ الشّعوب فشلت بمعنى أنّها قُضي عليها أو أنّها لم تفض إلى تحقيق هدفها المركزي المتمثّل في الإطاحة بالنّظام القائم أو أنّها لم تنجح إلاّ في فرض إصلاحات جزئيّة لا تمسّ جوهر النّظام القديم. إن مصطلح الثّورة لا يشترط تتويجها بتحوّل تشكيلة اجتماعيّة اقتصاديّة إلى أخرى ولا حتّى إنجاز إصلاحات لنظام الحكم كما أنّ غياب الحزب الثّوري أو ضعف تأثيره في مجرى الحراك الاجتماعي لن يؤثّر إلاّ في مآل الثّورة بنجاحها أو انتكاسها. يـذكر لينين في مـقاله « تـقريـر عـن ثـورة 1905» أنّه : « قـبل 22 كانون الثاني-يناير (9 كانون الثاني-يناير حسب التقويم القديم) 1905، كان الحزب الثوري في روسيا يضم حفنة صغيرة من الناس؛ وكان اصلاحيو ذلك العهد (مثل اصلاحيي اليوم) يسموننا على سبيل التهكم والسخرية «شيعة». بضع مئات من المنظمين الثوريين» الثّورة مقدّمة ووسيلة لافتكاك السّلطة وفشلها في ذلك لا ينزع عنها مصطلحها كثورة ونجد في تاريخ الشّعوب أمثلة كثيرة لثورات لم تنجح: ــ أشار لينين في مقاله «خطّان فى الثّورة» إلى نجاح الثّورة أو هزيمتها فأوضح أنّ «فى فرنسا 1789، كانت المسألة هى الإطاحة بطبقة النبلاء والحكم المطلق. اعتقدت البورجوازية حسب مستوى التطور الاقتصادى آنذاك فى انسجام المصالح، ولم تكن لديها مخاوف بشأن استقرار حكمها وكانت مستعدة للدخول فى تحالف مع الفلاحين. وقد ضمن هذا التحالف النصر التام للثورة. فى 1848 كانت المسألة هى إطاحة البروليتاريا بالبورجوازية. ولم تستطع البروليتاريا أن تكسب لصفها البورجوازية الصغيرة، وقد أدت خيانتها لهزيمة الثورة. كان الخط الصاعد فى 1789 شكلا للثورة هزم فيه الشعب الحكم المطلق. وكان الخط الهابط فى 1848 شكلا للثورة أدت فيه خيانة جمهور البورجوازية الصغيرة للبروليتاريا الى هزيمة الثورة». ــ تعرّض كارل ماركس أيضا للثّورة الفرنسيّة (1848) والّتي تمخّضت عن إعلان الجمهوريّة الثّانية لكنّها سرعان ما قادت إلى الفشل الذّريع وعودة الملكيّة بعد أن سرق لويس بونابارت الثّورة واستوى امبراطورا جديدا على فرنسا وأرسى حكما استبداديّا إذ ذكر ماركس في مؤلّفه «الثّامن عشر من برومر ــ لويس بونابارت» أنّ «ثورة فيفري كانت هجومًا مفاجئًا، كانت أخذًا مباغتا للمجتمع القديم. وقد أشاد الشعب بهذه الضربة غير المتوقعة باعتبارها عملا ذا أهمية تاريخية عالمية يؤدي بحقبة جديدة». ــ في الثّاني عشر من أفريل سنة 1871، أي في أيّام الكومونة بالذّات الّتي انتهت بقمع دموي، في الثّامن والعشرين من شهر ماي من نفس السّنة، خلال ما سمّي بـ "الأسبوع الدّامي" وصف ماركس كومونة باريس بالثّورة: «… إذا ما ألقيت نظرة إلى الفصل الأخير من كتابي «18 برومير» رأيت أني أعلنت أن المحاولة التالية للثورة الفرنسية يجب أن تكون لا نقل الآلة البيروقراطية العسكرية من يد إلى أخرى كما كان يحدث حتى الآن، بل تحطيمها ». ــ تعرّض أيضا لينين في مقاله «تقرير عن ثورة 1905» والّتي لم تسفر في نهاية الأمر إلاّ إلى بعض الإصلاحات كإصدار قانون انتخابي جديد والاعـتراف بالطّابع الاستشاري لـمجلس الدّوما لكنّها لم تمسّ من جـوهر حكـم القيصر نيكولاس الثّاني فذكر أنّ « الثورة الروسية هي في التاريخ العالمي أول ثورة كبيرة ولكن من المؤكد أنها لن تكون الأخيرة». ــ رغم الهزيمة الّتي منيت بها الثّورة الألمانيّة (1918) الّتي انتهت بتقويضها وقمعها ليُقضى عليها سنة 1919 فإنّ لينين أكّد في مقاله «الثّورة البروليتاريّة العالميّة» أنّ «الثورة الألمانية ليست مجرد انتفاضة شعبية ضد الطغمة العسكرية والنظام الملكي، بل هي بداية لنهاية النظام الرأسمالي في أوروبا. نضال العمال الألمان يوضح بجلاء أن البروليتاريا الأوروبية لن تقف مكتوفة الأيدي أمام اضطهاد البرجوازية».
شهدت البلاد التّونسيّة منذ السّبعينات تحرّكات اجتماعيّة احتجاجيّة اختلفت دواعيها ونتائجها وكان قاسمها المشترك الاحتجاج على أوضاع الفقر الّذي يعيشه عامّة الشّعب والقمع المسلّط عليه ولعلّ أهمّ هذه التّحرّكات تبقى انتفاضة 26 جانفي 1978 وانتفاضة الخبز وانتفاضة الحوض المنجمي وثورة 17 ديسمبر 2010 ــ 14 جانفي 2011.
انتفاضة 26 جانفي 1978 دخل النّظام الرّأسمالي العالمي في أزمة حادّة ابتداء من سنة 1973 انعكست بصورة مضاعفة على البلاد التّونسية كغيرها من البلدان ذات الاقتصاديّات الضّعيفة والتّابعة وتزامنت مع انتهاج الوزير الأوّل الهادي نويرة سياسة "الانفتاح الاقتصادي" القائم على بعث صناعات خفيفة وتحويليّة موجّهة للتّصدير قوامها الرّأس المال الأجنبي الّذي قُدّمت له كلّ التّسهيلات وقد تمّ سنّ قوانين أفريل 72 وأوت 74 وجويلية 76 لحماية المستثمر الأجنبي وتقديم مزيد من الامتيازات للصّناعيّين الأجانب كضمان اليد العاملة البخسة الأجر والإعفاء من الضّرائب القمرقيّة في عمليّة التّوريد والتّصدير ممّا عمّق ارتهان وتبعيّة الاقتصاد المحلّي لمصالح القوى الامبرياليّة فازدادت البورجوازيّة العميلة ثراء وتفشّى الفقر جرّاء التهاب الأسعار وغلاء المعيشة وتدهورت المقدرة الشرائيّة وارتفعت نسبة البطالة وتنامت ظاهرة النّزوح نحو المدن الساحليّة بعدما انتهى الأمر بأغلب الفلاّحين إلى التّفريط في أراضيهم بالبيع أو الرّهن أو التخلّي عنها. تزامنت نهاية السّبعينات مع حكم استبدادي احتكر الحياة السياسيّة وصادر الحرّيّات ونصب المحاكمات ضدّ تيّارات يساريّة سنوات 1974 و76-77 ثم 78-79 (مجموعة آفاق ـ العامل التونسي ومنّظمة الشّعلة) كما جرى الانقلاب على الاتّحاد العام لطلبة تونس وقمع حركة الشّباب التّلمذي والطّالبي سنوات 1972 و1975 و1976. تزامنت الازمة الاقتصاديّة والاجتماعيّة مع أزمة سياسيّة داخل النّظام وبروز صراعات داخل أجنحة السّلطة من أجل خلافة الرّئيس وكان حبيب عاشور، الأمين العام للاتّحاد العام التّونسي للشّغل، طرفا في ذلك الصّراع بوصفه عضوا باللّجنة المركزيّة للحزب الحاكم وشهد التّحالف بين الحزب الدّستوري والاتّحاد تصدّعا منذ بداية سنة 1976 وقد بدأت بوادر فكّه تتّضح إثر تتالي الإضرابات العمّالية سنة 1977 من بينها المسيرة الّتي نظّمها الاتّحاد الجهوي للشّغل بصفاقس يوم 9 سبتمبر وإضراب عمّال شركة «سوجيتاكس» بقصرهلال يوم 10 أكتوبر وما صاحبها من تمرّد أهالي المدينة طيلة خمسة أيّام وإضراب في منزل بورقيبة موفّى شهر أكتوبر جرت خلاله مواجهات عنيفة بين أعوان البوليس والجيش من جهة والعمّال والأهالي من جهة ثانية وإضراب عمّال المناجم في نوفمبر وإضراب عمّال شركة النّقل يوم 7 ديسمبر وإضراب قطاع التّعليم وعمّال شركة السّكك الحديديّة في 19 ديسمبر وإضراب عمّال وموظّفي وزارة الفلاحة يوم 6 جانفي 1978…تحسّبا لقمع أيّ انفجار اجتماعي بدأت تلوح بوادره وقع تعيين زين العابدين بن علي كمدير عامّ للأمن الوطني في ديسمبر 1977. يوم 18 جانفي 1978 هاجمت مليشيات الحزب الحاكم المقرّ المركزي للاتّحاد الـعام التّونسي للشّغـل إضافة إلى تهـجّمها على المـقرات الجهويّة وفي هذا السّياق، أعلن الاتّحاد الإضراب العام يوم 26 جانفي 1978 بعد انعقاد مجلسه الوطني أيام 8 و9 و10 جانفي 1978 والّذي قدّم إثره الحبيب عاشور استقالته من الدّيوان السّياسي للحزب الحاكم فتتالت الاستقالات الجماعيّة من الحزب في صفوف النقابيّين. يوم الإضراب العام، ورغم إعطاء المركزيّة النّقابيّة تعليمات للنّقابيّين بعدم المشاركة في أيّ حركة احتجاجيّة قد تقع حتّى لا يتمّ توريطهم في أعمال تخريب أو نهب كان يعدّ لها الحزب الحاكم،خرج آلاف المحتجّين للشّوارع
وكانت المشاركة الشّعبيّة حاشدة حيث شهدت شوارع العاصمة مسيرات شارك فيها العديد من النّقابيّين والعمّال والطّلاّب والمعطّلين عن العمل وامتدّت الحركة الاضرابيّة لتشمل كلّ جهات البلاد على غرار صفاقس والقيروان وقابس وسليانة وتوزر وسوسة والقصرين وباجة والرديّف والمظيلّة وقفصة والمنستير والمتلوّي وتوزر… رافقت المسيرات أحداث عنف وحرق كانت ميليشيات الحزب الحاكم المندسّة في المتظاهرين أوّل من بادر بها وشرع النّظام في محاصرة مقرّات الاتّحاد العام التّونسي للشّغل ليلة 26 جانفي 1978 بالاستعانة بوحدات من الأمن والجيش الّتي انتشرت أيضا بكثافة في المدن ومضت في خيار المواجهة الـدّمويّـة بإطلاق الرّصاص الـحي على الـمتـظاهرين لـيسقط بـذلك 52 شهـيدا و365 جريحا حسب المصادر الرّسميّة وتؤكّد تقارير مستقلّة أنّ حوالي 400 شهيد سقط خلال الأحداث وجرح أكثر من ألف مواطن. أعلنت الحكومة يوم 26 جانفي حالة الطّوارئ بأمر رئاسي وفرضت حظر التجوّل وأعطت تعليمات للبوليس والجيش بإطلاق النّار على كلّ من لا يلتزم بذلك. شنّ النّظام حملة واسعة من الاعتقالات شملت جلّ أعضاء المكتب التّنفيذي باستثناء التّيجاني عبيد الّذي قدّم استقالته من المكتب التنفيذي قبل الإضراب العام وتبرّأ من المشاركة فيه وقد قامت السّلطة بتنصيبه بعد شهر أمينا عامّا للاتّحاد العام التّونسي للشّغل، كما شملت الإيقافات أيضا الكتّاب العامّين للاتّحادات الجهويّة والكتّاب العامّين للجامعات والنّقابات العامّة والأساسيّة وأصدرت محكمة أمن الدّولة أحكاما بالسّجن تراوحت بين 6 أشهر مع تأجيل التّنفيذ إلى الأشغال الشاقّة لمدة 10 سنوات في حين تمّت مقاضاة المئات من النّقابيّين الآخرين أمام المحاكم العاديّة. وفي هذا السّياق أشارت جريدة “لوموند” الفرنسيّة إلى أنّ هناك ثلاثة آلاف شخص تمّت مقاضاتهم بتهمة المشاركة في أحداث 26 جانفي 1978. أكّدت شهادات النّقابيّين المعتقلين أنّهم تعرّضوا للتّعذيب عند إيقافهم في أقبية وزارة الدّاخلية أو مراكز الإيقاف كما وقع التّنكيل بهـم داخل السّجون وقد لـقي البعض حتفهم جرّاء التعذيب على غرار حسين الكوكي وسعيد قاقي. وفي 3 أوت 1980 وتزامنا مع تقبّل الرّئيس الحبيب بورقيبة للتّهاني بمناسبة عيد ميلاده صدر قرار بالإفراج عن الحبيب عاشور مع إبقائه رهن الإقامة الجبريّة بمنزله وفي سنة 1980 يستعيد منصب الأمين العام للاتّحاد العام التّونسي للشّغل. تميّزت أحداث 26 جانفي 1978 بتوسّعها إلى أغلب الولايات والمساهمة الفعّالة للعمّال إلى جانب الموظفين والشّباب الطلاّبي والتّلمذي الّذين احتجّوا ضدّ غلاء المعيشة والقمع الّذي سلّطه الحزب الحاكم فرفع شعارات «خبز وماء ونويرة لا» و«فلوس الشعب يا حوّافة» و«خبز، حريّة، كرامة وطنيّة»… لكن ما يجب التّأكيد عليه هو أنّ الجماهير المحتجّة كانت، عموما، تحت قيادات نقابيّة تمثّل جزءا من النّظام القائم وإطارات في الحزب الحاكم، لم يكن هدفها إسقاط المنظومة الحاكمة بل كان شغلها الشّاغل حسم الخلاف لصالح شقّ من شقوق البورجوازيّة المتأزّمة. لهذا لم تتعدّ أحداث 26 جانفي 1978 حدود الانتفاضة لعدم اتّجاهها نحو إسقاط النّظام الحاكم وهنا يكمن دور القيادة السّياسيّة الموكول لها توجيه الحراك الاجتماعي وجهة ثوريّة.
انتفاضة الخبز (1983) في أواخر ديسمبر من سنة 1983 وإثر إصدار قرار حكومي ينصّ على التّرفيع في ثمن العجين بنسبة 70 بالمائة وبالتّالي مضاعفة سعر الخبز، على أن يدخل حيز الّتنفيذ في أوّل جانفي 1984، شهدت البلاد حركة احتجاجيّة رافضة هذه الزّيادات. انطلقت الشّرارة الأولى للاحتجاج يوم الخميس 29 ديسمبر 1983 من مدينة دوز بولاية قبلّي حيث تظاهر المواطنون ليندّدوا بقرار التّرفيع وينادوا بالتّراجع فيه وسرعان ما توسّعت دائرة الحركة الاحتجاجيّة لتشمل مدن قبلّي وسوق الأحد ومدنين وتطاوين وقفصة والحامّة والقصرين واتّسعت دائرة الأحداث مرّة أخرى لتعمّ غالب مناطق الجمهوريّة بما في ذلك المدن الكبرى كقابس وصفاقس وتونس العاصمة بأحوازها المفقّرة. استهدف المحتجّون المؤسّسات الرّسميّة ومقرّات الحزب الحاكم ومراكز الأمن والبنوك وتمّت مهاجمة وإتلاف كلّ ما يدلّ على الثّراء فبادرت السّلطة في 3 جانفي 1984 بإغلاق المعاهد والجامعات وإعلان حالة الطّوارئ ومنع الجولان وأصدرت تعليمات للجيش للنّزول الى الشّارع لقمع المتظاهرين واستمرّت المواجهات بين المدنيّين من جهة وقوات الجيش والبوليس من جهة أخرى ولم تتردّد الـقوّات المسلّحة في إطلاق النّار على الـمتظاهرين ممّا خلّف استشهاد قرابة المائة مواطن وجرح المئات حسب ما أوردته الرّابطة التّونسيّة للدّفاع عن حقوق الإنسان إضافة الى عدد كبير من الاعتقالات والإيقافات والمحاكمات الجائرة وفي 6 جانفي 1984 أعلن الرّئيس الحبيب بورقيبة عن التّراجع في قرار التّرفيع في أسعار الخبز وتمّ رفع حالة الطّوارئ في 25 من جانفي 1984 بعد أن تمّت اعتقالات واسعة في صفوف المحتجّين والنّقابيّين والنّشطاء السّياسيّين صدرت ضدّهم أحكام وصلت الى السّجن المؤبّد. لا أحد ينكر اتساع الحركة الاحتجاجية التي امتدت إلى أغلب مناطق البلاد لكن رغم امتدادها ورغم رفع المتظاهرين لشعارات ضد غلاء المعيشة والتنديد بالنظام الحاكم فإنه، في أهدافها، لم تتجاوز سقف المطلبية بالتراجع عن قرار التّرفيع في أسعار الخبز والدليل على ذلك توقف الاحتجاج حال إعلان رئيس الجمهورية التراجع عن الزيادات. لا يجب استنقاص أهمية انتفاضة الخبز (1983) أو نظيرتها بالحوض المنجمي التي اندلعت سنة 2008 لأنهما ستمهدان لثورة 17 ديسمبر 2010 ــ 14 جانفي 2011.
انتفاضة الحوض المنجمي (2008) شهد الجنوب الغربي التّونسي حركة احتجاجيّة اندلعت شرارتها الأولى بالرديّف يوم 5 جانفي 2008 إثر إعلان نتائج مناظرة توظيف بشركة فسفاط قفصة الّتي أثارت سخط سكّان المنطقة لقلّة عدد النّاجحين وما شاب هذه المناظرة من فساد وعقليّة الولاءات والجهويّة، وبسرعة انتقلت شرارة الغضب إلى مدن أمّ العرائس والمظيلّة والمتلوّي ودام الاحتجاج قرابة السّتّة أشهرتخلّلته مواجهات دامية مع البوليس خلّفت ثلاثة شهداء و25 جريحا في صفّ المتظاهرين إضافة إلى الاعتقال التعسّفي والتّعذيب وأحكام مشدّدة بالسّجن إثر محاكمات جائرة لـ 150 محتجّ. لا يمكن توصيف الحراك الاجتماعي بالحوض المنجمي بالثّورة لأنّه لم يتعدّ من حيث امتداده الطّابع المحلّي كما أن دوافع الاحتجاج كانت بالأساس قطاعيّة تتعلّق أساسا بالتّشغيل في شركة فسفاط قفصة وفروعها رغم أن بعض الشّعارات تحوّلت من المطلبيّة إلى إدانة الخيارات الاقتصاديّة والاجتماعيّة للنّظام الحاكم: "أموال الشّعب فى القصور، أبناء الشّعب في السّجون"، "لا مناول لا سمسار أحنا هم أولاد الدّار"، "لا فساد ولا إفساد في صفوف الاتّحاد"... لقد كانت انتـفاضة الحوض الـمنجمي محكوما عليها مسبّقا بالاستنزاف والتّآمر عليها للاعتقاد السّائد صلبها بأنّ المنظومة الحاكمة قادرة على تلبية مطالب المحتجّين وحلّ مشاكلهم الاقتصاديّة والاجتماعيّة بصفة جذريّة وهذا هو الصّدع الّذي تسلّلت منه السّلطة لنهج سياسة التّرغيب والتّرهيب والتّسويف وتقديم الوعود الزّائفة لكسر وحدة الحراك وإخماده، في غياب العنصر الثّوري ودوره في رفع هذه الأوهام.
ثورة 17 ديسمبر 2010 ــ 14 جانفي 2011 يوم 17 ديسمبر 2010 أقدم محمد البوعزيزي، بائع متجوّل في سوق مدينة سيدي بوزيد، على إضرام النّار بنفسه أمام مقرّ الولاية بعد أن رفض مسؤولون محلّيّون قبول شكواه باستهداف مصدر رزقه فخرجت مسيرات حاشدة من شباب وأهالي الجهة تضامنا معه واحتجاجا على تفشّي البطالة وضدّ التّهميش في هذه المنطقة الداخليّة ورفع المحتجّون شعارات تنادي بإسقاط النّظام وحزب التّجمّع الدّستوري الدّيمقراطي ومحاسبة الطرابلسيّة فتدخّلت القوّات الأمنيّة لقمع المتظاهرين بإطلاق الرّصاص واعتقال العشرات منهم. توسّعت الحركة الاحتجاجيّة لتشمل سائر الجهات وعمّت تونس العاصمة وأحياءها الشّعبيّة حيث شهدت مواجهات مع الـقوى الأمنيّة والعـسكريّة الّتي لم تتردّد في إطلاق النّار فدفع الغضب المتظاهرين إلى حرق مقرّات رسميّة وأخرى للحزب الحاكم. لاستعادة السّيطرة على الشّارع، عمدت السّلطة إلى إغلاق المؤسّسات التّعليميّة ونشر الجيش في المدن الكبرى وإعلان حظرالتجوّل اللّيلي. تسارعت الأحداث يوم 14 جانفي2011 الّذي شهد مظاهرات ومواجهات عنيفة في قلب العاصمة فأعلنت حالة الطّوارئ ليعود الجيش مجدّدا وبقوّة إلى الشّوارع وشهد هذا اليوم المظاهرة الكبرى بشارع الحبيب بورقيبة ضمّت أبناء العاصمة وضواحيها كما ارتفعت حدّة الاحتجاجات في جميع أرجاء البلاد مطالبة برحيل بن علي وعصابته ممّا أجبر هذا الأخير إلى الفرار واللّجوء إلى المملكة العربيّة السّعوديّة. في نفس اليوم تولّى محمد الغنّوشي، رئيس الوزراء، رئاسة الجمهوريّة بالنّيابة وبعد يوم واحد تمّ تعيين فؤاد المبزّع كرئيس للجمهوريّة بصفة مؤقّتة بعد إعلان المجلس الدّستوري شغور منصب رئيس الجمهوريّة بشكل نهائي عقب فرار بن علي. كلّف فؤاد المبزّع محمّد الغنّوشي باقتراح حكومة جديدة وفي 17 جانفي 2011 أعلن الوزير الأوّل عن تركيبة حكومة "الوحدة الوطنيّة" الّتي شملت وزراء وكـتّاب دولة ينتسبـون لـ« التّجمّع الدّستوري الدّيمقراطي » وعدد من قيادات أحزاب المعارضة على غرار حركة التّجديد والحزب الدّيمقراطي التّقدّمي والتّكتّل الدّيمقراطي من أجل العمل والحرّيّات وأعضاء مقترحين من الاتّحاد العام التّونسي للشّغل. لم تعمّر هذه الحكومة طويلا حيث هبّت الجماهير يوم 23 جانفي 2011 من مختلف الجهات لتحتلّ ساحة الحكومة بالقصبة في اعتصام القصبة الأوّل، رفعت خلاله شعار إسقاط حكومة محمّد الغنّوشي وإنهاء حكم «التّجمّع الدّستوري الدّيمقراطي». تحت ضغط الاحتجاجات واستقالة البعض من أعضاء الحكومة تمّ تعديل وزاري لم يكن ليرضي الجماهير الغاضبة الّتي وقع فكّ اعتصامها بساحة القصبة يوم 28 جانفي 2011 إثر تدخّل قمعي من طرف قوّات الأمن فعادت الجماهير مرّة ثانية إلى ساحة القصبة لإعلان اعتصام ثان يوم 22 فيفري 2011 ورفع شعاري إسقاط حكومة الغنّوشي وانتخاب مجلس تأسيسي ممّا حدا به إلى تقديم استقالته يوم 27 فيفري 2011 وفي نفس اليوم أعلن الرّئيس المؤقّت تكليف الباجي قايد السّبسي بمهام الوزير الأوّل الّذي شكّل حكومته يوم 7 مارس 2011، لكنّ ذلك لم ينه "اعتصام القصبة 2" الّذي تواصل متمسّكا، إجماليّا، بمطلب مغلوط يتعلّق بانتخاب مجلس تأسيسي توكل له مهمّة صياغة دستور جديد للبلاد. يوم 15 مارس 2011، تمّ بعث الهيئة العليا لتحقيق أهداف الثّورة والإصلاح السّياسي والانتقال الدّيمقراطي الّتي لا تمثّل إلا وجها آخر لسليلتها اللّجنة العليا للإصلاح السّياسي الّتي تمّ تأسيسها في 17 جانفي2011 ثلاثة أيّام بعد اندلاع الثّورة، وذلك من قبل الوزير الأوّل محمّد الغنّوشي والتي ترأّسها عياض بن عاشور. شكّل تأسيس الهيئة العليا لتحقيق أهداف الثّورة والإصلاح السّياسي والانتقال الدّيمقراطي مناورة أخرى، ولعلّها أهمّها، من طرف أعداء الثّورة ورموز النّظام القديم لإجهاض السّيرورة الثّورية وقبر المجلس الوطني لحماية الثّورة الّذي تأسّس في 11 فيفري 2011 وقد أنهت هذه الهيئة أعمالها في 13 أكتوبر 2011 بعد المصادقة على قوانين صدرت في شكل مراسيم منها القانون الانتخابي وقانون إحداث الهيئة العليا المستقلّة للانتخابات التي أشرفت على سير انتخاب أعضاء المجلس الوطني التّأسيسي يوم 23 أكتوبر2011 والّذي تمخّض عن حصول حركة النّهضة على 89 مقعدا من مجموع 217 وأمّنت أغلبيّتها في المجلس النّيابي بتحالفها مع حزب المؤتمر من أجل الجمهوريّة والتّكتّل الدّيمقراطي من أجل العمل والحرّيّات فرشّحت محمد منصف المرزوقي رئيسا مؤقّتا في 12 ديسمبر 2011 وفي 24 ديسمبر 2011 كلّفت حمّادي الجبالي بتشكيل الحكومة المؤقّتة. أثارت الهبة الشعبية ( 17 ديسمبر 2010 ــ 14 جانفي 2011 ) في تونس جدلا حول طبيعتها فهي عند البعض انتفاضة وعند الآخرين ثورة وذهب البعض الآخر إلى توصيفها بحراك أو مسار ثوري أو أكثر من انتفاضة وأقل من ثورة واعتبرها أزلام النظام السابق مجرد مؤامرة خارجية. يحيل التّعريف الاصطلاحي للثّورة ضرورة توفّر وضع ثوري يتميٌز بتردّي أوضاع الفئات الشعبيّة الّتي أصبحت لا تستطيع أن تُسَيًرَ وَتُحْكَمَ كما في السٌابق وبأزمة سياسيّة تشقّ الطّبقة الحاكمة الّتي أصبحت لا تستطيع أن تُسَيٌِرَ وَتَحْكُمَ كما في السٌابق وتأخذ الحركة الاحتجاجيٌة حيزا هامٌا من التٌوسٌع والانتشار في مختلف أرجاء البلاد وتتكثّف شعارات الجماهير المحتجّة في شعار مركزي يدعو إلى إسقاط النّظام السّياسي القائم. انطلاقا من هذا التّعريف الاصطلاحي، يمكن الإقرار بثورة 17 ديسمبر 2010 ــ 14 جانفي 2011 الّتي توفّرت فيها كلّ الشّروط من تردّ لأوضاع عامّة الشّعب وعدم قبوله بحكم النّظام القائم ومن أزمة سياسيّة خنقت البورجوازيّة العميلة الحاكمة وجعلتها غير قادرة على مواصلة نهج نفس السياسة ولا أدلّ على ذلك تصريح بن علي في خطابه يوم 13 جانفي 2011: «الوضع يتطلب تغييرا عميقا وشاملا» كما أنّه لا أحد يشكّك في توسّع الحراك الاجتماعي ليعمّ كامل أنحاء البلاد بل أكثر من ذلك، كان للثّورة الـتّونسيّة صدى لـدى جـلّ الشّعوب العـربيّة وقـد رفعـت الجماهـير المنتـفضة، بدون هوادة، شعار: "الشّعب يريد إسقاط النّظام" رغم إعلان بن علي، في خطابه يوم 13 جانفي 2011، أنّه لن يترشّح لانتخابات 2014 وأنّه سيجري إصلاحات ديمقراطيّة ويطلق الحرّيّات العامّة، لكنّ الاحتجاجات ازدادت حدّة ووتيرة.
لماذا فشلت الثّورة التونسية؟ لا شكّ أنّ قضيّة السّلطة هي المسألة المركزيّة في كلّ ثورة ولا شكّ أنّ الثّورة التّونسيّة أطاحت ببن علي، رأس السّلطة السّياسيّة، وحقّقت مكتسبات ذات بال كحلّ التّجمّع الدّستوري وحلّ المؤسّسات المنتخبة صوريّا وحلّ البوليس السّياسي وفرض الحرّيّات العامّة والفرديّة (حرّيّة الرّأي والتّعبير والإعلام وإلى حدّ ما حرّيّة التّنظّم) وقد أثبتت الأحداث إمكانيّة نسف هذا المكتسب، غير أنّ السّلطة السّياسيّة بقيت بيد القوى الرجعيّة العميلة المعادية للشّعب. بذك فشلت الثّورة التّونسيّة في تحقيق هدفها ووقع الالتفاف عليها وإجهاضها ثمّ قبرها إلاّ أنّ جلّ الأحزاب اليساريّة مازالت تلوك مقولات لن تساهم إلاّ في تزييف وعي الجماهير كـ"استكمال أهداف الثّورة" و"تدعيم المسار الدّيمقراطي"... يتأكّد يوما بعـد يوم ضرورة الحزب الـثّوري الّـذي مثّل غـيابه عائقا للسّيرورة الثّورية فاسحا المجال للقوى الرّجعيّة وحتّى الإصلاحيّة لخيانة الثّورة. ليس أمام الشّعب التونسي إلاّ من ثورة أخرى متّعضا بأخطاء ثورة 17 ديسمبر 2010 ــ 14 جانفي 2011.
#هشام_نوار (هاشتاغ)
Naouar_Hichem#
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟
رأيكم مهم للجميع
- شارك في الحوار
والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة
التعليقات من خلال
الموقع نرجو النقر
على - تعليقات الحوار
المتمدن -
|
|
|
|
نسخة قابلة للطباعة
|
ارسل هذا الموضوع الى صديق
|
حفظ - ورد
|
حفظ
|
بحث
|
إضافة إلى المفضلة
|
للاتصال بالكاتب-ة
عدد الموضوعات المقروءة في الموقع الى الان : 4,294,967,295
|
-
مقاربة تقييمية لليسار التونسي بعد الثورة
-
السياسة المائية في تونس
-
تونس: السيادة الوطنية في مسلخ الشركة العامة للملاّحات
-
تونس : نموذج التطبيع الناعم مع الكيان الصهيوني
-
تونس : قانون المالية لسنة 2026 : العناوين الكبيرة والإجراءات
...
-
الجيل Z
-
الديمقراطية البورجوازية والديمقراطية الشعبية
-
تونس : نموذج للتطبيع الغير معلن مع الكيان الصهيوني
-
مشروع الحزب اليساري الكبير بتونس : منبر الإصلاحية
-
قراءة في الوثيقة التأسيسية للحزب الشيوعي قيد التأسيس بتونس ح
...
المزيد.....
-
شاهد.. تحليق مروحيات عسكرية مكسيكية بعد مقتل زعيم كارتل المخ
...
-
استطلاع: شعبية ترامب في أدنى مستوى لها قبل خطاب حالة الاتحاد
...
-
الثلوج تكسو نيويورك.. وزوار يتجوّلون قبل إغلاق الطرق
-
انسحاب كامل خلال أسابيع: واشنطن تطوي وجودها العسكري في سوريا
...
-
أخبار اليوم: القوات الأميركية ستنسحب من سوريا في غضون شهر
-
رقابة الاستخبارات ـ شُبهات التطرف تلاحق حزب البديل الألماني
...
-
تصريح صادر عن الجبهة الوطنية الشعبية الأردنية بشأن التصريحات
...
-
أربع سنوات بعد الغزو..- الشيء الوحيد الذي يتمناه الجميع هو ا
...
-
نيو يورك تشهد أعنف العواصف الثلجية هذا الموسم
-
المكسيك: ما مصير كارتل المخدرات خاليسكو بعد مقتل زعيمه إل مي
...
المزيد.....
-
مقاربة تقييمية لليسار التونسي بعد الثورة
/ هشام نوار
-
من مذكرات شيوعي أردني جهاد حمدان بين عامين: 1970-1972
/ جهاد حمدان
-
المواطن المغيب: غلاء المعيشة، النقابات الممزقة، والصمت السيا
...
/ رياض الشرايطي
-
حين يصبح الوعي عبئا: ملاحظات في العجز العربي عن تحويل المعرف
...
/ رياض الشرايطي
-
الحزب والدين بوصفه ساحة صراع طبقي من سوء الفهم التاريخي إلى
...
/ علي طبله
-
صفحاتٌ لا تُطوى: أفكار حُرة في السياسة والحياة
/ محمد حسين النجفي
-
الانتخابات العراقية وإعادة إنتاج السلطة والأزمة الداخلية للح
...
/ علي طبله
-
الوثيقة التصحيحية المنهجية التأسيسية في النهج التشكيكي النقد
...
/ علي طبله
-
الطبقة، الطائفة، والتبعية قراءة تحليلية منهجية في بلاغ المجل
...
/ علي طبله
-
قراءة في تاريخ الاسلام المبكر
/ محمد جعفر ال عيسى
المزيد.....
|